بسم الله الرحمن الرحيم

الجمالات الصُفر

إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ(32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ(33) المرسلات

(1)

{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} (32) سورة المرسلات

القراءات: قَصْر[1]، قَصَر[2]، قُصُر[3]، قِصَر[4]، قَصِر[5]، قُصْر[6] . ولا أدري إن كان معنى (القصر) بالآية كما بالتفاسير[7] (البناء[8] العظيم والبيت والدار والحصن[9] والبيت من أدم[10] أو الأرحية[11]، الغليظ من الخشب[12]، أعناق الإبل[13] والدواب والرجال[14]، الجبل[15]) .

وأورد احتمالاً ـ وقد لا يكون صحيحاً ـ  أن ( القصر) بالآية [إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ] ربما وصف الرمي، لا الشرر، كأن القصد: أن جهنم ترمي ( بشررها) كرمي القصر. فلعل في الكلام تقديماً وتأخيراً، كأن تقديره: إن جهنم ترمي (كالقصر )، بشرر كأنه جمالة صفر. والله أعلم.

 

(2)

{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} (33) سورة المرسلات

القراءات: جِمالة[16]، جِمالات[17]، جُمالة[18]، جُمالات[19]. والتفسير المعروف يدور في معاني : (أ) الإبل[20] (الجمال، النوق) ، وقيل الخيل[21] (ب) الحبال[22] الغلاظ (القلوس[23]، القلوص[24]) للسفن[25] أو للجسور[26]، (ج) شيء مجمّل[27] (شيء مجموع غليظ)[28]، ( د) قطع[29] النحاس.

 

فأما التفسير (أ)، فهو الأشهر. وقد فسّر الكلمة القرآنية (جمالة، جمالات) بلفظ مشابه ـ يعرفه الكبير والصغير ـ وهو الجِمال[30](الإبل). وقد تأثر به وصف نار لابة المدينة الحادثة سنة 654 هـ، فوصِف شررها وأحجارها الذائبة كأنها جِمال[31]. ومثله وصف نار حرّة أشجع كأنها خيل[32]شقر.

 

وأما التفسير ( ب) أي الحبال الغليظة الضخمة (للسفن أو الجسور)، فمن معنى (الجمع والغلظة والضخامة) بجذر (جمل)[33]، وهو معنى قد يكمن بالآية بصورة أو بأخرى.

 

وأما التفسير (ج)، فمن الشيء المجمل (شيء مجموع غليظ)، ولعله (لم يحدّد) [تفسير الرازي: والمعنى أن هذه الشررة ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر، وهذا قول الفراء]. وهو يشبه التفسير (ب) الذي (حدّد وعيّن) الشيء المجموع الغليظ بالحبال الضخمة. وهذا يجعل التفسير ( ج) ـ إن كان عاماً غير محدد ـ مع التفسير (د) الآتي، أفضل تفسيرين معروفين.

 

وأما التفسير (د) أي قطع النحاس[34]، فالظن أن لفظ (قِطَع) هو تفسير (جمالة، جمالات). فإن كان كذلك، فهو أيضاً كالتفسيرين (ب) و (ج) من معنى الجمع[35] (جُملة الشيء، الشيء المُجْمَل أو المُجَمَّل[36]، شيء مجموع غليظ[37]).

ولفظ (النحاس) يبدو تفسيراً لكلمة (صُفْر)[38] [مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني: {كأنه جمالات صفر} .. وقيل: بل أراد الصفر المخرج من المعادن، ومنه قيل للنحاس: صفر ]، إذ ربما اعتبر (صُفْر) بمعنى (معدن النحاس)[39] المعروف.

فلعله أصبح تفسير (جمالة) هو (قِطَع)، وتفسير (صُفر) هو (النحاس[40]). وهكذا ظهر تفسير (قِطَع النحاس) أي (قِطَع الصفر) أو (جُمَل الصفر) أو (جُمَل من معدن الصفر).

ورغم أن هذا التفسير لا يبدو أنه نظر للآية كوحدة[41]، وإنما كأنه قابل كل كلمة ـ على حدة وبشكل مستقل ـ بمعنى لغوي محتمل[42]؛ ورغم خطأ[43] اعتبار (صفر) بالآية بمعنى نحاس (إن قصد التفسير ذلك)، إلا أن تفسير (قطع النحاس) في مجمله[44] تفسير مدهش وموفّق. 

ومعنى النحاس[45] قد يدور في معنى الدخان[46]، أو القطر[47] والصفر[48] المذاب[49]، أو ما سَقَطَ من شِرَارِ[50] الصُّفْرِ أو الحَدِيدِ، أو المهل[51]، أو دردي الزيت[52] أو النار[53]. فإن اعتبرت هذه المعاني للنحاس في مجمل معنى (قطع النحاس) ـ أي أنه مجموعات وكُتَل من الصفر المذاب والقطر والمهل ـ فهذا التفسير (في مجموعه) صائب.

هذا في جملة التفسير ومجموعه. وأمّا تحديداً وتفصيلاً، إن كان أريد تفسير كلمة ( صُفْر) بمعنى النحاس[54]، فهو ضعيف. فلا يُرجّح أن (صُفْر) بالآية تدل على اسم معدن كالنحاس (الصُفْر) أو المذاب منه أو معانيه الأخرى. إذ لا يبدو أن الآية تقصد: جمالات (من الصُفْر)[55]. ولكن الأقوى أن (صُفْر) تدل على اللون[56]، كأن مقصد الآية [أن تلك الجمالة أو الجمالات هي صفراء اللون]، فكلمة ( صُفْر) (نعت ووصف) للجمالة.

 

 

وأرى أنه يوجد بالمعاجم لفظ يتطابق جذراً ومعنى مع اللفظ القرآني [جمالة، جمالات]:

 العين للخليل (ت: 170هـ): الجميل: الاهالة المذابة، واسم ذلك الذائب: الجمالة. (والاجتمال: الادهان بالجميل) والاجتمال أيضا: أن تشوي لحما، فكلما وكفت إهالته استودقته على خبز ، ثم أعدته ثانية /قال الهذلي يصف حمار الوحش : فظل يراعي الشمس حتى كأنها * فويق البضيع في الشعاع جميل، الجميل ههنا: الشحم المذاب، شبه شعاع الشمس في البحر بدسم الشحم المذاب / والاهالة: الالية ونحوها، يؤخذ فيقطع، ثم يذاب، وهي: الجميل أيضا.

 

اصلاح المنطق لابن السكيت ( ت: 244هـ) : وكذلك رعبت الحوض إذا ملأته، وهو مرعوب قال الهذلي : نقاتل جوعهم بمكللات *** من الفرني يرعبها الجميل ، ويروى نقابل جوعهم أي تملؤها الإهالة ويقال جملت الشحم إذا أذبته، وكذلك اجتملت .. وقد جمل الشحم يجمله جملاً، إذا أذابه وقد أجمل الرجل، إذا أذاب الشحم والألية ويقال لما أذيب منه الجميل قال الهذلي : نقاتل../ ترتيب إصلاح المنطق: وقد جمل الشحم يجمله جملا، إذا أذابه.

وقد أجمل الرجل، إذا أذاب الشحم والالية. ويقال لما أذيب منه: الجميل. .. وجملت الشحم والالية واجتملت، إذا أذبتها.

 

المعاني الكبير - ابن قتيبة الدينوري  ( ت:276 هـ) : وقال أبو خراش : يقاتل جوعهم بمكللات  *** من الفرني يرعبها الجميل، مكللات جفان قد كللن باللحم، يرعبها يملؤها، يقال رعبت الأودية أي ملئت، والجميل الشحم المذاب / ومثله للبيد : وغلام أرسلته أمه *** بألوك فبذلنا ما سأل، أو نهته فأتاه رزقه *** فاشتوى ليلة ريح واجتمل، أي لم ترسله فأرسلنا إليه، واجتمل من الجميل وهو الودك.

 

مجالس ثعلب ( ت: 291 هـ) : وأنشد: تجيل دلاء القوم فيها غثاءة *** إجالة حم المستذبية جامله ، قال: الجميل: الشحم الذئب. قال: أي تضطرب الدلاء فوق الماء فتنحى الطحلب كذا وكذا، كما يدير المستذيب الشحم في القدر.

 

جمهرة اللغة - ابن دريد ( ت:321 هـ) : الجَميل: الشحم المذاب. وفي حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " لعن الله اليهودَ حُرِّمت عليهم الشحومُ فجَمَلوها وباعوها " ، أي أذابوها. قال الشاعر: فإنّا وَجَدْنا النِّيبَ إذ تَنْحَرونها *** يعيش بَنينا شحْمُها وجَميلها، .. وقالت امرأة من العرب لابنتها: " تجمَّلي .. " ، أي كُلي الجميلَ / الاشتقاق لابن دريد : .. أو يكون من الشَّحم المُذَابِ، وهو الجَميل. .. قال الشاعر:فإِنَّا وجَدْنا النِّيب إذ يَعقِرونَها *** يُعشّى بِنينَا شَحمُها وجميُلها، وتقول العرب: نزلتُ بفلانٍ فما عَفَّفَني ولا جَمَلني، أي لم يَسْقِني المعُفافة، وهي باقي اللَّبَن في الضَّرع، ولم يُذِبْ لي الشَّحم.

 

 العقد الفريد - ابن عبد ربه الأندلسي ( ت: 328 هـ) : وقال بعضهم: السمينة الجميلة، من الجميل، وهو الشحم.

 

صفة جزيرة العرب للهمداني ( ت:334 هـ) : أسماء تمران الفلج : ..  ثم البرني[57] وله إهالة وجميل مثل جميل الكبش السمين .

 

تهذيب اللغة – الأزهري ( ت: 370 هـ) : الجَمِيلُ : الإهالة المُذابة، واسم ذلك الذائب: الجُمالة، والاجتمال: الادِّهان به، والاجتمالُ أيضا: أن تشوي لحما، فكلما وكَفَتْ إهالته استودقته على خبز، ثم أعدته. والجمَال: مصدر الجَمِيل، والفعل منه: جَمُلَ يَجْمُلُ. .. وقال شمر، أقرأني ابن الأعرابي: فانا وَجَدْنا النِّيبَ إذْ يَفْصدونها *** يُعيشُ بَنِينَا وجَمُّها وجَميلُها ، قال: الجميل المرق، وما أُذيب من شحم أو إهالة فهو جميل. وأنشد: ومَكنونةٍ عند الأمير عظيمةٍ *** إذا قَحطَ السُّيّامُ فار جَميلُها ، قال: المكنونة القِدرُ، والسيَّام الرُّعاه، والجِمالة: الصُّهارة. أبو عبيد عن الفراء: جَمَلْتُ الشحم أجْمُلُه جَمْلا، ويقال: أجملته، وجملت أجود، واجتمل الرجل. وقال لبيد: فاشْتوى لَيْلَةَ رِيحٍ واجْتَمَلْ  .

 

المحيط في اللغة - الصاحب بن عباد ( ت: 385 هـ) : وجمَلْتُ الشَّحْمَ وأجْمَلْتُه بمعنىً : أي أذَبْته.

 

الصحاح في اللغة للجوهري ( ت: 393 هـ): ويقال للشحم المذاب: جَميلٌ. ..  وجَمَلْتُ الشحمَ أَجْمُلُهُ جَمْلاً واجْتَمَلْتُهُ، إذا أَذَبْتُهُ. وربَّما قالوا: أَجْمَلْتُ الشحمَ. ..  وتَجَمَّلَ، أي أكل الجَمِيلَ، وهو الشجمُ المذابُ.

 

الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ( ت: نحو 395 هـ) : ويجوز أن يكون معنى قولهم وجه جميل أنه يجري فيه السمن ويكون إشتقاقه من الجميل وهو الشحم المذاب.

 

فقه اللغة، لأبي منصور الثعالبي ( ت: 429 هـ) : كلُّ ما أذِيبَ مِنَ الشّحْمِ فهو صُهارة وجَميل/ فقه اللغة : الصهارة الشحم المذاب، وكذلك الجميل.

 

المخصص - ابن سيده ( ت: 458 هـ) : أبو عبيد، الصُّهَارَة - ما أُذِيب من الشَّحْم، صاحب العين، صَهَرْته أَصْهره صَهراً واصْطَهرته - أذبتُه وأكَلْته، أبو زيد، كُلُّ قِطْعة من الشِّحْم صَغُرت أو عَظُمت - صُهَارَة، .. أبو عبيد، الجَمِيل كالصُّهَارة وقد جَمَلْت الشحمَ أَجْمُله جَمْلاً هذا أجود ويقال أجْملْت واجْتملْت، ابن الأعرابي، اسم الذائِب الجُمالة / المحكم والمحيط الأعظم - ابن سيده : الجَمِيل: الشحم يذاب ثم يجمل، أي يجمع. وقيل: الجميل: الشحم يذاب فكلما قطر وكف على الخبز ثم أعيد. وقد جَمَلَه يَجْمُله جَمْلا، وأَجْمله: أذابه. واجْتَمله: كاشتواه. وقالت امرأة من العرب لابنتها: " تجمَّلي وتعفي " أي كلي الجميل .. والجمُول: المرأة التي تذيب الشحم، وقالت امرأة لرجل تدعو عليه: " جملك الله " : أي اذابك كما يذاب الشحم، فأما ما انشده ابن الأعرابي من قول الشاعر:إذ قالت النَثول للجَمولِ يا ابنة شحم في المريء بولي، فإنه فسر الجَمُول بأنها الشحمة المذابة: أي قالت هذه المرأة لأختها: أبشري بهذه الشحمة المجمولة التي تذوب في حلقك، وهذا التفسير ليس بقوي، وإذا تؤمل كان مستحيلا. وقال مرة: الجَمُول: المرأة السمينة، والنثول: المرأة المهزولة.

 

المفردات في غريب القران ، للراغب الاصفهانى ( ت: 502 هـ) : جملت الشحم أذبته والجميل الشحم المذاب .. تجملي .. أي كلى الجميل .

 

 مجمع الأمثال – الميداني ( ت: 518 هـ) : فقالت براقش: جملنا واجتمل. فأرسلتها مثلاً. والجميل، الشحم المذاب. ومعنى جملنا، أي أطعمنا الجميل. واجتمل، أي أطعم أنت نفسك منه.

 

أساس البلاغة – الزمخشري (ت: 538 هـ ) : جمل الشحم: أذابه. واجتمل وتجمل: أكل الجميل وهو الودك. واجتمل إذا استوكف إهالة الشحم على الخبز وهو يعيده إلى النار. وقالت أعرابية لبنتها: تجملي وتعففي أي كلي الجميل واشربي العفافة أي بقية اللبن في الضرع. وتقول: خذ الجميل وأعطني الجمالة وهي الصهارة.

 

المغرب للمطرزي (ت: 610 هـ ) :(وَالْجَمِيلُ) الْوَدَكُ وَهُوَ مَا أُذِيبَ مِنْ الشَّحْمِ (وَالْجُمَالَةُ ) صُهَارَتُهُ يُقَالُ جَمَلَ الشَّحْمَ أَيْ أَذَابَهُ جَمْلًا.

 

النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ( ت: 630هـ) : جَمَلْتُ الشَّحْم وأجْملْته: إذا أذَبْتَه واسْتَخْرَجْت دُهْنه. وجَمَلْتُ أفْصح من أجْمَلْت.

 

اللسان لابن منظور ( ت: 711 هـ) : الأَصمعي: يقال لما أُذيب من الشَّحم: الصُّهارة والجَمِيل/ اللسان: ‏ويقال للشحم المُذَاب: جَمِيل؛ .. والجَمِيل: الشَّحم يُذَاب ثم يُجْمَل أي: يُجْمَّع، وقيل: الجَمِيل الشحم يذاب فكُلما قَطَر وُكِّفَ على الخُبْزِ ثم أُعِيد؛ وقد جَمَله يَجْمُله جَمْلاً وأَجمله: أَذابه واستخرج دُهْنه؛ وجَمَل أَفصح من أَجْمَلَ. ..  وتَجَمَّل: أَكل الجَمِيل، وهو الشحم المُذاب. وقالت امرأَة من العرب لابنتها: تَجَمَّلي .. أي: كُلي الجَمِيل .. والجَمُول: المرأَة التي تُذيب الشحم، وقالت امرأَة لرجل تدعو عليه: جَمَلك الله أي: أَذابك كما يُذاب الشحم؛ فأَما ما أَنشده ابن الأَعرابي من قول الشاعر: إِذ قالت النَثُّول للجَمُولِ: * يا ابْنة شَحْمٍ؛ في المَرِيءِ بُولي ، فإِنه فسر الجَمُول بأَنه الشحمة المُذابة، أي: قالت هذه المرأَة لأُختها: أَبشري بهذه الشَّحمة المَجْمولة التي تذوب في حَلْقك؛ .. وقال مرَّة: الجَمُول المرأَة السمينة، .. والجَمِيل : الإِهالة المُذابة، واسم ذلك الذائب الجُمَالة، والاجْتِمال : الادِّهَان به. ... الفراء : جَمَلْت الشحم أَجْمُله جَمْلاً واجْتَملته إِذا أَذَبْته.

 

القاموس للفيروزأبادي (ت: 817 هـ): ‏ الجَميلُ: الشَّحْمُ الذائِبُ. .. وتَجَمَّلَ: ..أكَلَ الشَّحْمَ المُذَابَ... وـ الشَّحْمَ: أذابَهُ، كأَجْمَلَهُ واجْتَمَلَهُ. .. وكأَميرٍ: الشَّحْمُ يُذَابُ فَيُجْمَعُ. ..وكصبورٍ: من يُذيبُه، والمرأةُ السمينةُ.

 

  خزانة الأدب - عبد القادر البغدادي ( ت: 1093 هـ) : اجتمل: اتخذ الجميل، بفتح الجيم، وهو الشحم المذاب. يقال: اجتمل، أي: أذاب الشحم. وفي الحديث: " ..حرمت عليهم الشحوم فجملوها .. " . وقال الطوسي: ويقال: اجتمل اللحم، أي: طبخه بالشحم ليس معه ماء، وذلك إذا قلاه به.

 

تاج العروس للزبيدي ( ت: 1205هـ) : .. جَمَلَ الشَّحْمَ يَجْمُلُه جَمْلاً : أَذابَهُ ومنه الحديث : " .. الشُّحُومُ فجَمَلُوها .." أي أذابُوها . .. الجَمُولُ كصَبُورٍ : مَن يُذِيبهُ أي الشَّحْمَ وفي المُحكَم : المَرأةُ التي تذِيبُ الشَّحْمَ . قال ابنُ الأعرابيّ : الجَمُولُ : المرأةُ السَّمِينةُ والنَّثُولُ : المَهْزُولَةُ وأنشَد :  " إذْ قالَتِ النَّثُولُ للجَمُولِ  " يا بْنَةَ شَحْمٍ في المَرِيءِ بُولِي .. مما يُسْتَدْرَك عليه : الجُمالَةُ كثُمامَةٍ : الذائِبُ مِن الإهالَةِ ومنه قولُهم : خُذِ الجَمِيلَ وأعطِني الجُمالَةَ وهي الصُّهارَةُ . ..  والاجتِمالُ : الادِّهانُ بالشَّحم .

 

‏ فتح القدير للشوكاني ( ت: 1250 هـ): وَقِيلَ كُلْ الْجَمِيلَ الْمَجْمُولَ وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُذَابُ .

 

وبالموطأ لمالك ( ت:179هـ) : [قيل : يا رسول الله، لقد كان الناس ينتفعون في ضحاياهم، يُجْمِلُوْن منها الوَدَك ويتَّخذون منها الأسْقِيَةَ ]، وبالبخاري (ت:256هـ) : [(لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها). و(جملوها) بمعنى أذابوها]، وبمسلم (ت:261هـ) : [قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا، أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ]. وبالنسائي: [إن الله عز وجل لما حرم عليهم الشحوم جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه]. وبالدر المنثور للسيوطي: [وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود، لما حرم الله عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوها".. وبعمدة القاري شرح صحيح البخاري ، لبدر الدين العيني ( ت: 855 هـ ) : قوله فجملوها بالجيم أي أذابوها يقال جمل الشحم يجمله من باب نصر ينصر إذا أذابه ومنه الجميل وهو الشحم المذاب وقال الداودي ومنه سمى الجمال لأنه يكون عن الشحم وليس هذا بين لأنه قد يكون بعد الهزال. وبمرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ، للملا على القاري : وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله قال قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها بالتخفيف أي أذابوها بالنار ليزول عنها اسم الشحم ويصير ودكا فباعوها . متفق عليه].

تصحيفات المحدثين للعسكري ( ت: 382 هـ) : [ ومما يصحف قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها جملوها الجيم مفتوحة والميم غير مشددة معناه أذابوها وهذا هو الصحيح ومن رواه حملوها أو حملوها فهو خطأ وتصحيف وأما من رواه جمّلوها بالجيم وتشديد الميم فليس بخطأ ويحتمل أن يكون على التكثير من جملوها مخففة فتكون مثل قتلت قتلت وجميعا بمعنى أذابوها وهذا قريب وأما من رواه جملوها بالجيم وتشديد الميم من تجميل الشئ وتحسينه فلا معنى له ها هنا والصحيح جملوها ويقال جملت الشحم إذا أذبته وحكى أبو عبيد عن الكوفيين فيه ثلاث لغات قال يقال جملت الشحم واجتملته وأجملته والجميل الشحم المذاب قال الشاعر وإنا وجدنا النيب لو تنحرنها *** يعيش وإن بنينا شحمها وجميلها، كما وقالت امرأة لابنتها تعففي وتجملي أي كلي الجميل يعني الشحم المذاب .. عن ابن الأعرابي قال دعت امرأة عربية على رجل فقالت له جملك الله أي أذابك الله كما يجمل الشحم].

 

والجمل (زوج الناقة) أحد احتمالات تسميته[58]: لأجل شحم سنامه، أي كتلة الشحم المجتمعة على ظهره [اللسان: وقوله: كما شققت في القِدر السناما، يريد أَن تلك العصيدة بيضاء تلوح كما يلوح السنام إِذا شقق، يعني بالسنام: الشَّحم إِذ هو كلّه شحم ، اللسان: وكانوا يسمُّون السَّنام: الشحمَ / تاج العروس: الجَمَلُونُ مِن البِناء مُحَرَّكَةً : ما كان على هيئةِ سَنامِ الجَمَلِ].

فنجد ألفاظ جذر (جمل) متعلقة بذوبان الشحم والإهالة، وبالصهارة عموماً[59] [تاج العروس : الجُمالَةَ وهي الصُّهارَةُ / تهذيب اللغة – الأزهري : الجِمالة: الصُّهارة]، وحتى بإذابة البشر [اللسان: وقالت امرأَة لرجل تدعو عليه: جَمَلك الله أي: أَذابك كما يُذاب الشحم].

أي كأن معنى (جمالة صفر) بكلام الله [إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33) المرسلات] : أن شرر جهنم كأنه شحوم ذائبة صفراء اللون ( أو صهارة صفراء) . فكلمة (جمالة، جمالات) أي (شحوم ذائبة أو صهارة) ، وكلمة (صُفر)أي (لونها). فالآية تصف الشرر كأنه شحوم وإهالة ذائبة أو صهارة ذات لون أصفر[60].

وهذا تشبيه ينطبق تماماً على الحمم البركانية. فالحمم ( التي تخرج من عمق الأرض) ليست صلبة كالحجر وليست كسيولة الماء، بل مواد منصهرة ذائبة سائلة ثقيلة غليظة كثيفة (سيل صخور مائعة ذائبة) كأنها شحم وإهالة وزبد وسمن وشمع ذائب أو عسل مصفّى أو عجين مسترخ أو مُحّ بيض أو فضّة ذائبة أو زئبق أو صمغ أو زيت ثقيل أو وحل وخُلُب وطين رقيق مبلول، أي كسائل ثقيل غليظ كثيف لزج بطيء الجريان.

ونعلم أن وقود جهنم هو الحجارة، وهو نفس وقود البراكين ( صخور نارية منصهرة).

{ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } (24) سورة البقرة

{ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } (6) سورة التحريم

فيبدو أن معنى (الجمالة أو الجمالات) الصُفْر، يقارب جداً أو يطابق معنى الحمم البركانية الصخرية الذائبةالمنصهرة المتدفقة من جوف الأرض [تاج العروس: الجُمالَةَ وهي الصُّهارَةُ ]، كأنها شحم مُذاب أصفر يُقذف من بطن الأرض ويسيل على جوانب البركان.

ونجد بالقرآن ألفاظ الصبّ[61] للحميم والمُهل[62] متعلّقة بطبيعة جهنم مما يؤيد معنى الصهارة والذوبان والسائل الغليظ :

{ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ} (48) سورة الدخان
{يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} (19) سورة الحـج
يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ } (29) سورة الكهف

فجهنم وقودها الحجارة التي تُصهر[63] وتذوب من حر جهنم، كما تذوب حجارة البراكين ( الخارجة وهي ذائبة منصهرة من داخل الأرض). ولو وُصِفت الحمم[64] البركانية (الصخور الذائبة السائلة) لما وجد أحسن من تشبيهها بالشحم والإهالة الذائبة والصهارة الصفراء، أي بالجميل الأصفر. وشرر جهنم (الذي أصله تلك الحجارة الذائبة في جهنم وموادها المنصهرة عموماً) قد وصفته الآيات كأنه (جمالة، جمالات)، مما يؤيد ربطها بلفظ جميل (شحم مذاب، إهالة مذابة، صهارة) . فالأقرب أن معنى (جمالة، جمالات) بالآية هو شحوم وإهالة[65] ذائبة منصهرة .

 

وقد يتضح إشكال التفسير (أ) الذي جعل الجمالة بمعنى الإبل. إذ أن الجمل جسم (صلب غير مائع)، وليس ملائماً أن توصف مواد (سائلة ذائبة منصهرة) تتدفق من بطن جهنم بأجسام (صلبة) كالجمال.

الجمل له مقادير ثابتة (غير متغيرة) من وزن وحجم وصورة. وهذا الثبات وعدم التباين لا يتفق مع حال شرر جهنم (التي تكاد تتقطع[66] من الغضب والاضطراب والغليان). فالشرارة من جهنم يُفترض أن تتغير وتختلف في مقدارها، وزناً وحجماً وشكلاً. وذلك بحسب (انفصالها وانقطاعها) عن بقية الشرر، أو بحسب (اندماجها والتحامها) مع غيرها، أو بحسب (اتجاهها) : تفجّراً للأعلى ثم انتشاراً ثم تساقطاً.

وجهنم وقودها الحجارة التي عندما (تنصهر وتذوب) يتوقع أن يكون شررها كالجميل (الشحمة الذائبة، الصُهارة)، أي مادة ذائبة مائعة (غير صلبة)، وبالتالي (لن) تأخذ شكلاً ثابتاً[67] كشكل الإبل. فالشحم الذائب، (ليس) له صورة وأبعاد ثابتة، لأنه مادة (ذائبة مائعة) لا تتماسك. والشكل الثابت ذو الأبعاد الثابتة لا يكون إلا للجسم الصلب (كالإبل)، وما يخرج من بطن جهنم ليس أحجاراً صلبة، بل ذائبة سائحة منصهرة.

 

والجمال لا تكاد تتباين في أوزانها وأحجامها، بينما وزن الشرار قد يختلف من واحدة لأخرى. فقد تتكون شرارة ثقيلة جداً، وأخرى أقل منها وزناً بكثير. وذلك لأن شرر جهنم يُفترض أن يكون عبارة عن رمي وقذف وتفجّر وتحطّم وتمزّق وفوران وغليان وثوران عشوائي غاضب مضطرب وعنيف لمواد سائلة منصهرة [الدر المنثور: يؤتى بجهنم يومئذ يأكل بعضها بعضا/ تفسير الطبري: ثم تعرض جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا]، وإذن فلا يتوقع وسط هذا الاضطراب الشديد أن يكون كثير من الشرر مقارباً وزناً لغيره. والأمر مثله في الحجم، فقد ينتج عن هذا التقطع والتحطم أن يكون حجم شرارة أضعاف حجم أخرى.

 

فجهنم ليست وضعاً هادئاً مستقراً منتظماً :

{إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ} (7) {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ } (8) سورة الملك

{إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} (12) سورة الفرقان

{لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} (28) سورة المدثر

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ} (5) {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ} (6) سورة الهمزة

{مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} (97) سورة الإسراء

{تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} (4) سورة الغاشية/ {نَارٌ حَامِيَةٌ} (11) سورة القارعة

{فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} (14) سورة الليل

وقد علمنا اضطراب وعنف وفوضى الكثير من نيران[68] الأرض، فكيف بأكبرها :

{الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} (12) سورة الأعلى

 

كما قد يتضح نفس الإشكال في التفسير (ب) الذي جعل الجمالة والجمالات بمعنى الحبال الغليظة (للسفن أو للجسور) التي يكاد يكون حجمها معروفاً سمكه وغلظه [تفسير الطبري : قُلُوس .. كأوساط الرجال / بحر العلوم للسمرقندي : جمالات حبال السفينة ..مثل أوساط الرجال ] ، ولتلك الحبال طول ثابت محدد حسب الغرض. فالقلص جسم صلب ثابت (حجماً وكتلةً وشكلاً)، فلا يناسب وصف ما تلفظه جهنم من صُهارة الصخور المائعة الذائبة (مضطربة الشكل والكتلة والحجم) .

 

وبالأثر وصف لجهنم لا يبعد عن معنى الجميل :[غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: 224 هـ) : وقال أبو عبيد: في حديث كعب (يجاء بجهنم يوم القيامة كأنها متن[69] إهالة[70]) / مصنف ابن ابي شيبة (ت: 235هـ) : قال كعب : .. يجاء بجهنم فتمر للناس كأنها متن إهالة / صفة النار لابن أبي الدنيا (ت: 281هـ) :  عن كعب ، قال : « يمسك بالنار يوم القيامة حتى تصير كأنها متن إهالة / تفسير الطبري (ت: 310 هـ) : فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن إهالة / بحر العلوم للسمرقندي (ت:  373 /375 هـ) : قال كعب : .. يجاء بجهنم كأنها متن إهالة / الكشف والبيان للثعلبي (ت: 427 هـ) : عن كعب أنّه قال في هذه الآية {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا} قال : ترفع جهنّم يوم القيامة كأنّها متن اهالة / حلية الأولياء لأبي نُعيم الأصبهاني (ت: 430هـ) : عن كعب .. تبرز جهنم للناس كأنهم متن إهالة / شعب الإيمان للبيهقي (ت: 458هـ) : عن عقبة بن عامر قال : قال « تمسك النار يوم القيامة حتى تبيض كأنها متن  إهالة / الكشاف للزمخشري (ت: 538هـ) : عن ابن عباس : يردونها كأنها إهالة / المحرر الوجيز لابن عطية (ت: 541هـ) : وروت فرقة أن الله تعالى يجعل يوم القيامة النار جامدة الأعلى كأنها اهالة / تفسير الرازي (ت: 606هـ) : قال ابن عباس : «يردونها كأنها إهالة» / النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (ت: 630هـ) : في حديث كعب (تُمسَك النار يوم القيامة حتى تَبِصَّ كأنَّها مَتْن إهالة) أي تَبْرُق ويَتَلألأ ضَوؤُها].

 

فجهنم حسب ذلك الأثر ، كأنها متن إهالة[71] . والإهالة (شحم مذاب)[72] لدى البعض ، وإذن الإهالة كالجميل[73] . والحديث يؤيد تعريف الإهالة بالجميل [الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة للخطيب البغدادي (ت: 463 هـ): " لعن الله اليهود انطلقوا إلى ما حرم الله عليهم من شحوم البقر والغنم فأذابوها إهالة فباعوا منه ما يأكلون / مسند أحمد (ت:241هـ): أن الداري كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر معناه إلا أنه قال فأذابوه وجعلوه إهالة فباعوا به ما يأكلون/ الدر المنثور للسيوطي (ت: 911 هـ) : لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حرم الله عليهم من شحوم البقر والغنم، فأذابوه اهالة فباعوا منه ما يأكلون]، وهي نفس الأحاديث السابقة التي فيها [ .. يُجْمِلُوْن منها الوَدَك .. /  .. الشحوم فجملوها.. / ..شُحُومَهَا، أَجْمَلُوهُ ..]. وإذن فحسب الأثر تكون جهنم كمتن جميل (إن اعتبرنا الإهالة أنها شحم مذاب).

ولكن البعض الآخر لا يعتبر الإهالة جميلاً إن لم تكن (ذائبة )[74]، وعلى الأقل هذا صحيح بالنسبة للأثر. إذ يُفهم منه أن سطح النار غير ذائب لكي يقف عليه الناس، كما ورد في عباراته (أن جهنم تُمسَك، فيقف الناس عليها، النار جامدة الأعلى[75]). لكن مصير الإهالة أن تذوب كما يقول نفس الأثر [شعب الإيمان للبيهقي: فيخسف بأولئك.. فيخسف بهم / تفسير الطبري: أن أمسكي أصحابك.. فيخسف بكلّ وليّ لها / بحر العلوم : خذي أصحابك .. فتخسف بكلّ ولي لها / الكشاف: فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم / تفسير الثعالبي (ت: 876هـ) : .. ثم تسوخُ بأهلِها] ، وبالتالي تصير (إهالة ذائبة) كالجميل . أو كما وصف كعب [التخويف من النار: وسئل كعب عن الورود المذكور في الآية فقال تمسك النار عن الناس كأنها متن إهالة حتى تسوى عليها أقدام الخلق كلهم برهم وفاجرهم ثم يقول لها الرب عز وجل خذي أصحابك ودعي أصحابي فتخسف بكل ولي لها وينجي الله المؤمنين ندية ثيابهم قال كعب ألم تر إلى القدر الكثيرة الودك إذا بردت استوت بيضاء كالشحم فإذا أوقدت النار تحتها انخسف الودك في القدر من ها هنا وها هنا]، وهذا يؤيد فهم وصف الآية لشرارة جهنم كأنها جميل أصفر.

 

تفسير القرطبي (600 - 671هـ) : [وقال مقاتل: هي خمسة أنهار من صفر مذاب، تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار].

 

وقد رُبِط وصف نار لابة المدينة (حرّة واقم) وحممها (سيل صخورها النارية الذائبة) التي حدثت سنة  (654 هـ) بالآية الكريمة [{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} (32) {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} (33) سورة المرسلات]. وهذا بعض مما جاء بالوصف : [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري (ت: 1014 هـ) : قال التوربشتي رحمه الله رأى هذه النار أهل المدينة .. لبثت نحوا من خمسين يوما تتقدر وترمي بالأحجار المجمرة بالنار من بطن الأرض إلى ما حولها " مشاكلة للوصف الذي ذكره الله تعالى في كتابه عن نار جهنم ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر المرسلات "  وقد سال من ينبوع النار في تلك الصحاري مد عظيم شبيه بالصفر[76] المذاب فيجمد الشيء بعد الشيء / البداية والنهاية لابن كثير (ت : 774 هـ) : وهي نار عظيمة إشعالها أكثر من ثلاث منارات، وقد سالت أودية بالنار إلى وادي شظا مسيل الماء، وقد مدت مسيل شظا وما عاد يسيل، والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا، .. ورجعت تسيل في الشرق فخرج من وسطها مهود وجبال نيران تأكل الحجارة، فيها "أنموذج عما أخبر الله تعالى كتابه (إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر) [ المرسلات: 32-33  ] "..  قال أبو شامة[77]: .. قال " وفي كتاب آخر: .. سنة أربع وخمسين وستمائة وقع بالمدينة .. انبجست الحرة بنار عظيمة ..، نشاهدها وهي ترمي بشرر كالقصر، كما قال الله تعالى،..  وتسير على وجه الارض وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك./ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - ابن تغري بردي: وأما أمر النار التي ظهرت بالحجاز قال قاضي المدينة سنان الحسيني: لما كان ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة،.. ظهرت نار عظيمة، وقد سالت أودية منها بالنار .. فإذا الجبال تسيل نيرانا،.. يخرج من وسطها مهود وجبال نيران تأكل الحجارة، كما أخبر الله في كتابه العزيز فقال عز من قائل: " إنها ترمي بشرر كالقصر، كأنه جمالات صفر ". قال: وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين].

فيتضح من هذه الأوصاف[78] ربط البركان وحممه (سيل صخوره الذائبة) بمعنى الآية الكريمة [إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33) المرسلات] مما قد يؤيد معنى الجميل (الصهير أو الشحم الذائب) الذي يناسب وصف حمم البراكين. وأخيراً، ربما شابهت ألفاظ (سمل[79]، ثمل، دمل، جمر، زمل، طمل)[80] بعضاً من لفظ جمل[81] ومن معناه.


[1] تفسير الطبري : وقوله : ( إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ) يقول تعالى ذكره : إن جهنم ترمي بشرر كالقصر، فقرأ ذلك قرّاء الأمصار : ( كالْقَصْرِ ) بجزم الصاد / زاد المسير : { كالقَصْر } قرأ الجمهور بإسكان الصاد على أنه واحد القصور المبنيَّة .