بسم الله الرحمن الرحيم

أصل كلمة جهنّم

 

نستعرض بداية ما تفهمه التوراة من كلمة جهنّم وأصلها ( ملاحظة : مابين القوسين هو اللفظ العبري لجهنّم גֵי־הִנּם ): [ يشوع 15/8: وصعد التخم في  وادي ابن هنوم  (جي بن-هنم)  الى جانب اليبوسي من الجنوب . هي اورشليم.  وصعد التخم الى راس الجبل الذي قبالة وادي هنوم (جي-هنم ) غربا الذي هو في طرف وادي الرفائيين شمالا. يشوع  18/16: ونزل التخم الى طرف الجبل الذي مقابل وادي ابن هنوم (جي بن-هنم ) الذي في وادي الرفائيين شمالا ونزل الى وادي هنوم (جي هنم ) الى جانب اليبوسيين من الجنوب ونزل الى عين روجل].

هذان النصّان بسفر يشوع هما أول ذكر للفظ جهنّم بالتوراة. فكلمة جهنّم عند اليهود مُشتقة لغة ومعنى من لفظ [جي (بن/بني) هنوم] أو اختصاراً [جي هنوم] . ونفهم منهما بوضوح أن "ابن" هنوم هو رجل من الأولين. وهذا ما يعتقده أهل الكتاب (بسبب وهم:"ابن" ) أن جهنّم في الأصل كانت وادياً من أودية أورشليم [الذي كان محرقة ومسجرة بشرية قديمة للكبار والصغار كقرابين للإله الوثني مولك كما ورد بسفر الملوك الثاني 23/10 :  ونجس معبد توفة التي في وادي بني هنوم (بالتوراة العبرية : جي بني هنم ) لكي لا يعبّر  احد ابنه او ابنته في النار  لمولك] سُمّيت باسم أحد الأبطال القدماء ( ابن هنوم) أو قبيلة ( بني هنوم).

فاليهود بالتوراة العبرية يسمّون جهنّم بالصيغ التالية : جي بن هنم ، جي بني هنم ، جي هنم، جيأ بن هنم، جيأ هنم. والتصحيف ( التحريف) اللغوي الذي أضاع الأصل هو لفظ (بن،بني) الذي تسبّب في جعل المعنى لجهنّم يرجع في أصله لشخص (ابن هنم) أو جماعة من الناس (بني هنم). هذا بالإضافة إلى جعل أصل الكلمة مجرد واد من أودية أورشليم. ولتوضيح ذلك الوهم الذي يعتقده أهل الكتاب : ماذا لو زعمنا مثلاً أن كلمة (نار) كان شِقّاً منها في أصله اسم إنسان ما ، وقبله لم تكن الناس تعرف لفظ ( نار) أو لم تكن تعرف له معنى اللهب والحرارة . ثم بعد حين من الزمان لمّا كان يُوقد بإسراف في الموضع ( نار) الذي تركّب لفظه من اسم ذلك الشخص ، فقط بعد أن حدث ذلك ، ظهر للفظ (النار) معنى الجحيم والحريق والاشتعال والحرارة كما نفهم اليوم.

وفيما بعد استعمل أهل الكتاب لفظة جهنّم ( وادي بن هنوم عند اليهود الذي ربما اعتبره بعضهم باباً أو نافذة لجهنّم الحقيقية ) كمجاز ورمز للعذاب المستقبلي إما كمقرّ مؤقت لدى اليهود ( موضع تطهير لا يتعدى السنة زمناً) ، وإما كوضع وحالة من العذاب الخالد الأبدي لدى النصارى (جِهنّا باليونانية ) الذي لا يعرفه الناس بعد.

وكلمة (بن أو بني) مثلاً نجده كذلك في اسم بنيامين الذي اعتبره اليهود جَدّاً لأحد الأسباط أو القبائل الإسرائيلية . ولكن بنيامين ( بن يامِن) في الواقع ليس سوى تعبير كوصف لجهة أو بلاد ( ابن اليمين أو ابن الجنوب أي ذو اليمين وذو الجنوب) لأحد قبائل إسرائيل، على طريقة القدماء من يهود وعرب وغيرهم . فالقدماء كثيراً ما يجعلون اسم المنطقة رجلاً مثل [ قحطان ، سبأ ، كهلان ،حضرموت، الأزد، نزار، يونان ، سام ( الشام) ، مصر ( مصرايم)، كنعان، عيلام ، أرام، .. ] ويجعلون أهلها أبناء ذلك الرجل. ولعل نفس الأمر حدث مع ذلك الموضع الذي سمّاه بنو إسرائيل أو ربما ( يبوس كنعان) كغيرهم باسم يعني " المحرقة" أو " الموقد " ( لأنه كان محرقة بشرية وثنية قديمة للإله مولك قيل أنها أو طقوسها استمرت حتى مجيء الروم الذين منعوها رسمياً) وتحديداً بلفظ " جهنّم" . ولكن فيما بعد ، لمّا لم يعد الناس يفهمون تفصيل أصل كلمة جهنّم ( عدا مقطعها الأول "جا" الذي اعتبروه بمعنى الوادي) جعلوا الكلمة بمعنى "وادي هنّم " ومن ثم قالوا "ابن هنّم " ،كما قالوا " ابن يامين". فأصبح "هنّم" أو "ابن هنّم" رجلاً كما أصبح "ابن يامِن" رجلاً. ووادي هنّم اليهودي ( جنوب القدس) اسمه الآن "وادي الربابة" ، وأما "وادي جهنّم" أو "وادي النار" فقد أصبح الآن يُطلق على "وادي قدرون" ( وهو شرق القدس) وتحديداً عند أسفله.

أخبار الأيام الثاني  28/3 : وهو اوقد في وادي ابن هنوم (جيأ بن-هنم ) واحرق بنيه بالنار حسب رجاسات الامم الذين طردهم الرب من امام بني اسرائيل. أخبار الأيام الثاني  33/6: وعبّر بنيه في النار في وادي ابن هنّوم (جي بن-هنم ) وعاف وتفائل وسحر واستخدم جانا وتابعة واكثر عمل الشرّ في عيني الرب لاغاظته.

نحميا  11/30: وزانوح وعدلام وضياعهما ولخيش وحقولها وعزيقة وقراها وحلّوا من بئر سبع الى وادي هنوم (جيأ-هنم).

إرميا  7/31: وبنو مرتفعات توفة التي في وادي ابن هنوم (جيأ بن-هنم ) ليحرقوا بنيهم وبناتهم بالنار الذي لم آمر به ولا صعد على قلبي . إرميا  7/32:   لذلك ها هي ايام تأتي يقول الرب ولا يسمى بعد توفة ولا وادي ابن هنوم (جيأ بن-هنم ) بل وادي القتل ويدفنون في توفة حتى لا يكون موضع. إرميا  19/2: واخرج الى وادي ابن هنوم (جيأ بن-هنم ) الذي عند مدخل باب الفخّار وناد هناك بالكلمات التي اكلمك بها. إرميا  19/6 : لذلك ها ايام تأتي يقول الرب ولا يدعى بعد هذا الموضع توفة ولا وادي ابن هنوم (جيأ بن-هنم ) بل وادي القتل. إرميا  32/35:  وبنوا المرتفعات للبعل التي في وادي ابن هنوم (جيأ بن-هنم ) ليجيزوا بنيهم وبناتهم في النار لمولك الأمر الذي لم اوصهم به ولا صعد على قلبي ليعملوا هذا الرجس ليجعلوا يهوذا يخطئ.

ولعل بعضاً من ذلك الوهم اليهودي قد تسرّب لمعاجم اللغة [اللسان: ‏ وقال اللحياني: جِهِنَّام اسم أَعجمي، وجُهُنّام اسم رجل، ..  ويقال: هو فارسي معرّب... وقيل: هو تعريب كِهِنَّام بالعِبْرانية. اللسان: بنو هِنّامٍ: حيٌّ من الجن، وقد جاء في الشعر الفصيح. القاموس: بَنو هِنَّامٍ: قَبيلَةٌ من الجِنِّ‏‏] . فأظن الأولين ممن قالوا " جي بن هنوم" لم يقصدوا من لفظ (ابن،بني) معنى الولادة ولكن معنى " ذي" أو " تبع" ، أي أرادوا من قولهم " جي بن هنم " معنى " وادي ذي هنوم " أو كما قالوا كذلك " وادي هنوم/جي هنم" بمعنى "وادي النار " أو "الوادي ذي النيران" ، إذ اندمجت الكلمات المكوّنة لِ " هنوم" وأصبحت  قالباً واحداً بمعنى " النار". أو " الوادي ذي القطران" إن كانت "هنوم" لفظاً واحداً أصلاً. ولكن فيما بعد لم يعد الناس يفهمون " ابن" هنوم  بمعنى " ذي " هنوم  ولكن بمعنى "ولد " هنوم  ،فاعتبروا "هنوم" رجلاً أو قبيلة ( من الإنس أو الجن).

التفصيل اللغوي الأرجح لكلمة جهنّم

والآن لندع أوهام أهل الكتاب وخلطهم جانباً ولندرس احتمالاً أفضل للأصل اللغوي وكذلك المعنى الأرجح الذي نشأت منه كلمة جهنّم. حيث  يبدو أن لفظة جهنّم في الأصل تتكون من ثلاثة ألفاظ أو بالأحرى من لفظين بينما أداة إضافة . وهذا التفصيل الأقرب صحة:

(1) اللفظ الأول : يفيد معنى بحر ،بحيرة ، ماء وماشابه .

 وهو لدى اليهود كما رأينا ( جي،جيأ) رغم أنهم يعتبرونه وادياً [القاموس: الجِواءُ : البَطْنُ من الأرضِ، والواسِعُ من الْأَوْدِيَةِ، .. وادٍ في دِيارِ عَبْسٍ .. جِيٌّ: وادٍ ..اللسان: وفي الحديث ذِكرُ جِيٍّ  وادٍ بين مكة والمدينة]، وعلى كل فمعنى الوادي ،خاصة عندما تجري فيه السيول، لا يبعد عن معنى اللفظ الأصوب الذي فيه لغات عديدة :

ـ  [اللسان: الجَيْءُ: الماءُ .. ] . [ اللسان: ‏ الجِئَةُ والجِيئَةُ: حُفْرةٌ في الهَبْطةِ يجتمع فيها الماء، والأَعرف: الجِيَّةُ، من الجَوَى .. والجمع جَيْءٌ. وفي (التهذيب): الجَيْأَةُ: مُجْتَمَعُ ماء في هَبْطةٍ حوالي الحُصُونِ. وقيل: الجَيْأَةُ: الموضع الذي يَجْتَمِع فيه الماء. وقال أَبو زيد: الجَيْأَةُ: الحُفْرة العظيمة يَجْتَمِع فيها ماء المطر.. والجِيءُ: الشَّرابُ. ..  جَأْجَأْتُ بالإِبل إِذا دَعَوْتها للشُّرْب. اللسان: الجِيّة: الموضع الذي يجتمع فيه الماء كالجِيئَةِ، وقيل: هي الركيَّة المُنْتِنَة. وقال ثعلب: الجِيَّة الماءُ المُسْتَنْقِعُ في الموضع، غير مهموز، يشدّد ولا يشدّد. قال ابن بري: الجِيَّة فِعْلَة من الجَوِّ، وهو ما انخفض من الأَرض، وجمعها جِيٌّ؛ .. وفي الحديث: ((أَنَّه مَرَّ بنَهْرٍ جَاوَرَ جِيَّةً مُنْتِنَةً)). الجِيَّة، بالكسر غير مهموز: مجتَمَع الماء في هَبْطَةٍ، وقيل: أَصلها الهمز، وقد تخفف الياء. وفي حديث نافِعِ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ: ((وترَكُوكَ بينَ قَرْنِها والْجِيَّة)). قال الزمخشري: الجِيَّةُ بوزن النِّيَّة، والجَيَّةُ بوزن المَرَّة، مُسْتَنْقَعُ الماءِ. وقال الفراء في الجِئَة: هو الذي تسيل إِليه المياه. قال شمر: يقال له: جِيَّة وجَيْأَةٌ وكُلٌّ من كلام العرب. وفي (نوادر الأَعراب): قِيَّةٌ من ماءٍ وجِيَّةٌ من ماء أي: ماءٌ ناقعٌ خبيث، إِمّا مِلْحٌ وإِمّا مخلوط ببول. الجِياءُ: وعاءُ القدر، وهي الجِئاوَةُ].  [القاموس:  الجَوَى: الماءُ المُنْتِنُ، جَاوَى بالإِبِلِ: دَعَاهاإلى الماءِ. الجَوِيُّ،: الماءُ المُنْتِنُ. الجِيَّةُ: الماءُ المُتَغَيِّرُ، أو المَوْضِعُ يَجْتَمِعُ فيه الماءُ، والرَّكِيَّةُ المُنْتِنَةُ ]. القاموس [ الجَيْئَةُ: المَوْضِعُ يَجْتَمِعُ فيه المَاءُ،كالجِئَةِ، والأَعْرَفُ الجِيَّةُ، مُشَدَّدَةً].

 

ـ [اللسان: الليث: الشَّيء: الماء ] ، [ القاموس: شَأْشَأْ وشُؤْشُؤْ: دُعاءُ الحمار إلى الماءِ] . وسمّت مصر البحيرة والماء، [ ش/شي/شه] ص 191 كتاب الموتى، كما سنرى.  وهو   sea  بالإنجليزية (ماء/بحر). . فبلسان مصر نفس الكلمة العربية (شَّيء) ولغاتها ،وقريباً منها السيء [اللسان: السَّيْءُ والسِّيءُ: اللبَنُ قبل نزول الدِّرَّة ..وقد سَيَّأَتِ الناقةُ وتَسَيَّأَها الرجلُ: احْتَلَب سَيْئَها، .. تَسَيَّأَتِ الناقةُ إِذا أَرسَلَت لَبنها من غير حَلَبٍ، وهو السَّيْءُ.وقد انْسَيأَ اللبن].

 

 ـ [القاموس: الصَّآةُ والصاءَةُ: الماءُ ..]. القاموس [القاموس: الصَّاءَة والصَّاءُ: الماءُ يكونُ في السَّلَى، أو على رَأْس الوَلَدِ،كالصَّآة. صَيَّأَ رَأْسَهُ: بَلَّهُ قَلِيلاً، أو غَسَلَهُ فلم يُنْقِهِ، والاسْمُ: الصِّيئَةُ، بالكسر]. اللسان[ الصِّهاءُ: مَنابِعُ الماءِ، الواحدة صَهْوةٌ]. وبالعبرية [ " هـ ميم من هـ موصأ إلَ هـ بركه" ،ص 120،(نقش قناة السلوان،حوالي 700 ق.م)، الكتابة من أقلام الساميين إلى الخط العربي]. والمعنى: الماء من الموضأ (الوَضُوء= الماء/النبع) إلى البركة.

ـ اللسان: [الضَّهْوةُ برْكَةُ الماء]،ومثله الأضاة (ماء،غدير). [القاموس: أَضَاءَ بِبَوْلِهِ: حَذَفَ].  

ـ السيح [القاموس : السَّيْحُ: الماءُ الجاري الظاهِرُ، وماءٌ لِبَني حَسَّانَ بنِ عَوْفٍ، وثلاثةُ أوديةٍ باليَمامةِ. وسيحانُ: نَهْرٌ بالشَّامِ، وآخَرُ بالبَصْرَةِ، ويقالُ فيه:          ساحينٌ، وسَيْحونُ: نَهْرٌ بما وراءَ النَّهْرِ، ونَهْرٌ بالهِنْدِ] والسيع [القاموس: السَّيْعُ: الماءُ الجاري على الأرضِ].  وسمّت الشام البركة والماء  شوح/اشوح [وأنخ عستى كلأى هـ أشوح (=أنا أنشأت كلتا البركتين)،ص 130، الكتابة من أقلام الساميين إلى الخط العربي]. القاموس [ الشِّيحَةُ : ماءَةٌ شَرْقِيَّ فَيْدَ].

 فكلمة شء     بصفحة 720 من القاموس المصري قد تُلفظ (شَ،شِ،شء،شأ،شا،شي) تعني [بحر،بحيرة، بركة، حوض، خزّان، صهريج، قناة، مجرى] ،ونص القاموس [sha : lake,pool,cistern,tank,ornamental waterin a garden,trough,laver ]  وبالقبطية ( شيي). ومثله شء ـ ت أسر ( بحيرة الإله أسر،اسم الفيّوم)،  شء وعب (" بركة التطهير"، اسم بحيرة بمعبد الدندرة،اسم بحيرة معور بالفيوم) ، شء قعح ( خزانات تُحفظ بها الأسماك لتجهز للأكل)  ، شء دسوى ( بحيرة بواحة الخرجة) ، شء أسبيو ( بحيرة النار بالدوات أي العالم السفلي أو الآخر) ولعلها حرفياً بحيرة الشبّ [القاموس: الشَّبُّ: الإيقاد ] أو بالعامية (شوب)، شء أكب ( بحيرة أكب، أي المحيط السماوي أو الفلكي) ،[  شء آرو ( بحيرة القصب بالعالم الآخر)،  شء ور ( البحيرة العظيمة بالدوات) ، شا شارو : وهذه الكلمات الثلاث قد تقارب لفظ شئول العبرية أي الهاوية الأبدية ومصر القديمة تلفظ الراء عوض اللام]، شء أقر ( بحيرة الوقار حيث يغتسل الصالحون) ،  شا ماعتي ( بحيرة الحقيقة بالدوات) . وبكتاب الموتى [ " إو ساكُ ار شِ م نشمت"  أي : أنا أبحرت على البحيرة بنشمت ( اسم القارب)، ص 191 ]. وبالتوراة شيحور ومعناه شي (بحر) حور ( إله مصري) أو بحر النيل [اشعيا 23/ 3وَغَلَّتُهَا زَرْعُ شِيحُورَ حَصَادُ النِّيلِ عَلَى مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ فَصَارَتْ مَتْجَرَةً لأُمَمٍ].

(2) اللفظ الثاني : هو أداة أو حرف إضافة

 القاموس المصري،ص 339 : [ ]  (ن) أو (ان) بمعنى حق،تبع ،(belonging to ) . [] بمعنى ( لِ، إذن)، (for,then ). []، بمعنى ( لِ،إلى،لحسب،في) ، (for, to, on account of, in ). وبصفحة 56 : [ ] المعنى ( حق، تبع،لِ) ،(of ).  [] المعنى ( في، إلى، لِ، لسبب)، (in , to, for , because ). وهو لفظ قديم كانت تستخدمه مصر ، وربما استخدمته كذلك العرب القدماء ( إن صح تقديرنا) وغيرهم من شعوب قديمة بالمنطقة العربية [اللسان:الجوهري: وأَما أُلُو فجمع لا واحد له من لفظه واحده ذُو، وأُلات للإِناث واحدتها ذاتٌ، تقول: جاءني أُلُو الأَلْبْاب وأُلات الأَحْمال، قال: وأَما أُلَى فهو أَيضاً جمع لا واحد له من لفظه، واحده ذا للمذكر وذه للمؤنث ]. بلسان مصر، تستعمل ان كأداة إضافة حيث [(ن) ، (نت)] للمفرد المذكر والمؤنث على الترتيب و [ ( نو) ، ( نوت)] للجمع المذكر ( ألو؟) والمؤنث ( ألات؟) على الترتيب . القاموس: [ ذاتُ الجَيْشِ أو أولاتُ الجَيْشِ: وادٍ قُرْبَ المدينةِ]. مثلاً العبارات المصرية في كتاب الموتى :  ["خت انت فت " ، ص6 ]،تعني (افق الفضاء) ،حيث نت قد تكون لغة في (أولات=ذات،تبع، والنون أبدلت اللام). [" سوتن ن فت " ، ص 130]،أي سلطان الفضاء . [" شفت نو أُسر " ص 20 ]أي: أعداء أوسير (أسر اسم إله مصري) .  [ "با ن أسر " ص 130] أي: روح أسر/عثتر. [ " بايو نو مسو " ص 80] أي :أرواح الأطفال. [ " اب ن اسر" ص 90] أي قلب أسر، [ " حعتى ن سِ "ص 97 ] أي قلب الرجل،[ "ست نت حح " ص 99] أي جبل الأبدية، [ " تا ن ابتت " ص 106 ] أي أرض المشرق .  [ "ابو ن شو" ص 137] أي أرواح المُشعّين أو المُشرقين. ومثلاً لقب الفرعون  (رع مسّ 2): " صطف ن رع " ، أي صفي رع أو مصطفى رع ( رع اسم إله الشمس المصري) ، وكأن نظيرها المفترض بالمسند اليمني " صطفن رع = صطفٍ رع "، ولعله ماحدث مع نصارى مصر فربما دُمج حرف الإضافة مع اللفظ الأول فظهر اسم اسطفان [ ذكر في بردية عربية من مصر سنة 22 هـ: خليفة اسطفان. وربما استعار الأوربيون الاسم فسمّوا به مثل: (steve, steven, stevens, stefano  ) ]. وعلماء المسند اتفقوا أو اعتبروا أن النون بلهجة سبأ وغيرها كلهجة حضرموت (هن) تفيد التعريف،ولكن نحن هنا نتأمل في أحد أصول هذه النون الذي قد يكون إداة إضافة أو على الأقل أحد معانيها كالنسبة للشيء ( كالمكان والقبيلة) أو بمعنى ( ألي،ألاء،ذي،ذات) حيث أبدلت اللام بالنون ( مثل عنوان وعلوان : اللسان: ومن قال: عُلْوانُ الكتاب جعل النون لاماً لأَنه أَخف وأَظهر من النون)، خاصة وأن مصر لا تكاد تلفظ اللام. وبمسند حضرموت نجد لفظ (هن)، مثل تعبير بافقيه 104 (هجرهن شبوة) ،بافقيه 102: (عقبتهن قلة، بحرهن، وبنى جنأهن، خلفهن). بافقيه 107: (سير أد جندلهن أنودْ بافقيه 112: (عمرْ بن عوفْ أسديهن بافقيه 117: (بمحفدهن أنودْ) ولعله سُهّل اللفظ لدى أكثر اليمن إلى (ن)،مثل : بافقيه 20 : شعبن سبأ أبعل هجرن مأرب، (لعله صورة في :شعبٍ سبأ أبعل هجرٍ مأرب)، جام 756 : " سبأين "، =سبئيٍ ،بمعنى السبئي (أي من شعب سبأ)، ومثله جام 601: (أرض خولن جددن) = خولان اجدودٍ (=الأجدود). جام 665: أحضرن (=أحضورٍ،أي الأحضور،أهل حضرموت). جام 576: أحمرن (أحمورٍ،أي الأحمور،أهل حِمْيَر). أما بعض مناطق بالجزيرة فندرت هذه الصورة (وإن وُجدت آثارها) ولعل التنوين بالفصحى، متعلّق به أو بآثاره . وكثيراً مايرد اسم الإله الوثني عثتر بشمال الجزيرة والشام بصيغة " عثر سمن " ولعل لفظه عثّر سماءٍ =عثتر السماء .كما ترد لفظة بعل سمين. [فهبعل سمن،فهبعل سمون (=سماءٍ) ، ص 323  ،القبائل الثمودية والصفوية]. ولعل هذه النون ضارعتها أو أبدّلتها لهجة اللام حيث كثر بالمسند استخدام صور: آل/ الي/ الاء [ جام 756: أصلمٍ ألي ذهبٍ. بافقيه 7: وتقدم معاهرْ ألن (=ألاءٍ) مهايعةٍ (=طرق). بافقيه 34: محمت ومسقت أنخلهم وأرضتهم ألي بضرعن..، إرياني 17: ألاءٍ سبيئاتٍ].    

(3) اللفظ الأخير : لفظ بمعنى النار والحريق والحرارة وماشابه

وفيه لهجات كثيرة . اللسان:[ حَمْوُ الشَّمس: حَرُّها. وحَمِيَت الشَّمسُ والنَّارُ تَحْمَى حَمْياً وحُمِيّاً وحُمُوّاً، وحَمِيَ النَّهار، وحَمِيَ التنور حُمِيّاً فيهما أي: اشتدَّ حَرُّه.وحِميَ المِسْمارُ وغيره في النار حَمْياً وحُمُوّاً: سَخُنَ، وأَحْمَيْتُ الحديدة فأَنا أُحْمِيها إحْماءً حتى حَمِيَتْ تَحْمَى.وأَحْمَى الحديدةَ وغيرها في النار: أَسْخَنَها. اللسان: الأُوامُ، بالضم: العَطَش، وقيل: حَرُّه، والإيامُ: الدُّخان، والجمع: أُيُمٌ،   وقد آمَ عليها وآمَها يَؤُومُها أَوماً وإياماً: دَخَّنَ؛ قال: والأُوامُ أَيضاً: دُخان الـمُشْتار. القاموس: الأُوامُ: العَطَشُ، أو حَرُّهُ، والدُّخَانُ، والإِيامُ : الدُّخانُ ج: أُيُمٌ، وآمها وـ عليها يَؤومُها أوْماً وإِياماً: دَخَّن]َ. القاموس:[ حَمَّ حَمَّهُ: وـ التَّنُّورَ: سَجَرَهُ، وـ الشَّحْمَةَ: أذابها، وـ الماءَ: سَخَّنَه، كأَحَمَّه وحَمَّمَه،والحامَّةُ: وحَمُّ الشيء: وـ من الظَّهيرةِ: شدَّةُ حَرِّها، ج: حَمائِمُ  . والحَمَّةُ: كُلُّ عَيْنٍ فيها ماءٌ حارٌّ يَنْبَعُ، يَسْتَشْفِي بها الْأَعِلاَّءُ،واليَحْمومُ: الدُّخانُ، وحَمَّتِ الجَمْرَةُ تَحَمُّ، بالفتحِ: صارَتْ حُمَمَةً،وـ الماءُ: سَخُنَ.والحُمَيْمَاتُ: الجَمْرَة.القاموس: هَمَّه الأَمْرُ هَمّاً ومَهَمَّةً: وـ السُّقْمُ جِسْمَه: أذابَهُ، وأذْهَبَ لَحْمَه،وـ الشَّحْمَ: أذابه فانْهَمَّ،الهامومُ: ما أُذيبَ من السَّنامِ.والهُمامُ : ما ذابَ منه،وـ من الثَّلْجِ: ما سالَ من مائِهِ]. اللسان:[ المُهِمَّاتُ من الأُمور: الشائدُ المُحْرِقةُ . هَمَّه السُّقْمُ يَهُمُّه هَمّاً: أَذابَه وأَذْهَبَ لَحمه. هَمَّني المرضُ: أَذابَني.هَمَّ الشحمَ يَهُمُّه هَمّاً: أَذابَه؛ وانْهَمَّ هو. الهامومُ: ما أُذِيبَ من السنام؛ ابن الأَعرابي: هُمَّ إِذا أُغْلِيَ، هَمَّ إِذا غَلى.الليث: الانْهِمامُ في ذَوَبانِ الشيء واسْتِرْخائه بعد جُمودِه وصَلابتِه مثل الثلج إِذا ذابَ، تقول: انْهَمَّ. انْهَمَّت البقُولُ إِذا طُبِخَتْ في القدر .هَمَّت الشمسُ الثلجَ: أَذابَتْه. هَمَّ الغُزْرُ الناقةَ يَهُمُّها هَمّاً: جَهَدَها كأَنه أَذابَها. انْهَمَّ الشحمُ والبَرَدُ: ذابا . هُمامُ الثلج: ما سالَ منْ مائِه إِذا ذابَ]. القاموس: [ وَمِهَ النهارُ: اشْتَدَّ حَرُّه. الوَمْهَةُ: الإِذْوابَةُ من كُلِّ شيءٍ].‏اللسان: [ ‏وَمِهَ النهارُ وَمَهاً: اشتد حرُّه.ابن الأَعرابي: الوَمْهةُ الإِذْوابَةُ من كل شيءٍ].‏ ولعل اليوم مشتق من الضوء والحرارة بالنهار.

وبلسان مصر القديم :القاموس المصري  ص 6 [ . أم،     امّ  : يحرق، يلتهم.  ام، اموت:  لهب،نار،(flame,fire ) .   امو : إله الفجر ،(Amu )] . ص 20 [ آم ،(يشعل،يوقد)،(to set fire to,to kindle )].  ص 49 [    ام ،  اميت،( يحرق، يشتعل، يلتهب،نار،لهب)،  (to burn,to flame,to blaze,fire,flame ).    امو /امّو مع مخصص شمس وأشعّتها ( ضوء،شعاع) ].  ص 50:[   امي ( إله النار) ،(fire-god )]. ص 146 [  وأم / وَم (يسخن،يحرق)،(to be hot,to burn )] . ص 447:[   هم مع مخصص النار ( نار،حرهرة،حار)، (fire,heat,hot )] . وفي كتاب الموتى [ ص 21: " عقى  بروى م أمّو هرو در سبيو م سخم" بمعنى أدخل وأخرج من اللهب في يوم تدمير العدو بسخم (موضع). ص 56: " وصت نبت أمّو مآت رع " أي ( الإلهة وصت ربة النار عين إله الشمس رع). ص 55: "وصت نبت أمّو"] .  

***

وبالمسند اليمني لفظة  جهم، ولا أدري إن كانت متعلّقة لغوياً بجهنّم ( وكأنها ذاتها ولكن دون أداة إضافة ): إرياني 39:[  فجهمو بليلن]، جام 665 [ فجهمو بللين]. أي : فجهموا بليلٍ ، اللسان: [ رجل جَهْمُ الوجه أي: كالِحُ الوجه، .. الجَهْمَةُ والجُهْمَة: أَوّلُ مآخير الليل، وقيل: هي بقيةُ سَوادٍ من آخره. ابن السكيت: جَهْمَةُ الليل وجُهْمَته، بالفتح والضم، وهو أَوَّلُ مآخِير الليل، وذلك ما بين الليل إِلى قريب من وقت السَّحَر؛ .. أَبو عبيد: مَضى من الليل جُهْمةٌ وجَهْمة]. ولعل كلمة جحيم مثل جهنّم ولكن بدون أداة إضافة ( جَ ـ حيم) أو أن الأصل (حمّ) والجيم كسين التعدية القديمة ولعل مثلها سخم وسحم وجهم . ووبالمصرية لفظ قريب : " شا حي " بحيرة بالدوات ص 721، القاموس المصري.

ونورد احتمالاً  أن يكون المقطع ( هنّم) لغة قديمة في ( هناء) أي قطران [اللسان: الهِنَاءُ: ضَرْبٌ من القَطِران]، والميم كانت ترد في آخر الكلمات القديمة كما بالمسند أو ربما اسم إبراهيم ( يبرأ) ،فقد تكون غير أصلية. فإن صح ، فلعل المعنى بحر القطران [سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ {50} إبراهيم]. وبالقاموس : [ الهِنْءُ:  الطائِفةُ مِنَ اللَّيْل]. فقد يتعلّق المعنى بظلمات الحريق والشواظ .لكن قد يكون الهِنْءُ متعلّقاً بالوقت وليس بالظلام [ القاموس: ‏الهِنْوُ، الوَقْتُ. اللسان: مَضَى هِنْوٌ من الليل أَي: وقت].وبالقاموس [ الهَناتُ: الداهِيَةُ].

وسمّت مصر قرص الشمس : اتن ،ادن،اثن، اصن وقد يُلفظ (اجن) وبالإنجليزية sun . وقد ذلك من أصل ألفاظ سنا،تنور ،تنين،وغيره. القاموس : [ الجَوْنُ: الأحْمَرُ، والأبْيَضُ، والأسْوَدُ، والنَّهارُ .. الجَوْنَةُ: الشَّمْسُ، الأحْمَرُ، والفَحْمَةُ، الجَوْناءُ: الشَّمْسُ، ..  جانَ وجْهُه، أي: اسْوَدّ ].

***

والآن لنستعرض بعض الكلمات لنرى كيف كانت مصر تستعمل تعبير " بحيرة (ن) كذا " أي مع أداة الإضافة (ن) ،ص 720 :  شَ ن (إن) أسر ( بحيرة الإله أسر ، الفيّوم) ، شَ ن عنخ ( بحيرة الحياة،بحيرة بالطوات/ الدوات) ، ش ن ماعت ( بحيرة الحقّ) ، ش ن ماعتيو ( بحيرة الصادقين) ، ش ن معّت ( بحيرة بالطوات)، ش ن حرو ( بحيرة حورس بالطوات) ، وبصفحة 721 : ش ن حسمن ( بحيرة النطرون  بالطوات) ، ش نت حص ـ ت ( بحيرة النور  بالطوات) ، ش ن خا/شا ( اسم بحيرة بالدوات) ، ش ن خبنتيو/شبنتيو ( بحيرة الأشرار) ، ش ن ساب ( بحيرة الذئب بالطوات) ، ش ن س ـ حتب/حتف ( بحيرة الاسترضاء أو الكفّارة ) ، ش ن شط مع رسم مخصص النار ( بحيرة النار بالطوات وحرفياً الشياط أو الشواظ)،  ش ن قبح ( بحيرة الماء البارد بالدوات) . وكلمة [ "الدوات/ الطوات" حسب القاموس المصري ص 871 اسم قديم جداً لأرض الموتى والعالم الآخر]. ولعل المعنى الأدق هو " مكان القداسة " ومثله بالقرآن "الوادي المقدّس طوى".

ومن ذلك نفهم أن نفس الأمر يمكن أن يحدث في تعبير جهنّم بالمصرية القديمة حيث : " "    شء ( بحر،بحيرة) ، زائد  حرف الإضافة "  " (ن) ، زائد  "   " لفظة تفيد النار ( تحوي حرف الميم) . فتصبح الكلمة " جهنّم " ورسمها بالمصرية القديمة " شء ن امو " : .

بل أن هذا هو ما حدث تماماً في اللسان المصري القديم فقد نطق المصريون القدماء كلمة جهنم بلسانهم وكتبوها ( شء ان امو ) أو (شا هن امو )، أو ما شابه، كما جاء ذلك في القاموس المصري ص 720 :   شَ إن أمو ( مع مخصص النار ) ومعناها بحيرة أو بحر النار ،بالطوات [ lake of Fire in the Tuat ] . وقد أشار إلى المصدر برمز [.B.D ]. 

وهذا تفصيل لمعاني رسم الأحرف المصرية القديمة في هذه الكلمة :

والعجيب أن صاحب القاموس المصري ( وغيره من علماء الهيروغليفية) لم ينتبه للكلمة فلم يربطها بجهنّم ، بل ردد ما تعتقده اليهود حول أصل ومعنى جهنّم حيث يقول في كتابه آلهة المصريين ، ص 311 : [ فضلاً عن أن أشهر الأسماء التي أطلقها العبرانيون على مسكن الملعونين هو جيهنا أو جيهنم والتي كانت أصلاً وادي هينّوم HINNOM والذي يقع مباشرة بجوار أورشليم حيث كانوا يضحون هناك من أجل الإله مولوخ  بالأطفال ..  والاسم أصبح في العهد الجديد (Gehenna) باليونانية ، وفي الأدبيات العربية جهنّم].

فنجد أن الأرجح في تفصيل لفظة (جهنّم) عبارة عن بحر النار ، بحر النيران ، (بحر/بحيرة) (النار/ الشواظ/الحميم ..).

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  {41} الأعراف

يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ  {35} التوبة

وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ {81} التوبة

مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ {16} إبراهيم

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ {29} إبراهيم

هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ {63} اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ {64} يس

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ {56} هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ {57} وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ {58} ص

فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ {72} غافر

يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً {13} هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ {14}‏ الطور

هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ {43} يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ {44} الرحمن

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ {10} البروج

انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ {30} لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ {31} إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ {32} كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ {33} المرسلات

 

 فجهنّم عند قدماء المصريين ( الذين سبقوا بني إسرائيل وغيرهم في القدم والكتابة) وعند القدماء عموماً بالمنطقة العربية ( خاصة مصر وما يحاذيها كالحجاز وسيناء وفلسطين) هي كلمة قديمة جداً وتبدو شائعة كمكان مفترض يكون بعد الموت في العالم الآخر ( العالم المقدّس) . فالمعنى عام ( بحر النار) أو مكان النيران. فالكلمة ذات معنى مجرّد ( بحر النار) ممكن أن تكون عامة وممكن أن يُوصف بذلك مكان محدد بعينه ،تماماً كما نستعمل كلمات الحريق واللهب والشواظ والهاوية والنار والجحيم وجهنّم عموماً أو خصوصاً، أما أهل الكتاب فاعتقدوا أن أصل كلمة جهنّم كان وادياً معيّناً لرجل معيّن .  وبنو إسرائيل قد تكوّنوا كشعب بمصر مما يعني أنهم عرفوا اللفظة المصرية القديمة ولكن يبدو أن كتبة التوراة اليهود الذي ظهروا بعد بضعة قرون بعد موسى عليه السلام قد جهلوا اللفظة تماماً فتخبّطوا فيها.

وقد ظهر المعنى حسب عقلية المصريين القدماء بمنطقة ما بعد الموت وهي عندهم ربما منطقة غياب وغروب الشمس ( موتها) أو تحت الأرض ( فترة 12 ساعة الليل من أفول الشمس حتى بزوغها) أو بالعالم المقدّس الذي سمّوه الطواة أو الدواة بلسانهم وهو قريب لغة أو مطابق للفظ العربي ( طوى) بالقرآن [إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى {12}‏ طهلذلك وقبل أن نختم الموضوع علينا أن نأخذ فكرة ولو مقتضبة عن التعبير المصري طوات/ دوات، لأنه تعلق بلفظة جهنّم المصرية . فكما علمنا ورد بالقرآن ذكر الوادي المقدّس (طوى) ولعله (من معنى العلو والسمو) أي من قداسته. وبالعربية العديد من اللهجات التي تتشابه مع هذه اللفظة ومعناها . [اللسان: تطاءت الاسعار غلت. طاحي (مرتفع). [اللسان: وقال بعضُ العرب في يمينٍ له: لا والقمرِ الطاحي أَي المُرْتَفِعِ]، ولعل الإله المصري الذي كان رمز العلم والمعرفة (ضحوتى/ تحوتي/ طحوتي) ،وهو متعلّق بالقمر،لغة غير بعيدة في ذلك. وسمّت مصر عالم أو ناحية من السماء باسم دوا/دوات (ما وراء هذا العالم ،لعلهم أرادوا عالماً مقدّساً أو عالياً سماوياً) وسمّت الدعاء والتقديس (دوا) [دوا/توا أسر خنتي أمنتت (=القداسة/السمو لعثتر قاطن عمنة "عالم النور والخلود/ما وراء العالم"). ص 241 ] ونجمة الصباح  دوا، [ص 130 : "دوا تو م تواية " أي (يقدّسك/يرفعك في طلوعك/شروقك)]،[ ص 233 : " توا رع"  تقديس رع إله الشمس] كتاب الموتى. ومثله دع/ دعدع :[اللسان: دَعْ دَعْ: كلمة يُدْعى بها للعاثِرِ في معنى قُم وانْتَعِشْ واسْلَمْ .. قال:لَحَى اللهُ قَوْماً لم يَقُولوا لعاثِرٍ،ولا لابنِ عَمٍّ نالَه العَثْرُ: دَعْدَعا قال أَبو منصور: أَراه جعل لَعاً ودَعْدَعا دُعاء له بالانتعاش، .. ودَعْدَعَ بالعاثر: قالها له، وهي الدَّعْدَعةُ؛ .. ومنه قول رؤبة:وإِنْ هَوَى العاثِرُ قُلْنا: دَعْدَعا له،.. وقال غيره: دَعْدَعا معناه أَن نقول له رَفعك اللهُ .. وقال: دَعْدَعْت بالصبي دَعْدَعةً إِذا عثرَ فقلت له: دَعْ دَعْ أَي ارتفع]. ] وبالإنجليزية لفظة ( divine ) (حيث: v بدل: و،وكأنها " دِوا ـ ن" ) وتعني سماوي / ربّاني /مقدّس، (الأصل اللاتيني: divus أي إلهي)،   dawn (فجر) ، deity  إله ، و day (ضوء) . ولدى سبأ : (ثهون) بعد اسم الإله (ألمقه) مثل [جام 577: هوشع المقه ثهون بعل اوم عبدهو الشرح]. ومن الأسماء: شهوان،من العلو،وباللسان: ومُوسَى شَهَواتٍ: شاعر معروف.‏ صَهْوَةُ كلّ شيءٍ: أَعْلاهُ؛ الجوهري: أَعْلى كلِّ جَبلٍ صَهْوَتُهُ.] . ولعل صهيون بأورشلم متعلّق لغة بتلك المعاني. والنبي الملك العظيم داود من ذلك أي أنه بمعنى المعظّم لله المقدّس له ( المسبّح). ووجد بجدران معبد الإله آمون بطيبة بمصر نقش للملك المصري شيشنق ( 925 ق.م) فيه اسم مكان أخضعه " هضبة دوت" فقيل ربما عنت هضبة داود. وأظن أن الهضبة لا علاقة لها بشخص داود ولكن بمعنى الكلمة اللغوي ( من الطلوع أو العلو) أي الهضبة الشرقية أو المقدسة أو العالية كوادي طوى. وقيل وجد نقش في شمال الجليل بلغة أرامية ( نقش أشوري) نصبه ملك أرامي قبيل نحو 800 ق.م ،وقيل 850 ق.م ،  يذكر لفظ " بيتدود" الذي قيل قد يعني " بيت داود" . وداود عليه السلام أخذ اسمه من كثرة تسبيحه لله وتمجيده وتقديسه ومزامير داود معروفة [وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ {79}] الأنبياء، [وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ {10}] سبأ . وليس كما تزعم اليهود أن اسم داود يعني "المحبوب"،ولو قالوا معناه " المحب لله " لكان أصح. وقد اقتربوا من المعنى لولا أن ضلوا عنه فجعلوا غناء داود للملك شاول (طالوت) بدلاً من المعنى الصحيح وهو تسبيحه لله . ولعل الإله دوده [وأشب مشم أت أرأل دوده ، نقش ميشع،ص 129،الكتابة] بمعنى المقدّس. فداود أي الدعّاء أو من دويّ الصوت ( الداويّ) أو المُقدّس لله كلفظ ( طوى/ الوادي المقدس)،ونجد أن المصريين القدماء قد أسرفوا في استخدام لفظ ( دوا) عند مخاطبة آلهتهم بمعنى التقديس والدعاء.  واللفظ كذلك مرتبط بالنور والفجر والرؤية والعلم . ولفظ يدع ( عرف علم وجد) بالمسند اليمني [جام 650، جام 691: ولخرينهمو (=ليخرجنهم) بن (=من) نضع وشصي شناْ (=شانىء) ذرحق (=ذي بعد؟) وقرب وذبنهو (وذي منه)  دعو وذبنهو أل (=ألاّ) دعو. جام 758: ذبنهو دعو وذأل دعو. جام 584: هقنيت ألمقه .. صلمةً .. حمدْ بذات هيدعها بعل حرنْ . إرياني ملحق أ/مجموعة الكهالي/مسند 33/ملحق أ: ول خرينهمو ألمقه بن نضع وشصى وتثعت شنأْ ذبنهو شعرو وذبنهو أل شعرو]. وكذلك ورد " يدع" بالعبرية وغيرها. اللسان: الدَّهْوُ والدَّهاءُ: العقل، .. والتَّداعي: التَّحاجِي. وداعاهُ: حاجاهُ وفاطَنَه.اللسان: والأُدْحِيُّ: من منازل القمر.. القاموس: ضَحْضَحَ: تَبَيَّنَ.‏ اللسان: الضِّحُّ: الشمس. اللسان: ضَحا الشَّيءُ وأَضْحَيْتُه أَنا أَي أَظْهَرْتُه. أَضْحى الشيءََ: أَظْهَرَه وأَبْداه]،[القاموس: الضَّاحَةُ: البَصَرُ، أو العَيْنُ]. 

حامد العولقي

الاختصارات :

ـ القاموس: القاموس المحيط ـ الفيروزآبادي

ـ اللسان: لسان العرب ـ ابن منظور

ـ بافقيه: مختارات من النقوش اليمنية القديمة ـ د.محمد عبدالقادر بافقيه.(بافقيه وآخرون)

ـ إرياني: نقوش مسندية وتعليقات ـ مطهر علي الإرياني

ـ الكتابة :  الكتابة من أقلام الساميين إلى الخط العربي ـ د.سيد فرج راشد

ـ آلهة المصريين ـ واليس بدج ـترجمة:محمد حسين يونس.صفحات من تاريخ مصر الفرعونية.الناشر:مكتبة مدبولي،القاهرة.طبعة (1418 هـ،1998م)

ـ كتاب الموتى: The Egyptian Book of the Dead,E.A.Wallis Budge.(The Papyrus Of Ani).Dover Publications,Inc.,NewYork.ISBN 0-486-21866-x.

ـ القاموس المصري : [ An Egyptian Hieroglyphic Dictionary ، E.A.Wallis Budge]

[B.D. ] : The hieroglyphic text of the Theban Recension of the Book of the Dead. See E.A.Wallis Budge,The Chapters of Coming Fourth by Day.Edited with a translation,vocabulary,etc. London,1898.

ـ جام : Sabaen Inscriptions from Mahram Bilquis(Marib),Jamme,A