بسم الله الرحمن الرحيم
معنى اسم إبراهيم
|
اسم إبراهيم عليه السلام، (لقب) سمّاه به قومه منذ أن كان فتى [قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) سورة الأنبياء]. وذلك بعد أن لاحظوا انعزاله عن آلهتهم ورغبته عنها والتأفف منها وتجنّبها وهجرها وبغضها ومعاداتها بل وتحطيمها، وأنه (يتبرأ) من أصنامهم قولاً وفعلاً، وأنه دائم الجدال معهم لصرفهم عنها. فسمّاه قومه باسم معناه: (يبرأ من الآلهة)، أو كما بلسانهم: إبراهيم. المعنى الحرفي لاسم إبراهيم قريب من هذه الجمل الفعلية: (يبرأ منهم)، (يبرأ منها)، (بارأهم)[1]، (بارأها) ، بمعنى (يبرأ من غير الله). وتكاد الآيات[2] التي تتحدث عن إبراهيم تُصرّح بمعنى اسمه [إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ]، [إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ]، [تَبَرَّأَ مِنْهُ]، [إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ]. اسم إبراهيم يصف فعله وحاله، أنه (براء) و(خلاء) من كل عبادة، إلا عبادة الله وحده. فهذا حال أبي المسلمين إبراهيم ذي القلب السليم، وهو اعتناق كلمة (لا إله إلا الله). وهذا الإسلام بعينه.
متكلفون سبقوا لهذا الفهم أصاب متكلفون في تفسير اسم إبراهيم إجمالاً وأول اسمه خاصة [وقال بعض المتكلِّفين، قال: إِنَّه اسمٌ مركَّب من البراءِ والبُرْء والبراءة، ... فقالوا: (برِئ من دُونِ اللهِ)][3]. وأما آخره فليس من الهَيَمان والوهْم والهمّة كما ظنوا، ولكنه ضمير نصب متصل بمعنى (هم، إياهم) حسب اللهجات القديمة للحجاز أو شماله في ذلك الوقت[4].
التحليل اللغوي لاسم إبراهيم اللفظ القرآني لاسم إبراهيم بكسر الهمزة (إ)، وبياء. وتحرف الاسم قليلاً لدى اليهود نظراً لقدمه فأصبح (أبراهام)[5]، بفتح الهمزة (أ)، وبألف. واعترف بعض أهل الكتاب أن معنى اسم إبراهيم ليس كما بالتوراة[6]. وتقول الموسوعة اليهودية أن صيغة (إبراهيم) لا تعطي معنى بالعبرية[7]. وتقول الكاثوليكية أن معنى اسم إبراهيم غير معروف[8].
(1) ما هو (الفعل) في اسم إبراهيم؟ اسم إبراهيم مركب من (فعل) و(ضمير). فأما الفعل فهو بصيغة المضارع بلا شك، ولابد أنه بمعنى (يبرأ)، كما يدل عليه أول الاسم. ولكن لعل الهاء أبدلت الهمزة[9] فظهر بصورة (يبره)[10]. وقد يتعذر تحديد لفظ الفعل بدقة، نظراً لقدم لسان قوم إبراهيم.
(2) لماذا (إبراه) في اسم إبراهيم؟ يبدو أن لسان قوم إبراهيم القديم إذا استعمل الفعل المضارع (يفعل) في تسمية إنسان، فإنه يتحول إلى صورة (إفعال). فمثلاً الفعل المضارع (يسحق)[11]، يصبح في الاسم (إسحاق). و(يسمع) يصبح في الاسم (إسماع) كما في إسماعيل[12]، وهو بالسين في لسان قوم إبراهيم[13]. و(يسرف) يصبح في الاسم (إسراف) كما في إسرافيل. و(يسرى؟) يصبح في الاسم (إسراء) كما في إسرائيل. وبناء عليه يمكن القول أن المقطع الأول (إبراه) في اسم إبراهيم، هو من أصل الفعل المضارع (يبره)، الذي قد يكون لغة قديمة في (يبرأ).
(3) لماذا الميم (م) في آخر اسم إبراهيم؟ هذا الضمير (م) هو ضمير نصب متصل، بمعنى (هم) بالعربية أو بمعنى (إياهم). فكأن معنى اسم إبراهيم مثل معنى (يرفضهم، ينبذهم، يتركهم، يهجرهم، يذرهم، ...)، أي يرفض وينبذ ويترك ويهجر ويذر الآلهة التي يعبدها قومه من دون الله. ولا تجيز العربية استخدام الضمير (هم) مباشرة بعد الفعل (يبرأ) إذا أردنا معنى (يبرأ منهم)، إلا إذا قلنا (بارأهم)[14]. ويبدو أن اللسان القديم لقوم إبراهيم يجيز ذلك. فاسم إبراهيم مركب من فعل قديم يشبه (يبرأ)، يلحقه مباشرة ضمير قديم يشبه (هم) أو (إياهم). وبدقة أكثر، اسم إبراهيم يبدو مركباً من الفعل (يبرَه)، ومن ضمير النصب المتصل (م). وبالتالي اسم إبراهيم من أصل الجملة الفعلية (يبره - م) أو (يبرهم). فالمقطع الأول على الأرجح الفعل المضارع (يبره) الذي بمعنى (يبرأ)، والمقطع الثاني ضمير النصب المتصل (م) الذي بمعنى (هم، إياهم)[15].
(4) لماذا حرف (الياء) في اسم إبراهيم؟ يبدو أن لغة قوم إبراهيم غير بعيدة عن لسان كنعان. فالكلمة العربية (يفعلهم) تُلفظ بالعبرية بصورة (يفعلِم) أو (يفعليم)، ونلاحظ كسر اللام أو الياء بعده. فالفعل المضارع (يفعل) إذا لحقه ضمير نصب متصل مثل (م)، فإن لام الفعل المضارع (يفعل) تكون مجرورة بالكسرة الطويلة (يفعلِم). ولملاحظة ذلك ننظر في أمثلة من التوراة[16] العبرية لصيغ فعلية بمعنى (يفعلهم) : תִּבְלָעֵם (تبلعِم) بمعنى تبلعهم، יֵֽדָעֵם (يدعِم) بمعنى يعرفها (أي الأمور)، יִּקְרָאֵם (يقرأم) بمعنى يقرأها (أي الرسائل)، יַּלְבִּשֵֽׁם (يلبشِم) بمعنى يلبسها، יֹּאכְלֵם (يأكلِم) بمعنى يأكلهم، תַּשְׁחִיתֵֽם (تشحيتِم) بمعنى تُسحتهم، יֶהֶרְסֵם (يهرسِم) بمعنى يهدمهم، יִבְנֵֽם (يبنِم) بمعنى يبنيهم، יִּשְׂרְפֵם (يسرفِم) بمعنى يحرقها (أي الآنية)، יְשָׁדְדֵם (يشددِم) بمعنى يهلكهم، יְרַחֲמֵם (يرحمِم) بمعنى يرحمهم، יְשַׁלְּחֵם (يشلْحِم) بمعنى يرسلهم، יְגָרְשֵׁם (يجرشِم) بمعنى يطردهم، יְגַלְּחֵם (يجلحِم) بمعنى يحلقها (أي لحاهم)، יְבָרְכֵם (يبركِم) بمعنى يباركهم، יְבַלְּעֵם (يبلعِم) بمعنى يبلعهم، תֹאכְלֵם (تأكلِم)، יֹאכְלֵם (يأكلِم). في كل كلمة عبرية أعلاه نرى نقطتين أسفل الحرف البارز الذي قبل الميم الأخيرة ם. لاحظ مثلاً حرف לֵ في יֹּאכְלֵם، أو حرف כֵ في יְבָרְכֵם. فالحرف (الذي تحته نقطتان)، مجرور بالكسرة (كسرة طويلة ممالة) أو بشبه (ياء)[17]. واسم إبراهيم من أصل الصيغة الفعلية يفعلِم[18]، وتحديداً: (يبرهِم) أو (يبرهيم). وهذا يتبع نفس القاعدة اللغوية التي تجعل الحرف ما قبل الأخير (الهاء في اسم إبراهيم) مجروراً بكسرة طويلة أو ياء. [1] القاموس : وبَارَأَهُ : فَارَقَهُ/ مختار الصحاح – الرازي: و بَارَأَ شريكه فارقه [2] {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ} (26) سورة الزخرف/{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} (4) سورة الممتحنة/{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} (114) سورة التوبة/{قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} (78) سورة الأنعام [3] بصائر ذوى التمييز - الفيروزآبادي: وقال بعض المتكلِّفين، قال: إِنَّه اسمٌ مركَّب من البراءِ والبُرْء والبراءة، ومن الهَيَمانِ والوهْم والهمّة، فقالوا: (برِئ من دُونِ اللهِ)، فهام قَلْبُه بذكْرِ الله. وقال بعضهم: برأَ من عِلَّة الزَلَّة فهمَّ بالحُلُول فى محَلَّة الخُلَّة. وقيل بَرَأَهُ الله فى قالَبِ القُرْبَة فَهَّم بصدق النيَّةِ إِلى مَلَكوت الهِمَّة [4] قد يكون لسان قوم إبراهيم وسطاً بين لسان الشام القديم (كنعان) واللسان العربي القديم (لسان الحجاز القديم أو شماله خاصة) [5] أضاع اليهود اسم طالوت (شاول)، واسم عُزير، وتحرف عليهم اسم يونس (يونَه) وسليمان (شلُمُه) وهارون (أهَرُن). وجهلوا اسم عيسى. وأضاع النصارى اسم عيسى وعمران وتحرف عليهم اسم يحيى (يوحنا). وأما تفسير أهل الكتاب للأسماء ففيه تخبط. [6] Abarim Publications: Whatever the name Abraham may mean, it certainly is not a compound of ab and hamon and certainly does not mean Father Of A Multitude. [7] jewishencyclopedia.com: The form "Abraham" yields no sense in Hebrew, and is probably only a graphic variation of "Abram [8] CATHOLIC ENCYCLOPEDIA: The meaning given to Abraham in Genesis 17:5 is popular word play, and the real meaning is unknown. [9] إبدال الهمز بالهاء كثير الحدوث بنقوش حِمْيَر، مثل هقنى (أقنى)، كما يحدث ذلك في الفصحى والعديد من نقوش الحجاز والشام. [10] لا يزال لفظ (بره) قريباً من معنى (بَرِىء، برأ). وقارن بين (بره) [اللسان: بَرِهَ الرجل إِذا ثابَ جسمُه بعد تغيُّر من علَّة]، وبين (بَرِىء) [تاج العروس:بَرِىءَ مِنْ عِلَّة] أو (برأ) [برأ من علته]، الفرج للتنوخي، خريدة العجائب لابن الوردي، الأغاني للأصفهاني. [11] (يسحق) صيغة قديمة بلسان قوم إبراهيم بمعنى (يضحك). [12] إسماعيل من كلمتين (إسماع وإيل)، و(إسماع) من (يسمع). وجاء اسم إسماعيل بنقوش الجزيرة (ي س م ع أ ل) [مختارات من النقوش اليمنية، بافقيه 3 : يهعن ذبين بن يسمعال بن سمهكرب ملك سمعى ..وكل قنيهو وقني أبهو يسمعال]. [13] اللفظ القرآني (إسماعيل) بالسين، قد يدل أن لسان قوم إبراهيم يشبه لسان الحجاز القديم. ولدى اليهود (يشماعِل) بالشين، ومثله (مُوشِه). ولكنه (موسى) بالسين لأنه بلسان مصر، وتسمّى به ملوكها القدماء (كا موسى، تحوت موسى، رع موسى، إح موسى، ..). [14] العباب– الصاغاني: وبَارَأْتُ شَريكي: اذا فارَقْتَه. وبارَأَ الرَجُل امرأتَه./ جمهرة اللغة – ابن دريد: وبارأ الرجلُ امرأتَه، إذا باينها. [15] إن كان فعل اسم إبراهيم من جذر آخر يشبه (برأ، برر، بره، ..) ولا ينتهي بحرف هاء [المحكم - ابن سيده: وابْتَرَّ الرَّجُلُ انْتَصَبَ مُنْفَرِدًا من أَصْحابِه]، فلابد أن نفترض الضمير (هِم). والعبرية لا تجيز (هِم) في مثل ذلك، ولكن ربما أجازه لسان قوم إبراهيم كالعربية. [16] تثنية 11: 6 تبلعِم/هوشع 14: 9 يدعِم/ملوك ثاني 19: 14 يقرأم/تكوين 3: 21، لا ويين 8: 13 يلبشِم/مزامير 78: 45 يأكلِم ، تشحيتِم/مزامير 28: 5 يهرسِم، يبنِم/ملوك ثاني 23: 4 يسرفِم/إرميا 5: 6 يشددِم /ملوك ثاني 13 : 23 يرحمِم/خروج 6: 1 يشلْحِم ، يجرشِم/أخبار أيام أول 19: 4 يجلحِم/يشوع 22: 6 يبركِم/مزامير 21: 9 يبلعِم ، تأكلِم/هوشع 5: 7 ، اشعيا 51: 8 يأكلِم . [17] لفظ الكسرة الطويلة أو الياء التي بهذا الحرف كلفظها في كلمة (إل، إيل) אֵל، أو في كلمة (إسرائل، إسرائيل) יִשְׂרָאֵל: [18] التي مثل (يفعلهم) بالعربية، أي بمعنى (يبرأ منهم) أو (بارأهم). |
حامد العولقي