بسم الله الرحمن الرحيم

 

خواطر حول فتنة خروج دابة الأرض

 

 

 

من المعلوم يقيناً لدى كل مسلم أن الله في يوم ما سوف يُخرج  من الأرض دابة تكلّم الناس. والدليل قوله تعالى :

{وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82) سورة النمل

 

وهذه الدابة ستكون من أعجب خلق الله ، فلم تشهد البشرية دابة مثلها . لأن هذه الدابة ستكون أول مخلوق أرضي غير بشري يتخاطب مع الناس ، فيفهمهم ويفهمونه ، ويعقل ما يقوله الناس، ثم يرد عليهم بالقول العاقل الحكيم. والدابة ليست إنساناً ،لأن التشويق والتعجّب والغرابة ستنعدم ،فلن يأبه أحد لإنسان يخاطب الناس. كما أن الإنسان في النهاية يملّ ويتعب ويسأم من كثرة الحديث مع الناس . بينما هذه الدابة ستكون مهمتها هي الكلام مع الناس [تُكَلِّمُهُمْ] . فيبدو أنها لن تعرف السأم والملل والضجر وسوف تستمر دون كلل أو إرهاق في التخاطب والتجاوب مع من يحاورها. فلعل الله سيخلقها ويهيئها لهذا الأمر. وطبع الناس عموماً أنهم يفقدون التركيز من طول الاستماع والصمت للمتحدث خلال نصف ساعة أو نحوها، لكن إن كان هناك تفاعل وحوار وتبادل للحديث فإن الإنسان لا يشعر بمرور الوقت . ونجد ذلك واضحاً مثلاً في استخدام جهاز الكمبيوتر الذي يتفاعل ويستجيب لنا كأنه يتحاور معنا فيرد على كل كلمة أو أمر نخاطبه به ، فلا نحس أمامه بالملل ولا الفتور إلا بعد مضي ساعات عدّة. وهذا سيكون حال دابة الأرض [تُكَلِّمُهُمْ] ،أي ستتفاعل معنا في التخاطب والتحاور مهما صغر الشأن أو عظم،  فلن نملّ منها أو نحس بالوقت معها. وربما تستطيع دابة الأرض التخاطب مع أكثر من شخص في آن واحد .

 الدابة مخلوق أرضي غير بشري (ليس من نسل آدم) ، الله أعلم بخلقته وهيئته . ولا أظن هذا المخلوق ( الدابة) من جنس أي مخلوق أرضي كسائر الحيوانات المعروفة من دواب وطيور وأسماك وغيره. وإنما مخلوق فريد لا ينتمي لأي نوع أرضي معروف. فكما خلق الله آدم بلا والد ، وكما خلق الله ناقة صالح بلا والد (والتي أظنها أصل النوق العربية والله أعلم) ،وكما خلق الله ثعبان موسى بلا والد ، وكما خلق الله طير عيسى بلا والد ، سيكون كذلك خلق دابة الأرض. ونجد تأييد عدم وجود أصل أبوي للدابة في قوله تعالى [مِّنَ الْأَرْضِ ] . فالإخراج سيكون من الأرض مباشرة ، وليس من مخلوق حي ولادة أو نسلاً. أي أن أصلها ووالدها هو الأرض مباشرة ،كآدم عليه السلام ، وليس ولادة من بشر أو مخلوق سابق.

  الدابة الجديدة ( دابة الأرض) ستختلف تماماً عن ناقة صالح أو فصيلها ( الذي تخرّص بعضهم وزعم أنه لما هرب الفصيل  دخل بجوف حجر ثم انطبق عليه ، فقالوا إذن هو الدابة التي ستخرج) . والاختلاف سيكون في أمرين مهمين هما العقل والكلام. إذ لم يحدث من قبل أن شهد البشر مخلوقاً أرضياً غير بشري يعقل ويفهم ويدرك ويستوعب أمور البشر وعلومهم وحياتهم ويتكلم ويتخاطب معهم بجميع ألسنتهم.

ومن زعم أن الدابة هي الجسّاسة ( وكيف تكون وهي تَجُسُّ الأخْبار للدَّجال) أو المهدي المنتظر فقد ضلّ السبيل لأنهما حديث خرافة . ومثله من غلا  في علي بن أبي طالب فاعتبره الدابّة، لأن دابّة الأرض ليست بشراً ،ولم تخرج بعد حتى الآن. وعلي بن أبي طالب لن يعود بالدنيا لأنه حتى أنبياء الله أنفسهم لن يعودوا بالدنيا [{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ } (144) سورة آل عمران/ {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ } (75) سورة المائدة/ {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } (134) سورة البقرة/ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ {34} الأنبياء].

 

الآية الكريمة اختصرت مهمة الدابة أو مجمل حديثها في أمر " أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ" . أي أن الدابة لعله سيكون محور كلامها مع الناس في موضوع " الناس على مر العصور لم يكونوا يوقنون بآيات الله " . ولعل هذا هو المجمل.

وهذا المقال مجرد خواطر وتكهنات وظنون ورجم بالغيب.  أما تأويل الأمر وصيرورته وأحداثه وتفصيله وحيثياته فمتروك لحين ظهور دابة الأرض.

 

***

وقد قيل أن هناك قراءات ومعان أخرى للآية : [اللسان: وقوله تعالى: {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [النمل: 82]؛ قرئت: تَكْلِمُهم وتُكَلِّمُهم، فتَكْلِمُهم: تجرحهم وتَسِمهُم، وتُكَلِّمُهم: من الكلام، وقيل: تَكْلِمهم وتُكَلِّمهم سواء كما تقول: تَجْرحهُم وتُجَرِّحهم. قال الفراء: اجتمع القراء على تشديد تُكَلِّمهم وهو من الكلام. وقال أَبو حاتم: قرأَ بعضهم: تَكْلِمهُم وفسر تَجْرحهُم، والكِلام: الجراح، وكذلك إن شدد تُكلِّمهم فذلك المعنى تُجَرِّحهم].

الشوكاني (تفسير فتح القدير) : قرأ الجمهور تكلمهم من التكليم، ويدل عليه قراءة أبي تنبئهم وقرأ ابن عباس وأبو زرعة وأبو رجاء والحسن : تكلمهم بفتح الفوقية وسكون الكاف من الكلم، وهو الجرح. قال عكرمة : أي تسمهم وسماً، وقيل تجرحهم، وقيل إن قراءة الجمهور مأخوذة من الكلم بفتح الكاف وسكون اللام وهو الجرح، والتشديد للتكثير،قاله أبو حاتم .

الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن): واختلفت القراء في قراءة قوله تكلمهم فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار تكلمهم بضم التاء وتشديد اللام، بمعنى تخبرهم وتحدثهم، وقرأه أبو زرعة بن عمرو ( تكلمهم) بفتح التاء وتخفيف اللام بمعنى: تسمهم. والقراءة التي لا استجيز غيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار.
 حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم وهي في بعض القراءة تحدثهم تقول لهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون .
القرطبي (‏الجامع لأحكام القرآن): (( تكلمهم )) بضم التاء وشد اللام المكسورة _ من الكلام _ قراءة العامة ، يدل عليه قراءة أبي ( تنبئهم ) ..  وقرأ أبو زرعة و ابن عباس و الحسن و ابو رجاء : (( تكلمهم )) بفتح التاء من الكلم وهو الجرج ، وقال عكرمة : أي تسمهم .

***

 

فأظن القراءة (بمعنى تجرحهم) قد لا تستقيم مع بقية الآية [أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ]. فالأصح أن المعنى من الكلام أي الحديث والمخاطبة.

 

ولكن ماذا عسى سيكون موقف الناس عموماً من الدابة حين خروجها ؟ هل ستكون نظرتهم تجاه الدابة كنظرة المسلمين ؟ هل سيقرّون أخيراً للمسلمين أن القرآن نطق بالحق وأن الدابة ظهرت كما قال القرآن ؟ هل أخيراً سيفحم المسلمون الكفار بالآية الواضحة الجلية أن القرآن من عند الله وأن ما قاله القرآن منذ زمن بعيد قد حدث ووقع ؟

 

دعونا نذهب في خواطر محتملة قد يكون شيء منها  وقد لا تكون كلية . فالعلم عند الله بحقيقة وواقع ما سيكون [{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ } (7) سورة آل عمران]. ولكن مجرد تأملات وتخرصات ظنية قاصرة  لما قد عساه أن يحدث .

 

لنقل أن الدابة قد خرجت من الأرض . وإذا بالناس ترى هذه الدابة العجيبة في مكان ما ( بجزيرة العرب أو المنطقة العربية عموماً على الأرجح) . فتستعجب من خلقتها الغير بشرية أو حتى الغير مألوفة كبقية دواب الأرض. وقد تكون ضخمة الحجم كضخامة الفيل أو الحوت . والله أعلم. فالناس يرون مخلوقاً عجيباً لا يشبه البشر ولا أي حيوان معروف. الناس ترى مخلوقاً أرضياً فريداً جداً . والأعجب من كل ذلك أن هذا المخلوق ينطق ويتكلم بلسان يفهمه جميع الناس [تُكَلِّمُهُمْ]. أي بألسنة كثيرة ،لأن الدابة تكلّم الناس جميعاً دون ترجمان،كل شعب بلسانه الذي يفهمه. فهذا المخلوق فاق حتى البشر في قدراتهم اللغوية . فهو يخاطب العرب بلسانهم وبجميع لهجاتهم ويخاطب الأعاجم  بجميع لغاتهم ،وهذا أمر لم يسبق أن استطاعه حتى الإنسان نفسه.

 

طبعاً ستخرج الدابة بعد زمن من وقتنا هذا الذي تقدمت فيه وسائل الاتصال بصورة مذهلة عن طريق الكمبيوتر والتليفون والفضائيات والإنترنت . ومثلها كذلك وسائل المواصلات من طائرات وقطارات وسيّارات وسفن وما اقترن به من تطور لشبكات طرقها. ولك أن تتخيل عظمة الاتصالات حين ستخرج الدابة ، حيث ستكون الاتصالات أشد وأكثر تطوراً مما هي عليه اليوم ، رغم أن اتصالات اليوم قد بلغت مبلغاً عظيماً .

 

ووقت خروج الدابّة تحدده الآية الكريمة [وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ] :

 

أولاً ننظر في عبارة مطابقة لها [وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم] وردت في هذه الآيات التالية مباشرة لآية الدابة :  [ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ {83} حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {84} وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ {85} النمل].  فهؤلاء المكذبون الذين وقع القول عليهم بالآخرة يبدو أن معناه أنهم قد أُدينوا وحُجّوا. فهم لا يحيرون جواباً [فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ].أي أن الإدانة ( وهي التكذيب بآيات الله دون الإحاطة بها علماً) قد وقعت عليهم وثبتت وصحّت فلا يستطيعون ردها ولا دفعها عنهم [فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ]. فيبدو أن هناك علاقة بين وقوع القول عليهم وبين سكوتهم. فهؤلاء المكذبون قد ثبت ووقع وصحّ ظلمهم لأنفسهم بذلك التكذيب بآيات الله فوقعت عليهم الإدانة وقامت عليهم الحُجّة [{وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (75) سورة القصص] وثبت عليهم القول ( بالتكذيب دون علم) .

كما يُقال في المحاكم وغيرها قد وقعت على فلان التهمة وثبتت عليه أو لصقت به. فالمتهم قبل أن تثبت عليه التهمة كان بريئاً أو لم يكن بالإمكان القطع والحكم بجرمه . لكن بعد أن ثبت عليه القول أي التهمة فقد أصبح بالإمكان أن يُقال عنه أنه مجرم . فالقول " بأن المتهم قد قتل أو سرق أو أجرم " قد وقع عليه الآن وثبت ولا يمكنه دفعه ولا ردّه عنه . مثل قول الله أن يُحدّ السارق  والزاني ويُقتص من القاتل وهكذا ،فمن كان كذلك ( سرق أو قتل أو زنى) فإنه ينطبق عليه القول  ويقع ( سواء قبل العقوبة أو بعدها). فالقول ( الحد والقصاص) قد وقع عليه وأصابه أي  سرى عليه القانون وجاز  ولم يبق إلا التنفيذ أو العفو ( إن كان قصاصاً). فالسارق أو الزاني أو القاتل قد وقع عليه القول ( القانون : الحد أو القصاص) حتى قبل تنفيذه.

وكذلك حال المكذّبين على جهل بالآخرة ، فما قاله الله (من أنهم كذّبوا بالآيات دون الإحاطة بها علماً ) فهو قد أصبح واقعاً متحققاً عليهم. فهم لا يستطيعون أن ينكروا ما فعلوه وما قاموا به من تكذيب ـ دون الإحاطة بما كذّبوا به علماً ـ ولا يستطيعون أن يقولوا أنهم كانوا يعملون شيئاً آخر غير ذلك التكذيب ـ هكذا بلا علم ـ  [أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]. فالله يعطيهم الفرصة العادلة للدفاع عن أنفسهم ( ان استطاعوا) ليخرجوا أنفسهم من هذا المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه .فإن كان هناك عمل آخر كانوا يعملونه غير ذلك (التكذيب بلا علم) يستطيعون من خلاله أن يدفعوا عن أنفسهم الإدانة (التكذيب بلا علم) فلينبأوا وليخبروا وليحتجّوا به . لكن وضعهم يومئذ أن لا خبر يصدر منهم ولا نبأ بعمل آخر منجٍ لهم كانوا يعملونه سوى التكذيب بلا علم [{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ} (66) سورة القصص] .فحالهم المحتوم سيكون كما قال الله [فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ]. فالقول [أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً] قد وقع عليهم وانطبق وانضبط وناسب عليهم وثبت بعد أن عجزوا عن النطق ( الدفاع) سواء قول : أنهم كانوا مكذّبين تكذيباً بلا علم ولا دليل [{بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ /{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} (20) سورة لقمان} (39) سورة يونس/{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ } (29) سورة الروم] أو  مضافاً إليه نتيجة ذلك التكذيب ( ظلمهم لأنفسهم) مما توعّدهم الله به من عذاب وجزاء سيحيق بهم .  فالقول يبدو هو ما قاله الله عنهم أنهم مكذبين بالآيات على جهل دون علم بها [أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً ].وهذا القول المعيّن قد وقع عليهم إذ لا يستطيعون دفعه عنهم . ولعلنا نجد مثل ذلك المعنى حول القول المعيّن في [{ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} (86) سورة النحل]. فالقول هو [إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ]. ومثل [{ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (13) سورة السجدة]،حيث القول هو [لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ]. ومثل [{ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} (31) سورة سبأ]،فالقول هنا هو [لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ]. ومثل [{وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} (25) سورة فصلت] ،فالقول هو [إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ]. ومثله [{فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ} (31) سورة الصافات]،فالقول هنا [إِنَّا لَذَائِقُونَ].

 

أو ربما ثبت عليهم ووقع عليهم بشكل عام قول الله بالقرآن الذي قد قاله على المكذّبين ومصيرهم ومآلهم [{وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (95) سورة يونس]. القول قد يكون قول الله عموماً ( القرآن) : [ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ {40} وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ {41} وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ {42} تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ {43} وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ {44} الحاقة]. [ {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} (19) سورة التكوير]، [{إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} (13) {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} (14) سورة الطارق/{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} (5) سورة المزمل/{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ } (51) سورة القصص/{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ} (68) سورة المؤمنون].

فقول الله سيقع  [{ {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} (6) سورة الذاريات/{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} (7) سورة المرسلات]،ومن ظلم نفسه فسيقع القول ( الوعيد) عليه [{قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ} (28) {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} (29) سورة ق]. فقول الله لا يُبدّل وسوف يقع بعد إمهال على الظالم بالدنيا أو بالآخرة ثم الأمر لله أن يفعل بعباده ما يشاء . 

 

كذلك أصحاب الدابّة بالدنيا [وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ] بسبب ظلمهم لأنفسهم ( وذلك عندما يكونون في غالبهم مكذّبين بلا سبب منطقي أو علمي) فأمكن اعتبارهم كمن لا يستطيع النطق لردّ ودفع القول عنه ( كأن يقول مثلاً أنه ليس مكذّباً أو أن تكذيبه قام على علم وأساس أو على عذر أو برهان أو أنه كان يعمل عملاً آخر غير التكذيب بلا علم) لأن ظلمه قد ثبت عليه بهذه الدنيا. فكأنه تلقّف وقبل القول ضدّه والذي يدينه ويجرّمه فلا يستطيع صرفه وإلقائه بعيداً عنه . أي كأن الله قد حاسب هؤلاء الناس بالدنيا قائلاً لهم أنهم كانوا مكذبين بآيات الله بلا علم ولا برهان ، فلم يحيروا جواباً ولا رداً لدفع القول عنهم بسبب عجزهم عن تبرئة أنفسهم ،فكأنهم أقرّوا بذنبهم [{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } (45) سورة فاطر]. فبعد أن يقع القول [أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ] على الناس ( أي أنه على الأرجح ما ستخبر به الدابة من أن الناس كانوا لا يوقنون بآيات الله) ستخرج الدابّة لتكلّمهم بوقوع ذلك القول عليهم وهو [أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ]. أي أن الدابة ستخرج بعد أن تقوم عليهم الحُجّة وتثبت الإدانة فلا يكون للناس عذر  ولا سبيل لدفع القول ضدهم  سواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا . لأن الذي يحكم بذلك هو الخبير بعباده [{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} (25) سورة الإسراء]. فالقول عليهم ( لعله بعدم اليقين بآيات الله أو قول الله عموماً بالقرآن) قد ثبت وتحقق وأصبح واقعاً ملموساً ولا يمكنهم دفعه أو إنكاره بأي وسيلة  . ومهما أنكروا ما قاله الله عليهم فلن يجديهم ذلك نفعاً لأنهم فعلاً كما هو قول الله عليهم. فعندما يُستوفى لدى الناس القول ( الإدانة) بعدم اليقين بآيات الله ،عندئذ تخرج دابة الأرض تكلّم الناس أنهم قد وقع ( ثبت) عليهم القول ( الإدانة بأنهم لا يوقنون).  أي ستقول الدابة أنه قد وقع وثبت وتحقق أن الناس لا يتكون لديهم يقين ( علم ) بآيات الله لأي سبب ( كالجهل أو التجاهل أو الإعراض أو الكبر أو عدم الاكتراث أو التكذيب أو كره الحق أو أو موت القلب وعماه أو تقليد الآباء والمدارس تقليداً جامداً أو غيره من الأسباب أو الأمراض التي تصيب القلوب) أي كما قال الله [وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً] وكما قال [{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ} (24) سورة الأنبياء].

 

 فقد يكون المعنى أن القول لم يقع بعد على الناس حتى الآن ( ربما لأنهم لم يستوفوا عدم اليقين بعد في علم الله) ، ولكن عندما يقع القول عليهم أي يتحقق عليهم  ويتمّ وينطبق ويُستوفى ما قاله الله ( من أن الناس لا يوقنون بآيات الله) ، فعندئذ سوف تخرج الدابة. والناس الذين لا يوقنون هم على الأرجح هذه الأمة الأخيرة التي رسولها محمد عليه الصلاة والسلام [{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ } (30) سورة الرعد/{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (47) سورة يونس/{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا} (41) سورة النساء]. فكل أمة خلت قد ثبت أن أكثرها لا يوقن [{مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } (6) سورة الأنبياء/{وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } (102) سورة الأعراف/{وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ} (71) سورة الصافات] ولم يبق إلاّ دور هذه الأمة أن يقع عليها القول. وسيثبت عدم اليقين لهذه الأمة ـ كما قد ثبت لمن قبلها من الأمم ـ عند ظهور الدابة [{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} (30) سورة يــس]. فوقع القول عليهم أي تحقق فيهم وتقرر  وانطبق وتمّ عليهم وسرى وجاز ومضى ونفذ. فيبدو أن  كثيراً من الناس (ربما أكثر الناس) في زمن ما سيتحقق القول عليهم ويتقرر وينطبق ويصحّ فيكون تكذيبهم بالآيات قد اكتمل وبلغ ذروته [{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً } (43) سورة الرعد] وحينها تخرج  الدابة لتخبرهم بواقع حالهم (أن الناس كانت لا توقن بآيات الله). فالأمم الأولى ( قبل هذه الأمة الأخيرة) كان يتقرر القول على أكثرهم في أثناء حياة رسولهم . وقلّة من الأمم يترنحون بعد موت رسولهم بين الإيمان والكفر كأمة موسى وأمة عيسى عليهما السلام ( فلا هم اتّبعوا كتاب الله حق الاتّباع ولا هم كفروا به كمن قبلهم) ليثبت  في النهاية أن أكثرهم  لا يوقنون. وأما هذه الأمة الأخيرة ( أمة محمد عليه الصلاة والسلام أي جميع الناس منذ مبعث خاتم النبيين حتى تقوم الساعة) فهي أمة خاصة مختلفة وأهم ما يميّزها هو الكم الهائل من البشر الذي فاق في عدده أي أمة سابقة ( ويبدو أن البضعة مليارات من البشر في كل جيل الآن ستتكاثر خلال بضعة قرون إلى عشرات من المليارات لكل جيل) فأظن أن عدد البشر قبل محمد عليه الصلاة والسلام ليس شيئاً مذكوراً أمام عددهم بعده ( فالتاريخ قبل محمد عليه الصلاة والسلام شيء والتاريخ بعده شيء آخر [وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً {8} وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً {9} وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً {10} الجن])، وكذلك عدم مجيء نبي بعد خاتم الرسل محمد عليه الصلاة والسلام ، وأيضاً عدم السماح بتحريف أو تضييع كتاب الله الأخير وهو القرآن العظيم ليكون حجّة على كل جيل من هذه الأمة حتى قيام الساعة ، وأخيراً أن هذه الأمة تتألف من كل الأعراق والألسنة [{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } (158) سورة الأعراف/{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (107) سورة الأنبياء]. لذلك فالإمهال لها لكي يقع القول عليها سيكون طويلاً جداً وقد تجاوز 1400 سنة حتى الآن وسيستمر إلى وقت ما في علم الله ، وحينئذ سيقع القول على هذه الأمة ( بأنهم لا يوقنون كمن سبقهم ) ، كما قد وقع على من قبلها من الأمم [{وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ } (4) سورة فاطر/{وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ } (18) سورة العنكبوت  ]. وعند وقوعه ستخرج الدابة.

 

 فالله يُنظرنا حتى وقت  معين لكن بعده سيقع القول علينا ( نستوفي عدم اليقين أو التيقّن) وحينئذ تخرج الدابة . ففي وقت ما سيتقرر أننا لا نوقن ، عندئذ ستخرج الدابة لتخبرنا بحقيقة واقعنا المؤلم. فالدابة مهمتها فقط أن تقرر للناس حقيقتهم التي آلوا إليها من عدم اليقين بآيات الله. فوقع القول عليهم أي طابق وماثل وناسب حالهم .

 

 فأصحاب الدابة إذا وقع القول عليهم ( تحقق القول عليهم أنهم لا يوقنون) تخرج عندئذ الدابة لتكلّمهم . كأن الله يقول لهم قد أكرمتكم فأرسلت لكم أنبياءاً بشراً مثلكم يهدونكم لكنكم تصرفتم كالأنعام بل أضل [{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} ( 44) سورة الفرقان] فلا تفقهون قولاً ولا منطقاً فها هي دابة ( غير بشر) قد فهمت ووعت ما لم تفهموا وها هي دابة غير بشر تكلّمكم حول دينكم أنكم لا توقنون بدين الله وآياته . فكأن هذا مستواكم أنكم أقل فهماً وعقلاً من مستوى الدواب غير البشرية التي فهمت ما لم تفهموه. فهذا سيكون إحراجاً كبيراً للبشرية أن تدرك دابة ما لم يدركوه وتستوعب ما لم يستوعبوه وتنبئهم بما لم يفهموه. فوقوع القول عليهم أي أنهم حققوا شروط الكفر فانطبق القانون عليهم كما قد انطبق على من قبلهم [{ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} ( 25) سورة فصلت].

  فالقول هو قول الله وقد يكون بشكل عام ويبدو أنه هنا (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) متعلق بشروط الخسران والهلاك فعندما تنطبق تلك الشروط على أولئك الناس ( بعض الناس أو غالبهم) يكون القول ( قول الله) قد وقع عليهم وسرى ونفذ وعندها تخرج الدابة.

ومن ناحية أخرى قد يكون قول الله الذي وقع عليهم هو (أن غالب الناس لا يوقنون ). أي أنه سيأتي زمان سيكون فيه قد تحقق أن أكثر البشرية لم تؤمن ( يعني لن يبق من البشرية التي  سيخلقها الله إلا الأقل). أو أنه سيأتي زمان سيكون فيه قد كفر أكثر هذه الأمة الأخيرة ( الأمة التي بُعث إليها محمد عليه الصلاة والسلام) وبذلك يكون وقع قول الله أن أكثر الناس لا يوقنون [{
وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (103) سورة / لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (7) سورة يــس/ يوسف/ {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ } (116) سورة الأنعام/{ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ  أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} (17) سورة هود/{ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (40) سورة يوسف/{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} ( 106) سورة يوسف/{المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} (1) سورة الرعد/{ وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (38) سورة النحل/{ وَأَكْثَرُهُمُ  الْكَافِرُونَ} (83) سورة النحل/{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} (89) سورة  الإسراء/{ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ} (24) سورة الأنبياء/{بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ  وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (70) سورة المؤمنون/{وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} (50) سورة الفرقان/{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ  أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} (8) سورة الشعراء/{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} (73) سورة النمل/{ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (30) سورة  الروم/{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (28) سورة سبأ/{إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ  أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} (59) سورة غافر/{لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (78) سورة الزخرف/{ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لَا  يَعْلَمُونَ} (26) سورة الجاثية/[ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ {40} قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ {41}سبأ]/ [حم {1} تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {2} كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {3} بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ {4}فصلت].

وقريش قبيلة الرسول عليه الصلاة والسلام التي اصطفاها الله على علم من دون القبائل والشعوب قد كفر معظمها بالرسول فكيف بغيرهم من الناس [ يس {1} وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ {2} إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ {3} عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {4} تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ {5} لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ {6} لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ {7} إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ {8} وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ {9} وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {10} يس]. والقرى الأولى قد ضل أكثرها [{وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ} (71) سورة الصافات] فكيف بنا نحن ومن بعدنا [{مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } (6) سورة الأنبياء].


فربما في زمن ما سيكون بعلم الله قد تحقق إعراض أكثر البشرية ولم يبق إلا القسم الأقل من الخلق البشري  ( سواء من الموجودين بذلك الوقت الذي ستخرج فيه الدابة أو ممن لم يخلقه الله بعد) . ففي ذلك الوقت الذي ستخرج فيه الدابة سيكون عدد الناس الذين أعرضوا منذ أن خلق الله آدم حتى حينه  قد انطبق ووقع عليه قول الله أن أكثر الناس لا يوقنون . والله أعلم. فعدد الغير مؤمنين ممن قد مات ( على الأقل من هذه الأمة الأخيرة) بالإضافة إلى عدد الأحياء ممن لن يوقن حتى يموت سيكون قد فاق بكثير غالب عدد البشر من صلب آدم ( أو على الأقل عدد هذه الأمة) ،وبذلك سيكون قد وقع قول الله على الناس أن أكثرهم لا يوقن بآيات الله . وحينئذ ستخرج الدابة لتخبرهم بهذه الواقعة التي تمت وصارت [{
أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82) سورة النمل].
 

 ومع ذلك فهذا قد لا يعني أن الساعة على وشك أن تحقّ على الناس فتكون نهاية العالم ودمار الأرض لانتهاء المهلة الدنيوية خلال فترة بسيطة بعد خروج الدابة (ربما قد تكون بضعة أشهر أو بضع سنوات أو بضعة عقود على الأكثر)، وذلك لأن الساعة لن تأتي إلا بغتة [{هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (66) سورة الزخرف]. فوقوع القول عليهم ، ليس بالضرورة وقوع يوم القيامة أو كوده. بل أن الآية التي بعد الآيتين التاليتين لآية خروج الدابة [{وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ} (85) سورة النمل] قد تؤيد ذلك. فهذه الآية الأخيرة تتحدث عن وقوع القول على المكذّبين وقد وقعت القيامة . فهي عن ما بعد البعث ( أي بعد وقوع يوم القيامة) . فبعد أن تم حشر الكذبة من الناس يوم القيامة ، وقع ( حقّ وصار ) قول الله عليهم يوم القيامة مما قد أخبرهم وأنذرهم به في الدنيا.

 

 وأيضاً ربما أن هناك عذاباً وشيكاً سيحل بالناس بعد انقضاء الدابة ( كالدخان مثلاً) . وقد لا يكون عذاب . حيث أن الناس ( أو هذه الأمة) ربما قد توقفت تقريباً في معظمها عن الإيمان والدخول في الإسلام وفتنت بالمادية والحسية وشئون الدنيا ولا يكاد يذكر الله إلا قليل من الناس. فحين لا يكاد يأبه أحد تقريباً لدين الله كما أنزله على رسوله أو يكثر جداً انصراف الناس عن الدين ( ولا أرى حالنا اليوم يبعد كثيراً عن ذلك ) سيكون حينئذ وقت خروج الدابة لتكلّم الناس بوضعهم وبحالهم وواقعهم وإعراضهم وغفلتهم عن الدين. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى [بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ]. فالدابة قد تخرج في زمن قد فتر فيه الإيمان جداً ،إما لعدم اكتراث من الناس حتى لا يكاد يذكر الله إلا قليل أو لانحراف وانحدار شديد بلغ مداه عن الحق وعن كتاب الله [{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (30) سورة الفرقان] . ونرى اليوم هذا الانصراف الواضح عن دراسة القرآن وتعلّمه إلا من علم التجويد بينما يقابله الاهتمام الواضح والجهد البالغ بدراسة أقوال الرجال. فأصبح حال المسلمين تقريباً كحال أهل الكتاب من الضلال قد انصرفوا عن دراسة القرآن وتدبّره وانكبّوا عاكفين على كتب الرجال ورواياتهم ونقولهم وأسانيدهم فأصبحوا كمن سبقهم من عبدة الأحبار والرهبان [{اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ } (31) سورة التوبة/{ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ } (64) سورة آل عمران/{وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا } (80) سورة آل عمران ]. فكأن شرط ( ضعف الإيمان) أو الانحراف عن الحق إذا تحقق في الناس إلى مستوى معيّن ،أذن الله بأن يقع القول عليهم. ورغم أن الإسلام هو أسرع الديانات انتشاراً وأقواها صيتاً ودويّاً وأعظمها شهرة وجاذبية لكن هذا شيء وقبول الناس له شيء آخر . فالنور ساطع قد ملأ الدنيا لكن العيب في العين التي لا تبصر. إذ أن الناس بشكل عام ومنهم المسلمين أصبحوا يميلون للكفر والعلمانية والقومية والشيوعية والديمقراطية والعلمية (حسب الطريقة الأوربية الحديثة ) والتطورية  والمادّية والواقعية والتجريبية والعقلية والفلسفية والإسنادية وأقوال الرجال والتشيّع والتشرذم والتفرّق والنصوص المقدّسة التي ما أنزل الله بها من سلطان وغيرها من النظريات البشرية التي لا تنتهي مادام الإنسان ينظّر ويُقعّد لها. فاليقين بآيات الله وبكلامه سيضعف مع الزمن حتى يكاد ينعدم . [فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ {53} فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ {54} المؤمنون].

 

ولعل تعبير ( وقع القول على) قريب من تعبير ( حق القول على) .  فهنا نجد بهذه الآية أن عدم إيمان الناس أبداً إما كقضاء من الله أو كخبر منه بما سيكون [ {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (7) سورة يــس] . وهنا يبدو كقانون إلهي وكنتيجة حتمية لمن هو فاسق أو كافر أنه لا يمكنه أن يؤمن وهو كذلك [{كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (33) سورة يونس/{وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} (6) سورة غافر/{لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} (70) سورة يــس/{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (16) سورة الإسراء]. وهنا كقضاء ربما سبقه سبب منهم فيه [{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } (96) {وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} (97) سورة يونس] . ].
 

 وقد لا تحدّثهم الدابة عن الساعة أو ما يتعلّق بمرساها [{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (187) سورة الأعراف].

 وباب التوبة مفتوح إلى قيام الساعة . ومن أغلق باب التوبة قبل يوم القيامة فقد أخطأ ،لأن الله يقول [{هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (66) سورة الزخرف]. فإذا أُغلق باب التوبة قبل يوم القيامة ،فلماذا تأتي الساعة بغتة؟  فالمباغتة لغرض قطع النجاة على الكافر فلا يستطيع إنقاذ نفسه من العذاب بالتوبة والإيمان. والمباغتة لتحفيز الناس وحضّهم على الإيمان والتوبة قبل يُباغتوا بالساعة. أما إذا كانت التوبة ممنوعة قبل وقوع الساعة فما الفائدة من مجيء الساعة بغتة؟

 

***

 

وهناك ملاحظة أو تعليق حول تفسير بعض المسلمين لآية [{وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} (83) سورة النمل] حيث اعتبرها البعض دليلاً على الرجعة ،أي حشر وبعث بالدنيا لبعض الناس قبل قيام الساعة . حيث قيل أن هذا حشر ( وبعث) دنيوي ، لأن الحشر والبعث الأخروي لا يكون لبعض الناس فقط كما جاء بالآية [مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا]، ولكن يكون لكل الناس .فلا يحشر الله يوم القيامة البعض ويدع الآخرين دون حشر.  وهذا التفسير واضح الضلالة وقد دفع إليه الإيمان بالرجعة في الدنيا لمن يعتقدون برجعتهم فيها،ولم يكن تفسيراً متجرداً أميناً ،ولكن محاولة واهية لإخضاع الآية الكريمة لمعتقدات مؤمني الرجعة الدنيوية لمن ينتظرونهم. ومثل هذا الفهم الأعوج الخاطئ لمؤمني الرجعة الدنيوية كمثل لو قلنا أن معنى هذه الآيات [{وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } (84) سورة النحل/ {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء } (89) سورة النحل ] هو بعث الأنبياء والشهداء بالدنيا قبل يوم القيامة ،لأن البعث بالآخرة يكون لكل الناس. وطبعاً هذا استخفاف بالعقول . أما الفهم السليم فيعي أن مقصد الآيات هو بعث الشهداء والأنبياء بالآخرة.

 فالقرآن ذكر أمثلة كثيرة لحشر بعض الطوائف ( وليس كلها) يوم القيامة  لموضع أو موقف ما .  مثل : { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (36) سورة الأنفال، {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ } (34) سورة الفرقان، {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (19) سورة فصلت.  فهنا الكفرة وأعداء الله (وليس كل الناس ) يحشرون إلى جهنم.  {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} (85) سورة مريم. وهنا المتقون (وليس كل الناس) يحشرون إلى الله. وهذا حشر لبني إسرائيل وقوم فرعون يوم القيامة ( بالآخرة) :{وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} (104) سورة الإسراء. وهذا جمع أو حشر لفريق من أهل الكتاب يوم القيامة [{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } (25) سورة آل عمران]. وهذا حشر خاص لأفراد أو لبعض الناس يوم القيامة  [{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ} (22) سورة الصافات/ {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} (102) سورة طـه/ {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (124) {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى } (125) سورة طـه/ {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا } (97) سورة الإسراء/]. حتى الحيوان اختص الله ذكر حشره يوم القيامة بينما الحشر العام يشمل كل الخلق [{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } (5) سورة التكوير]. وغيرها العديد من الأمثلة. فالقرآن قد يتكلم في آية عن حشر لفئة معينة يوم القيامة ولكن لا يعني هذا أن بقية الناس لم يحشرهم الله . فليس دائماً بالآيات يكون ذكر حشر كل الناس يوم القيامة. فالحشر العام حادث لكل الناس يوم القيامة أما الخاص فلكل فئة يوم القيامة حشر معيّن حسب حالها.

فالآية [ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ {83} حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {84} وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ {85} النمل] يتضح فيها أن هؤلاء الفوج هم من المكذبين : [مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا ]،[حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي] . وطبعاً ليس كل الناس كذلك ،لأن كثيراً من الناس مؤمنون مصدّقون ،فلن يشملهم هذا الحشر الخاص ( حشر المكذبين أو بعضهم) يوم القيامة. فالآية إذ تقول "وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا " لم تترك بقية الناس من دون حشر كما وهم الواهم، فظنه  حشراً  وبعثاً دنيوياً . ولكن يتضح من الآية أن ذلك الفوج الذي حشره الله هو فوج من المكذبين ( وليس كل الناس مكذبين) . فيوم القيامة الحشر العام سيكون لكل الناس . أما الخاص يوم القيامة فإن كل طائفة من الناس لها حشر إلى موضع وموقف ومكان يختلف عن الطائفة الأخرى. فيوم القيامة هو يوم الفصل حيث ستنفصل كل طائفة عن الأخرى . فطائفة يحشرها الله للجنة وأخرى يحشرها الله للنار وهكذا [{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ} (22) سورة الصافات]. وكثيراً ما نقول : حشرك الله مع فلان أو مع من تحب،فهل نقصد حشراً بالدنيا أم نقصد الآخرة؟ فإن قلنا الآخرة، فهل أردنا الحشر العام لكل الناس؟ أم كما هو واضح أننا نقصد الحشر الخاص لطائفة معينة. ولكن للأسف البعض يستخف الناس من أجل خدمة فكرة خارج القرآن. ثم يستخدم القرآن دون أمانة في الفهم لتأييد فكرته . فكأن الآية انطبقت عليه [وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً  {23} الجاثية]. كما أن من فسّر الآيات [ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ {83} حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي  {84} النمل] برجعة المؤمنين (أو أعظمهم إيماناً) بالدنيا فقد وأد رجعته وأزهقها وأبطلها بيديه هو ، لأن الآيات تتحدث عن حشر مكذّبين [مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا] لا مؤمنين.

 

***

وحال خروج الدابة الناطقة سينتشر خبر ذلك الخروج كالبرق إلى جميع أنحاء العالم . وسوف يقدم إليها ملايين الناس عبر المواصلات السريعة لرؤيتها . وسوف يشاهدها المليارات من البشر وهم في بلدانهم في جميع أرجاء الأرض عبر وسائل الاتصال من فضائيات وإنترنت وغيره مما لا نعلم من وسائل مستقبلية. وسوف تخصص قنوات فضائية عديدة  ومواقع إنترنت ، فقط من أجل بث كل ما يتعلق بالدابة وأحوالها على مدار الساعة . أي أن الناس سيشاهدون دابة الأرض عبر قنوات فضائية من بيوتهم 24 ساعة يومياً  بلا انقطاع والكاميرا مسلطة على هذا المخلوق الأرضي العجيب. وربما استطاعوا أن يجروا معها حواراً مباشراً عبر الأثير وهم في أوطانهم ومنازلهم.

 

طبعاً المسلمون في البداية سوف يفرحون فرحاً عظيماً وسيعتبرون خروج الدابة حجة دامغة ودليلاً واضحاً وآية بينة تشهد لما قاله القرآن . وسيتواجه المسلمون مع النصارى واليهود وغيرهم ويؤكدون لهم أنه قد ثبت ما قاله القرآن وإذن لا عذر لكم أيها اليهود والنصارى ومن كفر ، في إصراركم على الكفر فقد تحقق ما قاله القرآن أمام بصر وسمع العالم بأسره.

 

فهل سيكون الأمر بهذه البساطة ؟ هل سيكون موقف اليهود والنصارى الذهول والحيرة وضرب أخماسٍ بأسداس ؟ هل أخيراً سينهار أهل الكتاب أمام تحقق هذه الآية القرآنية العظيمة وسيقرّون أن القرآن هو الحق ؟

 

بل السؤال الأعجب والأخطر : هل سيستمر المسلمون أنفسهم على إيمانهم وفرحتهم ؟ أم سينهار الكثير منهم ويتهاوى ويفتتن وربما ارتد عن الدين بعد خروج الدابة ؟

 قد لا يُفهم هذا السؤال الغريب الآن ، ولكن سيُفهم من خلال متابعة الموضوع،  [{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} (68) سورة الكهف] . فإذا عُرف السبب زال العجب . فصبراً إن شاء الله.

 

***

لنحاول أن نتأمل في ما عسى أن يكون موقف أهل الكتاب من الدابة . طبعاً نحن المسلمين أو أكثرنا يظن أن أهل الكتاب سيُسقط  في أيديهم ولن يحيروا جواباً . وسوف يقرون لنا المسلمين أن القرآن كان على حق . وإذن لن يبقى لهم سوى الخزي والذل إن عاندوا أو الاعتراف والتسليم بصحة القرآن . فهل هكذا سيكون موقف اليهود والنصارى؟ والآن لنرى ما أظنه سيكون موقف أهل الكتاب. والله أعلم.

 

عند خروج الدابة سيفرح النصارى كفرح المسلمين تماماً. نعم سيفرحون كالمسلمين وربما أكثر فرحاً بل قد يفقد الكثير منهم صوابه من شدة الفرح . والسبب أن النصارى سيرون أن كتبهم المقدّسة هم هي التي قد صدقت، وليس القرآن . وأن خروج دابة الأرض هو دليل دامغ على صدق ما جاء في كتابهم .

فقد جاء في كتب النصارى أنه في آخر الزمان وقبيل ظهور المسيح بزمن بسيط جداً ( أو لا يكاد يُذكر) سيخرج الوحش الأرضي . وهاهم النصارى الآن (حين خروج الدابة) يرون هذا الوحش الأرضي قد خرج . تماماً كما ذكر كتابهم المقدس. وهذا هو النص النصراني :

[سفر الرؤيا 13/ 11ثُمَّ رَأَيْتُ وَحْشاً آخَرَ خَارِجاً مِنَ الأَرْضِ، لَهُ قَرْنَانِ صَغِيرَانِ كَقَرْنَيْ خَرُوفٍ، وَلَكِنَّ صَوْتَهُ كَصَوْتِ تِنِّينٍ، 12وَقَدِ اسْتَمَدَّ سُلْطَتَهُ مِنَ الْوَحْشِ الأَوَّلِ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الْبَحْرِ ..  فَجَعَلَ سُكَّانَ الأَرْضِ يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ الأَوَّلِ ..  13وَقَامَ الْوَحْشُ الثَّانِي بِآيَاتٍ خَارِقَةٍ، .. 14فَخَدَعَ سُكَّانَ الأَرْضِ بِالآيَاتِ الَّتِي كَانَ يَقُومُ بِهَا فِي حُضُورِ الْوَحْشِ الأَوَّلِ. وَأَمَرَ سُكَّانَ الأَرْضِ أَنْ يُقِيمُوا تِمْثَالاً لِلْوَحْشِ الأَوَّلِ .. وَأُعْطِيَ سُلْطَةً عَلَى أَنْ يَبْعَثَ الرُّوحَ فِي التِّمْثَالِ لِيَنْطِقَ، وَأَنْ يَمُدَّ يَدَهُ فَيَقْتُلُ كُلَّ مَنْ يَرْفُضُ السُّجُودَ لِتِمْثَالِ الْوَحْشِ، 16وَأَنْ يَأْمُرَ الْجَمِيعَ، ..  أَنْ يَحْملُوا عَلاَمَةَ عَلَى أَيْدِيهِمِ الْيُمْنَى أَوْ عَلَى جِبَاهِهِمْ، 17فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَلَيْهِ عَلاَمَةُ الْوَحْشِ، أَوِ الرَّقْمُ الَّذِي يَرْمِزُ لاسْمِهِ!  18 ..  يَحْسُبُوا عَدَدَ اسْمِ الْوَحْشِ. إِنَّهُ عَدَدٌ لإِنْسَانٍ، .. ].

 

فهذا هو الوحش الأرضي عند النصارى [رَأَيْتُ وَحْشاً آخَرَ خَارِجاً مِنَ الأَرْضِ]. وهو يقابل دابة الأرض عند المسلمين . وهم قطعاً لا يقصدون به حيواناً حقيقياً وإنما يقصدون به ملكاً أو حاكماً بشراً ظالماً طاغياً أو كاهناً، يحارب النصارى (خاصة)، أو اليهود عموماً . ولو سألت نصرانياً اليوم عن وحشهم ( أو وحوشهم ) لقال لك بكل يقين وإصرار وجزم وبلا تردد أن وحش الإنجيل ليس وحشاً حقيقياً ، وإنما مجرد رمز لملك أو كاهن أو مملكة أو سلطة دينية أو سياسية. ولو استحلفته لأقسم لك بالأيمان المغلّظة أن وحش النصارى ليس حيواناً حقيقياً على الإطلاق وإنما مجرد رمز لبشر أو سلطة بشرية.

وسيعتقد أهل الكتاب أنه ( أي الدابة أو الوحش) خرج من قعر وجوف الأرض وبطنها أو الهاوية أو جهنم [رؤيا 11/  7  الْوَحْشُ الصَّاعِدُ مِنَ الْهَاوِيَةِ].

ومقصود النصارى بالوحش ( الأرضي) هو أنه كاهن وثني على الأرجح ( أو ربما رئيس كهنة اليهود أو رئيس كنيسة خاضعة للروم) يعتبره النصارى نبياً دجّالاً أو مسيحاً مزيّفاً يخدم أسياده الروم [قارن هذه ( الرؤيا 13/13وَقَامَ الْوَحْشُ الثَّانِي بِآيَاتٍ خَارِقَةٍ، .. 14فَخَدَعَ سُكَّانَ الأَرْضِ بِالآيَاتِ الَّتِي كَانَ يَقُومُ بِهَا فِي حُضُورِ الْوَحْشِ الأَوَّلِ) مع هذه ( الرؤيا 19/ 20فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَعَلَى النَّبِيِّ الدَّجَّالِ الَّذِي قَامَ بِالْمُعْجِزَاتِ فِي حُضُورِ الْوَحْشِ)] . أو أنهم قصدوا بالوحش الأرضي اليهود عموماً ممن رفض المسيح ابن مريم الذين تعاونوا مع الروم ضد النصارى. أو أن الوحش هو أحد الحكام والولاة الرومان  . فالوحش الأرضي ( حاكم،كاهن،قائد،..) هو عبد وخادم وتابع للوحش البحري ( ملك الروم).

وربما خلطه النصارى ( أي الوحش عموماً وهو بشكل محدد الوحش البحري) بأحد الملوك الرومان [عَدَدَ اسْمِ الْوَحْشِ. إِنَّهُ عَدَدٌ لإِنْسَانٍ] قيل أنه القيصر نيرون حسب اسم الوحش (666) ، أو بمملكة الروم عموماً (الوحش البحري) التي قهرت وأذلّت اليهود والنصارى بعد المسيح . فالوحش الأرضي يمثل كاهناً أكبر ( كتابياً أو وثنياً) أو حاكماً أو عميلاً  أو طائفة بفلسطين ( أو آسيا الصغرى على الأرجح لأنه بها كتب سفر الرؤيا) سواء من اليهود أو الروم  يخضع لسلطة الوحش البحري ( الروم أو أحد ملوكها) . إذ وجدنا بالنص النصراني وحشاً آخر أكبر يخرج من البحر ( لا يقصدون به حيواناً حقيقياً وإنما أرادوا ملكاً آدمياً طاغياً من قبل  الجزر والبحار أي الروم ) .

والنصارى قد يخلطون بين دابة الأرض حين تخرج ، وبين ذلك الوحش البحري بكتبهم فربما اعتبروها  خرجت من البحر . فالوحش البحري ( ممثل الروم) هو سيّد الوحش الأرضي ( ممثل إقليم تابع للروم كآسيا الصغرى). وكلا الوحشين ( الملك وكاهنه) يخضعان للشيطان ( التنين أو الحيّة).

 

وأما وحش البحر المذكور فهذا نصه :

 [الرؤيا 13/ ثُمَّ رَأَيْتُ نَفْسِي وَاقِفاً عَلَى رَمْلِ الْبَحْرِ، وَإِذَا وَحْشٌ خَارِجٌ مِنَ الْبَحْرِ، لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ، عَلَى كُلِّ قَرْنٍ مِنْهَا تَاجٌ، ..  2وَبَدَا هَذَا الْوَحْشُ مِثْلَ النَّمِرِ وَلَهُ قَوَائِمُ كَقَوَائِمِ دُبٍّ وَفَمٌ كَفَمِ أَسَدٍ! وَأَعْطَاهُ التِّنِّينُ قُدْرَتَهُ وَعَرْشَهُ وَسُلْطَةً عَظِيمَةً. 3وَبَدَا وَاحِدٌ مِنْ رُؤُوسِهِ ..  فَتَعَجَّبَ سُكَّانُ الأَرْضِ لِذَلِكَ، وَتَبِعُوا الْوَحْشَ. 4وَسَجَدَ النَّاسُ لِلتِّنِّينِ لأَنَّهُ وَهَبَ الْوَحْشَ سُلْطَتَهُ، وَعَبَدُوا الْوَحْشَ ..  5وَأَعْطَى التِّنِّينُ الْوَحْشَ فَماً يَنْطِقُ بِكَلاَمِ الْكِبْرِيَاءِ وَالتَّجْدِيفِ، ..  8فَيَسْجُدُ لِلْوَحْشِ جَمِيعُ سُكَّانِ الأَرْضِ الَّذِينَ لَمْ تُكْتَبْ أَسْمَاؤُهُمْ ..]

فنجد في هذا النص أيضاً كلام وحديث الوحش ( نطقه) في عبارة [ وَأَعْطَى التِّنِّينُ الْوَحْشَ فَماً يَنْطِقُ بِكَلاَمِ الْكِبْرِيَاءِ وَالتَّجْدِيفِ]. فهذا الوحش الآخر ( البحري) ينطق كذلك ، وهو بدوره عبد وخادم للشيطان ( التنين).

 

وطبعاً الوحشان عموماً كما قلنا يرمزان عند النصارى لأي ملك أو مملكة أو سلطان أو سلطة عظيمة شريرة ( وهي وحش البحر بسفر الرؤيا أي الروم بشكل خاص) لها حاكم أو ملك تابع أو كاهن أو دولة أصغر تتبعها وتخضع لها وتنفذ مآربها ( وهي وحش البر أي اليهود أو أي إقليم خاضع لإمبراطورية الروم كآسيا الصغرى أو كاهن أكبر تابع لملك الروم) في محاربة الصالحين من الناس . ففي إقليم آسيا الصغرى ( تركيا اليوم) التي كُتب فيها هذا السفر كان يوجد ما لا يقل عن ثمانين معبداً لعبادة الإمبراطور . وفي النهاية الدولتان الكبرى ( وحش البحر) والصغرى ( وحش الأرض) مجرد أدوات يحركهما إبليس نفسه. فوحش البر عبد لوحش البحر ،ووحش البحر عبد لإبليس. فنجد أن النصارى يستطيعون أن يجعلوا هذا الأمر ينطبق على دول عدة مثل أمريكا ( الوحش الأكبر) وإسرائيل ( الوحش الأصغر) ، وهكذا. فنستطيع أن نطبق ذلك عموماً على أي حكومة ضعيفة عميلة أو من يمثّلها ( وحش أصغر) تحكم مباشرة فئة مؤمنة من الناس .  لكن هذه الحكومة خاضعة وخادمة لحكومة  أعتى منها جبّارة وكافرة ( وحش أكبر) أو من يمثّلها .  ثم تقوم تلك الحكومة الصغيرة بقمع شعبها أو طائفة منه ( المؤمن عموماً) واستعباده واضطهاده تنفيذاً لأوامر ورغبات الحكومة الأجنبية القوية. وكلا الحكومتين تخضعان لإبليس وتخدمانه.

 

فالوحش البحري الأكبر عموماً هو فرعون العصر ( دولة العصر العظمى) . والوحش الأرضي الأصغر عموماً هو كاهن العصر أو الوزير هامان الذي يتبع سلطة ذلك الفرعون ( السلطة الدينية التابعة أو الحكومة المحلية الخاضعة العميلة) . وقد صرّحت كتب النصارى أن الوحش الأرضي هو النبي الدجّال ( السلطة الدينية من كهنة اليهود أو النصارى أو الوثن بآسيا الصغرى الخادمة لدين الملك أو الوحش البحري). الوحش البحري بمعنى ملك غريب أجنبي بعيد أتى من وراء البحر ( اليونان عند اليهود والروم عند النصارى).  والوحش الأرضي [وَحْشاً آخَرَ خَارِجاً مِنَ الأَرْضِ] بمعنى حاكم عميل أو كاهن ( أو كما نقول علماء السلاطين أو البلاط) يخدم دين الملك الوحش البحري على الأرض المعيّنة التي فيها اليهود أو النصارى ( الأرجح آسيا الصغرى).  فيأمر الناس بعبادة صنم الملك ( القيصر أو الفرعون)  وإقامة طقوس دين الملك ودستوره وقوانينه وعملته وختومه [سفر الرؤيا 13/ 11ثُمَّ رَأَيْتُ وَحْشاً آخَرَ خَارِجاً مِنَ الأَرْضِ، ..  12وَقَدِ اسْتَمَدَّ سُلْطَتَهُ مِنَ الْوَحْشِ الأَوَّلِ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الْبَحْرِ ..  فَجَعَلَ سُكَّانَ الأَرْضِ يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ الأَوَّلِ ....  14 .. وَأَمَرَ سُكَّانَ الأَرْضِ أَنْ يُقِيمُوا تِمْثَالاً لِلْوَحْشِ الأَوَّلِ .. ..  وَأَنْ يَمُدَّ يَدَهُ فَيَقْتُلُ كُلَّ مَنْ يَرْفُضُ السُّجُودَ لِتِمْثَالِ الْوَحْشِ، 16وَأَنْ يَأْمُرَ الْجَمِيعَ، ..  أَنْ يَحْملُوا عَلاَمَةَ عَلَى أَيْدِيهِمِ الْيُمْنَى أَوْ عَلَى جِبَاهِهِمْ، 17فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَلَيْهِ عَلاَمَةُ الْوَحْشِ، أَوِ الرَّقْمُ الَّذِي يَرْمِزُ لاسْمِهِ! ].

وقد قيل أن الإمبراطور ذومطيانش ( دوميتيان) أول من طلب عبادته وألحّ عليها وعاقب. كما كان يطلب أن يُخاطب بعبارة "إلهنا وربنا". وهذا القيصر له معبد ضخم بأفسوس به صنمه بطول 23  قدماً ، وكان أول معبد بأفسوس بآسيا الصغرى لعبادة إمبراطور. وقياصرة الروم منذ عهد يوليوس قيصر قد دأبوا على التألّه كبقية ملوك الشرق القدماء واليونان ( مثلاً الإسكندر سمّى نفسه ابن آمون كسائر ملوك مصر القدماء) . حيث وجد نقش ليوليوس قيصر يُنعت فيه باسم ( تجلّي أو ظهور الإله). وكان له صنم في معبد أكبر آلهة الروم، وصورته كانت تُحمل مع صورة إله الروم ،كما أقر مجلس الشيوخ أن يكون لقيصر صنم وكاهن في كل معابد شرق رومية . وقد ساهم ذلك في اغتياله وبعد موته أُعلن إلهاً رسميا للبلاد وسمّي شهر يوليو باسمه. وخلفه القيصر أغسطس الذي سمّى نفسه ابن الإله ( أي الإله يوليوس قيصر) في الأقاليم خارج روميّة وأقام المعابد والكهنة لعبادته وتقديم القرابين له وبعد موته أعلنه مجلس الشيوخ إلهاً رسمياً للروم وسُمّي شهر أغسطس به. وقد طغت عبادة الإمبراطور الرومي في عهد نيرون وذومطيانش اللذين نكّلا بالنصارى وبطشا بهم بلا رحمة. وكان كثير من القياصرة متألهين ويُنعتون بالإله أو ابنه. وكانوا يأمرون الناس بعبادتهم أو يبطشون بمن أبى.

 

وهناك وحش الهاوية ( يبدو تصويراً آخر للوحش البحري):

 الرؤيا 11/ 7وَعِنْدَمَا يُكْمِلاَنِ شَهَادَتَهُمَا يُعْلِنُ الْوَحْشُ الصَّاعِدُ مِنَ الْهَاوِيَةِ الْحَرْبَ عَلَيْهِمَا، وَيَهْزِمُهُمَا وَيَقْتُلُهُمَا.

ووحش الهاوية لعله يمثّل خليفة أحد القياصرة ( الوحش البحري) ماثله في ظلم النصارى ( القيصر ذومطيانش  كأنه روح القيصر نيرون ، بُعثت من جديد ) أو قد يكون رمزاً لليهود الذين قتلوا المسيح ويوحنا في دين النصارى. فربما قصد به كاتب سفر الرؤيا ظهور الطاغية القيصر ذومطيانش الذي جاء من بعد الطاغية الأول القيصر نيرون . أي كأن الطاغية نيرون (الذي عذّب النصارى) بعد أن مات ، قد خرج ثانية من الجحيم متجسداً في شخص الطاغية ذومطيانش. والنصارى يؤمنون بتناسخ الأرواح كما جاء في الإنجيل من أن إلياس ( إيليا) قد عاد في شخص يحيى (يوحنا المعمدان).متّى 11/14  [فَإِنَّ يُوحَنَّا هَذَا، هُوَ إِيلِيَّا الَّذِي كَانَ رُجُوعُهُ مُنْتَظَراً].

 

 

وهناك الوحش القرمزي ( لعله تشكيل آخر للوحش البحري ):

 [الرؤيا 17/ 3وَحَمَلَنِي الْمَلاَكُ بِالرُّوحِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً رَاكِبَةً عَلَى وَحْشٍ قِرْمِزِيٍّ لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ، وَقَدْ كُتِبَتْ عَلَى جِسْمِهِ كُلِّهِ أَسْمَاءُ تَجْدِيفٍ. 7..  سَأُطْلِعُكَ عَلَى مَا تَرْمِزُ إِلَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالْوَحْشُ الَّذِي يَحْمِلُهَا، ..  8هَذَا الْوَحْشُ كَانَ مَوْجُوداً، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ الآنَ، ..   11أَمَّا الْوَحْشُ الَّذِي كَانَ مَوْجُوداً ثُمَّ أَصْبَحَ غَيْرَ مَوْجُودٍ، فَهُوَ مَلِكٌ ثَامِنٌ ..  12وَأَمَّا الْقُرُونُ الْعَشَرَةُ الَّتِي رَأَيْتَ هِيَ عَشَرَةُ مُلُوكٍ]

وهذا الوحش القرمزي راكبته هي بابل كما جاء بالنص "رؤيا 17/5: وعلى جبينها اسم يرمز إلى بابل العظيمة" . وربما قصدوا به عاصمة الروم لأن بابل عندهم مجرد رمز للمدينة العظيمة الفاسدة. كما رمز اليهود من قبل لأورشلم بسدوم وعمورة [ والخطاب هنا لإسرائيل ويهوذا : إشعيا 1/10اسْمَعُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ يَاحُكَّامَ سَدُومَ. أَصْغُوا إِلَى شَرِيعَةِ إِلَهِنَا يَاأَهْلَ عَمُورَةَ]. وهذا الوحش حسب كتبهم سيحاربه المسيح ( الحَمَل) وسيهزمه : [الرؤيا 17/ 13يَتَّفِقُونَ فِيهَا بِرَأْيٍ وَاحِدٍ أَنْ يُعْطُوا الْوَحْشَ قُوَّتَهُمْ وَسُلْطَتَهُمْ. 14ثُمَّ يُحَارِبُونَ الْحَمَلَ، وَلَكِنَّ الْحَمَلَ يَهْزِمُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، ..].

فنجد أن النصارى قد جعلوا المسيح خروفاً وحملاً ( وحتى الوحش الأرضي جعلوا له قرني خروف). وهذا يُذكّرنا ببعض المسلمين الذين جعلوا الدابة علياً بن أبي طالب أو جعلوها المهدي. فالنصارى يقصدون بهذه الدواب الحيوانية المختلفة الإنسان. وحتى إبليس رمزوا له بالحيّة والتنين والوحش وغيره. 

 

والوحش الشيطاني الخارج من البحر نجد التأثّر به لدى المسلمين [صحيح مسلم : "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَىَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ" ، مسند أحمد: " قال أرى عرشا على الماء أو قال على البحر حوله حيات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك عرش إبليس"].‏ ولا أدري كيف صحح المصححون هذه الأحاديث فجعلوا عرش الشيطان على الماء ، بينما قد كان عرش الله سبحانه على الماء [{وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء } (7) سورة هود]. فجعل عرش إبليس على الماء قول فاسد خبيث ، لا أدري كيف تعامى عنه أهل طريقة الأسانيد.

كما نجد التأثر بالوحش البحري النصراني لدى المسلمين في خرافة الجسّاسة  [قال ابن سيده: هي دابة في جزائر البحر تجس الأخبار وتأتي بها الدجال. وكذا قال أبو داود السجستاني: سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال. وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن وهي بجزيرة ببحر القلزم. حياة الحيوان الكبرى ،الدميري]. فيبدو التأثر بوحش النصارى البحري وعدو المسيح ( إبليس أو المسيح الدجّال الذي بالبحر أيضاً).

 

وسوف يُقبض على الوحش حسب كتب النصارى:

 الرؤيا 19/ 19وَرَأَيْتُ الْوَحْشَ وَمُلُوكَ الأَرْضِ وَجُيُوشَهُمْ وَقَدِ احْتَشَدُوا لِيُحَارِبُوا هَذَا الْفَارِسَ وَجَيْشَهُ. 20فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَعَلَى النَّبِيِّ الدَّجَّالِ الَّذِي قَامَ بِالْمُعْجِزَاتِ فِي حُضُورِ الْوَحْشِ وَأَضَلَّ بِهَا الَّذِينَ قَبِلُوا عَلاَمَةَ الْوَحْشِ، وَسَجَدُوا لِتِمْثَالِهِ. وَطُرِحَ كِلاَهُمَا حَيّاً فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ الْمُتَّقِدَةِ . الرؤيا 20/ 10ثُمَّ يُطْرَحُ إِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضَلِّلُهُمْ، فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الدَّجَّالُ.

فنرى أن أعداء النصارى ثلاثة : التنين والحية ( إبليس الذي يسيطر على الوحشين ) ثم الوحش الكبير ( الوحش البحري أي الروم الذي يسيطر على الوحش الصغير) ثم الوحش الصغير ( الوحش الأرضي أو النبي الكاذب/ المسيح الدجال أي الكاهن الوثني المُعيّن من قبل ملك الروم أو الكاهن الأكبر اليهودي الخاضع لسلطتهم).

 

ولكن ماذا عن اليهود ؟ هل لديهم ذلك الوحش أيضاً؟

وأما اليهود فسيفرحون كذلك كما سيفرح النصارى والمسلمون . لأن الوحش كذلك في كتبهم . بل هو أصل وحش النصارى . ولكن اليهود لم يقصدوا بالوحش ما قصدت النصارى الذين استفادوا من وحش اليهود فزادوا عليه وشكّلوه بما يناسبهم . فاليهود كانوا يقصدون بوحشهم اليونان وملوكهم ودولهم ( ومن سبق اليونان من الدول والملوك كبابل وماذي وفارس) . ثم أعاد النصارى من بعد اليهود  تشكيل وصياغة ذلك الوحش اليهودي ليقصدوا به الروم وملوكهم ودولهم ومن خضع لهم من الكهنة والعمّال منهم أو من الأمم.

[ دانيال 7/ 3وَمَا لَبِثَ أَنْ صَعِدَ مِنَ الْبَحْرِ أَرْبعَةُ حَيَوَانَاتٍ عَظِيمَةٍ .. 4فَكَانَ الأَوَّلُ كَالأَسَدِ بِجَنَاحَيْنِ كَجَنَاحَيِ النَّسْرِ. وَبَقِيتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى اقْتُلِعَ جَنَاحَاهُ، وَانْتَصَبَ عَلَى الأَرْضِ وَاقِفاً عَلَى رِجْلَيْنِ كَإِنْسَانٍ، وَأُعْطِيَ عَقْلَ إِنْسَانٍ. 5وَرَأَيْتُ حَيَوَاناً آخَرَ شَبِيهاً بِالدُّبِّ، .. 6ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْدَ هَذَا حَيَوَاناً آخَرَ مِثْلَ النَّمِرِ، لَهُ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ كَأَجْنِحَةِ الطَّائِرِ، وَكَانَ لِهَذَا الْحَيَوَانِ أَرْبَعَةُ رُؤُوسٍ، ..  7وَشَهِدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا بِحَيَوَانٍ رَابِعٍ هَائِلٍ وَقَوِيٍّ وَشَدِيدٍ جِدّاً، ذِي أَسْنَانٍ ضَخْمَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، افْتَرَسَ وَسَحَقَ وَدَاسَ مَا تَبَقَّى بِرِجْلَيْهِ. وَكَانَ يَخْتَلِفُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ وَلَهُ عَشَرَةُ قُرُونٍ. 8وَفِيمَا كُنْتُ أَتَأَمَّلُ الْقُرُونَ إِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ نَبَتَ بَيْنَهَا، وَاقْتُلِعَتْ ثَلاَثَةُ قُرُونٍ مِنْ أَمَامِهِ، وَكَانَ فِي هَذَا الْقَرْنِ عُيُونٌ كَعُيُونِ الإِنْسَانِ وَفَمٌ يَنْطِقُ بِعَظَائِمَ. ..  11وَبَقَيتُ أُرَاقِبُ الْقَرْنَ مِنْ جَرَّاءِ مَا تَفَوَّهَ بِهِ مِنْ عَظَائِمَ، حَتَّى قُتِلَ الْحَيَوَانُ وَتَلِفَ جِسْمُهُ وَطُرِحَ وَقُوداً لِلنَّارِ. 12أَمَّا سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ فَقَدْ جُرِّدَتْ مِنْ سُلْطَانِهَا، .. 20 هَذَا الْقَرْنُ ذُو الْعُيُونِ النَّاطِقُ بِالْعَظَائِمِ ..]. وربما تأثّر المفسرون بوحش اليهود [ الدر المنثور: .. وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، ..]. واليهود ليسوا أول من ابتكر هذه الوحوش الخرافية فقد سبقتهم الأمم الأولى من قبلهم كمصر وغيرها. فقد كانت مصر القديمة ترسم آلهتها بأشكال رمزية عجيبة تخلط الشكل البشري مع الحيواني في كائن واحد ( الرأس لطير أو دابّة والجسم لإنسان).وأشهر وحش خرافي مازال قائماً حتى اليوم هو أبو الهول المصري ( أسد رابض برأس إنسان) والذي يعود لنحو 2600 ق.م . وهذه بعض صور أثرية لدواب خرافية مصرية قديمة ( وجدت مرسومة بمقابر بني حسن وترجع لزمن الأسرة 12 نحو 1990-1786 ق.م) امتزجت في الكائن الواحد مخلوقات متنوعة ( من كتاب آلهة المصريين ،ولس بج ،ترجمة محمد حسين يونس، ص: 86-87 ) .

كما نجد رسوماً عراقية تعود لنحو 2600 ق.م تصور مخلوقات خرافية كعقرب برأس وأطراف إنسان وثيران برؤوس بشرية ( من كتاب Gardner's Art through the Ages ، ص 46). فنجد أن هذا الوحش اليهودي ( أو الوحوش البحرية) تتكلم وتعقل [وَأُعْطِيَ عَقْلَ إِنْسَانٍ، كَعُيُونِ الإِنْسَانِ وَفَمٌ يَنْطِقُ، مَا تَفَوَّهَ بِهِ .. هَذَا الْقَرْنُ ذُو الْعُيُونِ النَّاطِقُ بِالْعَظَائِمِ]. وقد فسّر السفر اليهودي نفسه ما هو المقصود بتلك التصاوير والرموز الحيوانية [ دانيال 7/ 17«هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ الأَرْبَعَةُ الْعَظِيمَةُ هِيَ أَرْبَعَةُ مُلُوكٍ يَظْهَرُونَ عَلَى الأَرْضِ. 19حِينَئِذٍ أَرَدْتُ أَنْ أَطَّلِعَ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَيَوَانِ الرَّابِعِ ..  23فَأَجَابَ: إِنَّ الْحَيَوَانَ الرَّابِعَ هُوَ رَمْزٌ لِلْمَمْلَكَةِ الرَّابِعَةِ عَلَى الأَرْضِ، .. 24أَمَّا الْقُرُونُ الْعَشَرَةُ مِنْ هَذِهِ الْمَمْلَكَةِ فَهِيَ عَشَرَةُ مُلُوكٍ يَتَوَلَّوْنَهَا، ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَهُمْ مَلِكٌ آخَرُ.. ]. فنجد أن الحيوانات رموز لملوك ثم لممالك ( الأول بابل والثاني ماذي والثالث فارس والرابع اليونان) ثم نجد القرون رموز لملوك ، والقرن لملك ( وهم يريدون الملك اليوناني السلوقي الملك انطاكيوس الرابع الذي اضطهد اليهود قبيل مجيء المسيح).

 

وهنا يرمز السفر للإسكندر ( ملك اليونان) أو لجيشه ومملكته ( تيس المغرب/الغرب ذي القرن الواحد) الذي هزم ملك فارس ( الكبش ذا القرنين) [ دانيال 8/ 3فَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ وَإِذَا بِي أَرَى كَبْشاً وَاقِفاً عِنْدَ النَّهْرِ، وَلَهُ قَرْنَانِ طَوِيلاَنِ. إِنَّمَا أَحَدُهُمَا أَطْوَلُ مِنَ الآخَرِ، مَعَ أَنَّ الأَطْوَلَ نَبَتَ بَعْدَ الأَوَّلِ. 4وَرَأَيْتُ الْكَبْشَ يَنْطَحُ غَرْباً وَشِمَالاً وَجَنُوباً، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْرُؤَ أَيُّ حَيَوَانٍ عَلَى مُقَاوَمَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مُنْقِذٍ مِنْهُ، فَفَعَلَ كَمَا يَحْلُو لَهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ 5وَبَيْنَمَا كُنْتُ مُتَأَمِّلاً، أَقْبَلَ تَيْسٌ مِنَ الْمَغْرِبِ عَبَرَ كُلَّ الأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهَا. وَكَانَ لِلتَّيْسِ قَرْنٌ بَارِزٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. 6وَانْدَفَعَ بِكُلِّ شِدَّةِ قُوَّتِهِ نَحْوَ الْكَبْشِ ذِي الْقَرْنَيْنِ الَّذِي رَأَيْتُهُ وَاقِفاً عِنْدَ النَّهْرِ. 7وَمَا إِنْ وَصَلَ إِلَيْهِ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ وَضَرَبَهُ وَحَطَّمَ قَرْنَيْهِ، فَعَجَزَ الْكَبْشُ عَنْ صَدِّهِ. وَطَرَحَهُ التَّيْسُ عَلَى الأَرْضِ وَدَاسَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْكَبْشِ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ يَدِهِ. 8فَعَظُمَ شَأْنُ التَّيْسِ..] .

وقد فسّره السفر [ دانيال 8/ 20إِنَّ الْكَبْشَ ذَا الْقَرْنَيْنِ الَّذِي رَأَيْتَهُ هُوَ مُلُوكُ مَادِي وَفَارِسَ. 21وَالتَّيْسَ الأَشْعَرَ هُوَ مَلِكُ الْيُونَانِ، وَالْقَرْنَ الْعَظِيمَ النَّابِتَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ هُوَ الْمَلِكُ الأَوَّلُ].

وقد عُرف أحد الملوك القدماء حقاً باسم ذي القرنين كما أكّد ذلك القرآن العظيم . وهو على الأرجح ملك فارس قورش العظيم الذي قهر الشرق والغرب وكوّن مملكة فارس التي لم يسبق للبشرية قبلها أن شهدت دولة أضخم منها. وتسميته بذي القرنين إما لتوحيده لمملكتي ماذي وفارس فكأنه جمع قرنين ( قرن ماذي وقرن فارس) . أو لتوحيده وفتحه لممالك المشرق والمغرب وهو الأرجح ( أي أنه بلغ بفتوحاته العسكرية قرني الشمس شرقها وغربها) وضمّها في مملكة واحدة عظيمة لم يعرف الناس أوسع منها من قبل. [{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ } (86) سورة الكهف]،[ {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ } (90) سورة الكهف]. فلا أحد قبل قورش الفارسي حاز على قرني الشمس ( الشرق والغرب) فكان حقّاً يستحق لقب ذي القرنين،وثم من بعده قلدته الملوك كالإسكندر المقدوني ( الذي كان تاجه بقرنين أسوة بقورش من قبله) وغيره.

 

كما جاء بسفر دانيال أن الملك البابلي العظيم نبختنصر قد مُسخ إلى وحش يأكل التبن في البرية لبضع سنوات [دانيال 4/وَأَوْثِقُوهُ بَقَيْدٍ مِنْ حَدِيدٍ وَنُحَاسٍ فِي وَسَطِ عُشْبِ الْحَقْلِ، لِيَبْتَلَّ بِنَدَى السَّمَاءِ، وَلْيَكُنْ طَعَامُهُ مِنْ عُشْبِ الْحَقْلِ مَعَ الْبَهَائِمِ. 16وَلْيَتَحَوَّلْ عَقْلُهُ مِنْ عَقْلِ إِنْسَانٍ إِلَى عَقْلِ حَيَوَانٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ].

 

هذا ما عند كل فريق . فاليهود نحو القرن الثاني قبل الميلاد قد ابتدعوا حكاية الوحش العجيب لأنهم لم يردوا التصريح بأنه الملك الفلاني ( أحد ملوك اليونان السلوقيين وهو الملك اليوناني انطاكيوس الرابع الذي حكم نحو : 168- 164 ق.م) الذي كان يضطهدهم بلا رحمة. أو ربما وجد الكاتب اليهودي أن الطريقة الرمزية أبلغ وأيسر في التعبير ، كما نرى في مؤلفات المسلمين ككتاب كليلة ودمنة مثلاً . فلعل استخدام التمثيل بالحيوان أسهل وأبسط من التصريح الحقيقي بالأسماء . أو قد يكون هذا من قبيل الرؤى كما في رؤى يوسف عليه السلام والملك المصري [ {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} (4) سورة يوسف]، [{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ } (43) سورة يوسف]. فلا تؤخذ التصاوير التي بالرؤى على الحقيقة. فالكاتب اليهودي بسفر دانيال وغيره اقتبس أسلوب قصة يوسف الحقّة فتأفّك رؤى زيّفها من عنده محاكياً قصة يوسف عليه السلام فافتعل رؤى الملك البابلي مقلداً رؤى ملك مصر من قبل ثم قام دانيال بتأفّك تفسير تلك الرؤى مقلداً دور يوسف عليه السلام [دانيال 1/17 وَكَانَ دَانِيآلُ فَطِناً فِي تَفْسِيرِ جَمِيعِ الرُّؤَى وَالأَحْلاَمِ/دانيال 2: 48ثُمَّ عَظَّمَ الْمَلِكُ دَانِيآلَ .. وَسَلَّطَهُ عَلَى كُلِّ وِلاَيَةِ بَابِلَ، وَأَقَامَهُ رَئِيساً عَلَى كُلِّ حُكَمَاءِ بَابِلَ وَوُلاَتِهَا. ]. فمن يقرأ سفر دانيال يلاحظ الاقتباس الواضح من قصة يوسف. ومن بعد اليهود قلدهم النصارى بسفر الرؤيا.

وقد كان مقصد اليهود بوحشهم غير مقصد النصارى فيما بعد . فاليهود كانوا يقصدون بالوحش الأخطر هو ذلك الملك اليوناني السلوقي الذي كان يفتك باليهود في القرن الثاني الميلادي واسمه انطاكيوس الرابع [ دانيال 11/36وَيَصْنَعُ الْمَلِكُ مَا يَطِيبُ لَهُ، وَيَتَعَظَّمُ عَلَى كُلِّ إِلَهٍ، وَيُجَدِّفُ بِالْعَظَائِمِ عَلَى إِلَهِ الآلِهَةِ، وَيُفْلِحُ، إِلَى أَنْ يَحِينَ اكْتِمَالُ الْغَضَبِ إِذْ لاَبُدَّ أَنْ يَتِمَّ مَا قَضَى اللهُ بِهِ]. ولعل ربط رواة الحديث الدابة أو إبليس ( الوحش عند اليهود) بأنطاكية ( التي أسسها سلوق اليونان وكانت قصبة مملكتهم) متأثر بذلك وخلط فيه [مجمع الزوائد: "ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا فأول خطوة تضعها بأنطاكية فتأتي إبليس فتلطمه"].

ولما جاء النصارى اضطهدهم الروم ،فدأبت النصارى دأب اليهود. فاستفادوا من كتاب دانيال اليهودي ( الذي أُلّف في القرن الثاني قبل الميلاد ولكن نُسب للقرن السادس قبله) ، فابتدعوا أي النصارى سفر الرؤيا (أُلّف بعد دمار أورشلم ،فقيل بعد سنة 70 م  وقيل بعد سنة 96 م) وشكّلوا فيه وحوشهم [ ملوك الروم وربما بشكل خاص القيصر نيرون ( حكم 54 – 68م) وربما قائده طيطوس ( أصبح قيصراً خلال 79-81م) الذي دمّر أورشلم سنة 70م وقتل من اليهود ما يزيد على المئة ألف و مثلهم ساقه للأسر ( رؤيا 13: 10 من كتب عليه أن يساق إلى الأسر فإلى الأسر يساق ومن كتب عليه أن يقتل بالسيف فبالسيف يقتل .هنا صبر القديسين وإيمانهم)،والعبارة مستعارة من سفر إرميا اليهودي] . وأسرفوا في التصوير الرمزي سواء بالحيوان أو الطبيعة في الإشارة للمسيح والعذاب والأعداء من ملوك وشعوب وشياطين وغيرها.

فسفر الرؤيا النصراني بشكل عام مجرد نقل سافر مفضوح من سفر دانيال اليهودي . بل أن النصارى تعتقد أن كاتب سفر الرؤيا يوحنا قد كبّه القيصر في النار أو الحميم لكنه نجا من ذلك بمعجزة . وطبعاً هذا يفضح النقل أكثر ، حيث أن دانيال اليهودي من قبل قد سبق يوحنا النصراني في تأليف هذه القصة ( زعم دانيال أنه قُذف به في النار فنجا) التي لم تقع حقاً إلا مع أبي المسلمين إبراهيم عليه السلام. وهذا السفر النصراني ( سفر الرؤيا) ارتاب فيه الكثير من النصارى والكنائس قديماً حيث لم يعترف به أحد مجامع الكنائس الأولى ضمن أسفار العهد الجديد ( لم يرد ذكر سفر الرؤيا ضمن أسفار العهد الجديد حسب ذلك المجمع)  كما تكلّم فيه كثير من علماء النصارى رفضاً أو ريبة. وظلّت العديد من الفهارس الرسمية للكتب القانونية لدى النصارى لا تتضمن سفر الرؤيا حتى القرن التاسع الميلادي.

فسفر الرؤيا كله رموز حيوانية كان القصد منها التصوير والتبسيط وربما الإثارة والتشويق وربما الخوف من بطش ملوك الروم ( الوحش البحري الأكبر) وعبيدهم اليهود أو الكهنة أو الحكّام ( الوحش البري الأصغر) فأعرضوا عن التصريح. لذا لا تؤخذ عندهم تلك الرموز الحيوانية على حقيقتها ولا أظن أحداً منهم قال بأنها حيوانات حقيقية. بل جميعهم متفقون أنها مجرد تصاوير ورموز لشخصيات بشرية . حتى باعتراف سفر الرؤيا نفسه والكتاب المقدس عموماً. فهي تصاوير رؤى حتى أن السفر النصراني نفسه اسمه الرؤيا ( ومثله رؤى دانيال بسفره) .

وهذا توضيحات للإسراف الرمزي في كتب اليهود والنصارى:

* رؤيا 4/ 6 ..  وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَهُ أَرْبَعَةُ كَائِنَاتٍ تَكْسُوهَا عُيُونٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الأَمَامِ وَمِنَ الْخَلْفِ: 7الْكَائِنُ الأَوَّلُ يُشْبِهُ الأَسَدَ، وَالثَّانِي يُشْبِهُ الْعِجْلَ، وَالثَّالِثُ لَهُ وَجْهٌ مِثْلُ وَجْهِ إِنْسَانٍ. أَمَّا الْكَائِنُ الرَّابِعُ فَيُشْبِهُ النَّسْرَ الطَّائِرَ. 8 ..  وَهَذِهِ الْكَائِنَاتُ الْحَيَّةُ الأَرْبَعَةُ ..  

وطبعاً هذه رموز خرافية ( قد تكون للملائكة) أخذها النصارى من اليهود كعادتهم كما نجد في سفر حزقيال اليهودي 1/: 3أَوْحَى الرَّبُّ إِلَى حِزْقِيَالَ الْكَاهِنِ ..  5وَمِنْ دَاخِلِهَا بَدَا شِبْهُ أَرْبَعَةِ كَائِنَاتٍ حَيَّةٍ تُمَاثِلُ فِي صُوَرِهَا شِبْهَ إِنْسَانٍ، 6وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ وَأَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ. 7وَكَانَتْ سِيقَانُهَا مُسْتَقِيمَةً، وَأَقْدَامُهَا مُشَابِهَةً لأَقْدَامِ الْعِجْلِ... 8وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهَا الْقَائِمَةِ عَلَى جَوَانِبِهَا الأَرْبَعَةِ، أَيْدِي بَشَرٍ، وَكَانَ لِكُلِّ كَائِنٍ مِنْ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ الأَرْبَعَةِ أَجْنِحَةٌ وَأَوْجُهٌ. 9وَكَانَتْ أَجْنِحَتُهَا تَتَلاَمَسُ.. . 10أَمَّا أَشْكَالُ أَوْجُهِهَا، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَجْهُ إِنْسَانٍ، يُحَاذِيهِ إِلَى الْيَمِينِ وَجْهُ أَسَدٍ، وَإِلَى الشِّمَالِ وَجْهُ ثَوْرٍ، ثُمَّ إِلَى جُوَارِهِ وَجْهُ نَسْرٍ.. . 26وَانْتَصَبَ فَوْقَ الْجَلَدِ الْمُنْبَسِطِ عَلَى رُؤُوسِهَا شِبْهُ عَرْشٍ، ..  وَيَجْلِسُ عَلَى شِبْهِ العَرْشِ مِنْ فَوْقُ مَنْ هُوَ كَشِبْهِ إِنْسَانٍ. 2 28وَكَانَ مَنْظَرُ اللَّمَعَانِ الْمُحِيطِ بِهِ كَمَنْظَرِ قَوْسِ قُزَحٍ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ؛ هَكَذَا كَانَ مَنْظَرُ شِبْهِ مَجْدِ الرَّبِّ

وقد تسرّبت للأسف أشباه هذه الخزعبلات للحديث [الدر المنثور للسيوطي: وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن أبي عاصم في السنة وأبو يعلى وابن خزيمة في التوحيد وابن أبي حاتم وأبو أحمد والحاكم في الكنى والطبراني في الكبير وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه واللالكائي في السنة والبيهقي في الأسماء والصفات عن العباس بن عبد المطلب قال "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: بينهما مسيرة خمسمائة عام، ومن مسيرة سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، وكثف كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر. بين أعلاه وأسفله كما بين السماء وأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين وركهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه ما بين السماء والأرض، والله سبحانه وتعالى علمه فوق ذلك، وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء"]. وقد فُسّرت الأوعال بالملائكة [وفي الحديث في تفسير قولهِ: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17]، قيل: ثمانيةُ أَوْعالٍ أي: ملائكة على صورة الأَوْعالِ] تماماً كما قصدت أسفار اليهود. وهكذا اختلط الحق بالباطل فجعلنا الملائكة الحاملة للعرش بصورة  الأوعال وأظلافها (حزقيال:وَأَقْدَامُهَا مُشَابِهَةً لأَقْدَامِ الْعِجْل ) وبصورة العجول والأسود والثيران والنسور. وتأثر الرواة واضح بخلط اليهود [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي:وعن النبي صلى الله عليه وسلم (أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة آخرين فكانوا ثمانية). ذكره الثعلبي. وخرجه الماوردي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحمله اليوم أربعة وهم يوم القيامة ثمانية). وقال العباس بن عبدالملك: هم ثمانية أملاك على صورة الأوعال. ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث (إن لكل ملك منهم أربعة أوجه وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس)].
 

* في سفر الرؤيا النصراني يُصوّر المسيح بصورة الحَمَل [ رؤيا 5/ 6وَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُ فِي الْوَسَطِ بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالشُّيُوخِ حَمَلاً يَظْهَرُ كَأَنَّهُ كَانَ قَدْ ذُبِحَ. وَكَانَتْ لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ، وَسَبْعُ أَعْيُنٍ تُمَثِّلُ أَرْوَاحَ اللهِ السَّبْعَةَ الَّتِي أُرْسِلَتْ إِلَى الأَرْضِ كُلِّهَا. 8فَسَجَدَ الشُّيُوخُ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ وَالْكَائِنَاتُ الْحَيَّةُ الأَرْبَعَةُ أَمَامَ الْحَمَلِ، ..  12وَهُمْ يَهْتِفُونَ بِصَوْتٍ عَالٍ: «مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْحَمَلُ الْمَذْبُوحُ ..   13 ..  لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْحَمَلِ، ..] .

فنجد أن المسيح رمزه الحمل وأرواح الله رمزها سبع أعين. كما صور المسيح بصورة الأسد [ رؤيا 5/ 5وَلَكِنَّ شَيْخاً مِنَ الشُّيُوخِ قَالَ لِي: «لاَ تَبْكِ! قَدِ انْتَصَرَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، الَّذِي هُوَ أَصْلُ دَاوُدَ، ..]. وهذا بتأثير اليهود الذي رمزوا ليهوذا بالأسد .

 

* الخيول الملوّنة :

رؤيا 6/ وَرَأَيْتُ الْحَمَلَ ..  وَسَمِعْتُ وَاحِداً مِنَ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ الأَرْبَعَةِ يُنَادِي ..  2فَنَظَرْتُ وَإِذَا أَمَامِي حِصَانٌ أَبْيَضُ، .. 4فَخَرَجَ حِصَانٌ أَحْمَرُ، ..  5 ...  فَرَأَيْتُ حِصَاناً أَسْوَدَ، ..  8فَرَأَيْتُ حِصَاناً لَوْنُهُ أَخْضَرُ «بَاهِتُ اللَّوْنِ»، اسْمُ رَاكِبِهِ «الْمَوْتُ» يَتْبَعُهُ حِصَانٌ آخَرُ اسْمُ رَاكِبِهِ «الْهَاوِيَةُ»، ..  13وَسَقَطَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ عَلَى الأَرْضِ كَمَا تَطْرَحُ شَجَرَةُ التِّينِ ثِمَارَهَا الْفَجَّةَ، ..     16 ..  وَأَخْفِينَا مِنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَمِنْ غَضَبِ الْحَمَلِ!» .

وكل هذا مجرد تمثيل ورموز وتصوير بشكل صور حيوانات أو صور من الطبيعة لأشخاص وشعوب. فالحمل أو الخروف رمز المسيح ( لأنه ذُبح قرباناً للناس عندهم) والكائنات الأربعة قد تكون رموز ملائكة ( كما جاء بالسفر اليهودي حزقيال) ، والخيول الملوّنة منقولة من سفر زكريا اليهودي وكانت في الأصل ترمز لملائكة وأرواح تطوف أرجاء الأرض أو عذاب مرسل لجميع الناس وألوانها تدل على جهاتها [زكريا 1/  7 .. أَوْحَى الرَّبُّ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ إِلَى النَّبِيِّ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا بْنِ عِدُّو قَائِلاً: 8«شَاهَدْتُ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ وَإِذَا بِرَجُلٍ يَمْتَطِي فَرَساً أَحْمَرَ اللَّوْنِ ..  وَخَلْفَهُ رِجَالٌ رَاكِبُونَ عَلَى خَيْلٍ حُمْرٍ وَشُقْرٍ وَبِيضٍ. .. 10قَالَ الْفَارِسُ الْوَاقِفُ بَيْنَ الآسِ: «هَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَوْفَدَهُمُ الرَّبُّ لِيَجُولُوا فِي الأَرْضِ». زكريا 6/ 2وَكَانَتْ تَجُرُّ الْمَرْكَبَةَ الأُولَى جِيَادٌ حُمْرٌ، وَالْمَرْكَبَةَ الثَّانِيَةَ جِيَادٌ سُودٌ، 3وَالْمَرْكَبَةَ الثَّالِثَةَ جِيَادٌ بِيضٌ، وَالْمَرْكَبَةَ الرَّابِعَةَ جِيَادٌ مُرَقَّطَةٌ. 4فَسَأَلْتُ الْمَلاَكَ الَّذِي كَلَّمَنِي: «مَا هَذِهِ يَاسَيِّدِي؟» 5فَأَجَابَنِي: «هَذِهِ أَرْوَاحُ السَّمَاءِ الأَرْبَعَةُ خَارِجَةٌ بَعْدَ مُثُولِهَا فِي حَضْرَةِ رَبِّ الأَرْضِ كُلِّهَا. 6فَالْمَرْكَبَةُ الَّتِي تَجُرُّهَا الْجِيَادُ السُّودُ تَتَوَجَّهُ نَحْوَ بِلاَدِ الشِّمَالِ، وَالْمَرْكَبَةُ الَّتِي تَجُرُّهَا الْجِيَادُ الْبَيْضَاءُ تَتْبَعُهَا إِلَى هُنَاكَ، أَمَّا الْمَرْكَبَةُ ذَاتُ الْجِيَادِ الْمُرَقَّطَةِ فَمُتَّجِهَةٌ نَحْوَ أَرْضِ الْجَنُوبِ. 7أَمَّا الْجِيَادُ الْقَوِيَّةُ الْحَمْرَاءُ فَهِيَ مُتَلَهِّفَةٌ لِلتَّجْوَالِ فِي الأَرْضِ] ، ونجوم السماء ترمز لليهود ( هداة الأمم ونورها وصفوتها كما يحسبون أنفسهم) و ملوك وأمراء الدول المجاورة عموماً كما في سفر دانيال اليهودي حيث أسقطها أو أهانها وداسها الملك السلوقي انطاكيوس الرابع وملوك اليونان عموماً [دانيال 8/ 9وَنَمَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا قَرْنٌ صَغِيرٌ ..  10وَبَلَغَ مِنْ عَظَمَتِهِ أَنَّهُ تَطَاوَلَ عَلَى مُلُوكِ الأَرْضِ وَقَضَى عَلَى بَعْضِهِمْ وَدَاسَ عَلَيْهِمْ، 11وَتَحَدَّى حَتَّى رَئِيسِ الْجُنْدِ (أَيِ اللهِ)، وَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ، ..] . فهذا القرن هو مجرد رمز للملك اليوناني انطاكيوس وقد فسّره السفر نفسه : [دانيال 8/ 23وَفِي أَوَاخِرِ مُلْكِهِمْ عِنْدَمَا تَبْلُغُ الْمَعَاصِي أَقْصَى مَدَاهَا، يَقُومُ مَلِكٌ فَظٌّ حَاذِقٌ دَاهِيَةٌ، 24فَيَعْظُمُ شَأْنُهُ، إِنَّمَا لَيْسَ بِفَضْلِ قُوَّتِهِ. وَيُسَبِّبُ دَمَاراً رَهِيباً وَيُفْلِحُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الأَقْوِيَاءِ، وَيَقْهَرُ شَعْبَ اللهِ. 25وَبِدَهَائِهِ وَمَكْرِهِ يُحَقِّقُ مَآرِبَهُ، وَيَتَكَبَّرُ فِي قَلْبِهِ وَيُهْلِكُ الْكَثِيرِينَ وَهُمْ فِي طُمَأْنِينَةٍ، وَيَتَمَرَّدُ عَلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ لَكِنَّهُ يَتَحَطَّمُ بِغَيْرِ يَدِ الإِنْسَانِ]، وشجرة التين رمز لليهود كما جاء في كتبهم.

 

* النسر الطائر: [ رؤيا 8/ 13ثُمَّ نَظَرْتُ فَرَأَيْتُ نَسْراً يَطِيرُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ وَسَمِعْتُهُ يَصِيحُ بِصَوْتٍ عَالٍ: «الْوَيْلُ الْوَيْلُ الْوَيْلُ لِسُكَّانِ الأَرْضِ .. ].

 

* الجراد العجيب والخيول بأذناب الأفاعي : [ رؤيا 9/ وَلَمَّا نَفَخَ الْمَلاَكُ الْخَامِسُ فِي بُوقِهِ، رَأَيْتُ نَجْماً قَدْ هَوَى مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَأُعْطِيَ مِفْتَاحَ الْهَاوِيَةِ السَّحِيقَةِ. 2فَلَمَّا فَتَحَهَا انْدَفَعَ الدُّخَانُ كَأَنَّهُ مِنْ أَتُونٍ عَظِيمٍ، فَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَالْجَوُّ مِنْ هَذَا الدُّخَانِ. 3وَطَلَعَ مِنَ الدُّخَانِ جَرَادٌ عَلَى الأَرْضِ، وَأُعْطِيَ سُلْطَةً أَنْ يَلْسَعَ كَالْعَقَارِبِ، 4وَأُمِرَ أَلاَّ يَضُرَّ عُشْبَ الأَرْضِ وَلاَ مَزْرُوعَاتِهَا وَلاَ أَشْجَارَهَا بَلْ فَقَطْ جَمِيعَ مَنْ لَيْسَ عَلَى جِبَاهِهِمْ خَتْمُ اللهِ، 5فَيُعَذِّبُهُمْ دُونَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ، مُدَّةَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ. وَالأَلَمُ الَّذِي يُسَبِّبُهُ يُشْبِهُ أَلَمَ لَدْغَةِ الْعَقْرَبِ. 6وَفِي أَثْنَاءِ تِلْكَ الشُّهُورِ يُحَاوِلُ النَّاسُ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ حَيَاتِهِمْ فَلاَ يَقْدِرُونَ! وَيَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَمُوتُوا، لَكِنَّ الْمَوْتَ يَهْرُبُ مِنْهُمْ. 7وَيَبْدُو هَذَا الْجَرَادُ كَأَنَّهُ خَيْلٌ مُجَهَّزَةٌ لِلْقِتَالِ، عَلَى رُؤُوسِهِ مَا يُشْبِهُ أَكَالِيلَ الذَّهَبِ، وَوُجُوهُهُ كَوُجُوهِ الْبَشَرِ، 8وَلَهُ شَعْرٌ طَوِيلٌ كَشَعْرِ النِّسَاءِ، وَأَسْنَانُهُ كَأَسْنَانِ الأُسُودِ، 9وَصُدُورُهُ كَدُرُوعٍ حَدِيدِيَّةٍ، وَحَفِيفُ أَجْنِحَتِهِ كَضَجِيجِ مَرْكَبَاتِ خَيْلٍ تَجْرِي إِلَى الْقِتَالِ، 10وَأَذْنَابُهُ ذَاتُ إِبَرٍ كَالْعَقَارِبِ. وَلَهُ سُلْطَةٌ أَنْ يُؤْذِيَ الْبَشَرَ بِأَذْنَابِهِ مُدَّةَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ.   17وَرَ أَيْتُ فِي الرُّؤْيَا الْخُيُولَ ..  وَكَانَتْ رُؤُوسُ الْخَيْلِ مِثْلَ رُؤُوسِ الأُسُودِ، تَلْفُظُ مِنْ أَفْوَاهِهَا نَاراً وَدُخَاناً وَكِبْرِيتاً. 19وَكَانَتْ قُوَّةُ الْخَيْلِ الْقَاتِلَةُ تَكْمُنُ فِي أَفْوَاهِهَا وَفِي أَذْنَابِهَا أَيْضاً، لأَنَّ أَذْنَابَهَا تُشْبِهُ الْحَيَّاتِ ذَاتَ الرُّؤُوسِ الْمُؤْذِيَةِ!]. فنجد أن آية الدخان [{فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} (10) {يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (11) سورة الدخان] إن لم يكن قد مضى ( وهذا ضعيف) أو لم يكن المقصود بالدخان قيام الساعة  ،فحتى هذه الآية سيقول أهل الكتاب فيها أن سفر الرؤيا قد أخبر عنها ( رغم أن دخانهم من الأرض أو البراكين بسبب سقوط نجم واختراقه أو فتحه للأرض، بينما دخان القرآن يأتي من السماء).

 

* الوحش يقتل الشاهدين ( الزيتونتين والمنارتين) : [ رؤيا 11/  4هَذَانِ الشَّاهِدَانِ هُمَا شَجَرَتَا الزَّيْتُونِ وَالْمَنَارَتَانِ الْقَائِمَتَانِ أَمَامَ رَبِّ الأَرْضِ. ..  7وَعِنْدَمَا يُكْمِلاَنِ شَهَادَتَهُمَا يُعْلِنُ الْوَحْشُ الصَّاعِدُ مِنَ الْهَاوِيَةِ الْحَرْبَ عَلَيْهِمَا، وَيَهْزِمُهُمَا وَيَقْتُلُهُمَا 8وَتَبْقَى جُثَّتَاهُمَا مَطْرُوحَتَيْنِ ..  10وَيَشْمَتُ بِهِمَا أَهْلُ الأَرْضِ، ..  لأَنَّ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ ..     11 ..  يَبْعَثُ اللهُ فِي النَّبِيَّيْنِ رُوحَ الْحَيَاةِ، فَيَنْهَضَانِ وَاقِفَيْنِ، ..  ]. ولعل المقصود بهما التوراة والإنجيل عموماً أو موسى وهارون أو موسى وإيليا ( إلياس) أو المسيح ابن مريم ويوحنا ( يحيى بن زكريا عليهما السلام  وقد جعله النصارى روح إلياس) اللذين يعتقد أهل الكتاب قتلهما. هذا عند النصارى، أما اليهود فلهم فكر آخر قريب ( وهو الأصل للكتابات النصرانية التي حرّفته لما يؤامها) .

 

* المرأة المجنّحة ( بجناحي نسر) في السماء وشمسها ونجومها ( رمز مريم أم المسيح أو الكنيسة أو أورشليم من قبل عند اليهود ، ونجومها أسباط بني إسرائيل أو النصارى) والتنين والحية ( إبليس) : [ رؤيا 12/ وَظَهَرَتْ فِي السَّمَاءِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ: امْرَأَةٌ لاَبِسَةٌ الشَّمْسَ، وَالْقَمَرُ تَحْتَ قَدَمَيْهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا تَاجٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ نَجْماً. 3وَظَهَرَتْ فِي السَّمَاءِ آيَةٌ أُخْرَى: تِنِّينٌ عَظِيمٌ أَحْمَرُ لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ، عَلَى كُلٍّ مِنْهَا تَاجٌ، وَلَهُ عَشَرَةُ قُرُونٍ، 4فَسَحَبَ بِذَيْلِهِ ثُلْثَ نُجُومِ السَّمَاءِ وَأَلْقَاهَا إِلَى الأَرْضِ. ثُمَّ وَقَفَ التِّنِّينُ أَمَامَ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَلِدُ، لِيَبْتَلِعَ طِفْلَهَا بَعْدَ أَنْ تَلِدَهُ! ..  8وَحَارَبَ التِّنِّينُ وَمَلاَئِكَتُهُ، لَكِنَّهُمُ انْهَزَمُوا وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَكَانٌ فِي السَّمَاءِ، 9إِذْ طُرِحُوا إِلَى الأَرْضِ. هَذَا التِّنِّينُ الْعَظِيمُ هُوَ الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ، وَيُسَمَّى إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ ..   13وَعِنْدَمَا وَجَدَ التِّنِّينُ ..  14فَأُعْطِيَتِ الْمَرْأَةُ جَنَاحَيِ النَّسْرِ الْعَظِيمِ، لِتَطِيرَ بِهِمَا إِلَى الْبَرِّ يَّةِ، ..  حَيْثُ تُعَالُ بِمَأْمَنٍ مِنَ الْحَيَّةِ، ..  15وَأَخْرَجَتِ الْحَيَّةُ مِنْ جَوْفِهَا خَلْفَ الْمَرْأَةِ مَا يُشْبِهُ النَّهْرَ لِتُغْرِقَهَا فِيهِ، 16وَلكِنَّ الأَرْضَ ..  فَفَتَحَتْ فَمَهَا وَابْتَلَعَتِ النَّهْرَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّنِّينُ مِنْ فَمِهِ! 17فَاغْتَاظَ التِّنِّينُ ..].

 

* تصوير العذاب بمنجل الحصاد والناس بالكرم والعنب : [ رؤيا 14/17ثُمَّ خَرَجَ مَلاَكٌ آخَرُ مِنَ الْهَيْكَلِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، وَمَعَهُ أَيْضاً مِنْجَلٌ حَادٌّ. 18 .. «أَرْسِلْ مِنْجَلَكَ الْحَادَّ وَاقْطِفْ عَنَاقِيدَ كَرْمِ الأَرْضِ لأَنَّ عِنَبَهَا قَدْ نَضِجَ». 19فَأَلْقَى الْمَلاَكُ مِنْجَلَهُ إِلَى الأَرْضِ وَقَطَفَ الْعَنَاقِيدَ وَأَلْقَاهَا فِي مَعْصَرَةِ غَضَبِ اللهِ الْعُظْمَى، 20فَدِيسَتِ الْمَعْصَرَةُ بِالأَرْجُلِ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَانْبَثَقَ مِنْهَا الدَّمُ وَجَرَى أَنْهَاراً..].

 

* ضفادع خارجة من فم التنين [ رؤيا 16/ 13وَعِنْدَ هَذَا رَأَيْتُ ثَلاَثَةَ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ تُشْبِهُ الضَّفَادِعَ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ التِّنِّينِ، وَمِنْ فَمِ الْوَحْشِ، ..]. وخروجها من الفم قد يرمز لنوع من الكلام ( كفر وتجديف) سيتفوّه به إبليس وعبده الوحش.

 

* تصوير مدينة بابل ( أو روميّه ورمزها بابل كذلك) بمومس، والرؤوس تلال وملوك والقرون ملوك والمياه شعوب [ رؤيا 17: 3 .. فَرَأَيْتُ امْرَأَةً رَاكِبَةً عَلَى وَحْشٍ قِرْمِزِيٍّ لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ.. 7 ..  سَأُطْلِعُكَ عَلَى مَا تَرْمِزُ إِلَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالْوَحْشُ الَّذِي يَحْمِلُهَا، صَاحِبُ الرُّؤُوسِ السَّبْعَةِ وَالْقُرُونِ الْعَشَرَةِ: .. 9  ..  الرُّؤُوسُ السَّبْعَةُ تَرْمِزُ إِلَى التِّلاَلِ السَّبْعَةِ الَّتِي تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهَا وَتَرْمِزُ أَيْضاً إِلَى سَبْعَةِ مُلُوكٍ، 10خَمْسَةٌ مِنْهُمْ مَضَوْا، وَالسَّادِسُ يَحْكُمُ الآنَ، وَالسَّابِعُ سَيَأْتِي، .. 11أَمَّا الْوَحْشُ الَّذِي كَانَ مَوْجُوداً ثُمَّ أَصْبَحَ غَيْرَ مَوْجُودٍ، فَهُوَ مَلِكٌ ثَامِنٌ ..  12وَأَمَّا الْقُرُونُ الْعَشَرَةُ الَّتِي رَأَيْتَ هِيَ عَشَرَةُ مُلُوكٍ لَمْ يَتَوَلَّوْا الْمُلْكَ بَعْدُ، وَسَيَتَوَلَّوْنَ سُلْطَةَ الْمُلْكِ مَعَ الْوَحْشِ لِمُدَّةِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، ..  14ثُمَّ يُحَارِبُونَ الْحَمَلَ، وَلَكِنَّ الْحَمَلَ يَهْزِمُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، ..  15 .. أَمَّا الْمِيَا هُ الَّتِي رَأَيْتَ حَيْثُ تَجْلِسُ الزَّانِيَةُ، فَتَرْمِزُ إِلَى شُعُوبٍ وَجَمَاهِيرَ وَأُمَمٍ وَلُغَاتٍ. 16وَأَمَّا الْقُرُونُ الْعَشَرَةُ الَّتِي رَأَيْتَهَا، وَالْوَحْشُ، فَسَيُبْغِضُونَ الزَّانِيَةَ ..  18أَمَّا هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَأَيْتَهَا، فَإِنَّهَا تَرْمِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْعُظْمَى الَّتِي تَحْكُمُ مُلُوكَ الأَرْضِ».

فبابل عند أهل الكتاب أصبحت رمزاً لمعاداة الله ومحاربته . والحديث عن سقوط بابل ودمارها تزخم به الأسفار اليهودية والنصرانية . والأصل هو غزو ملوك بابل وآشور لإسرائيل وتدميرهم وأسرهم. فجعل اليهود بابل عدوة الله ومضطهدة شعبه . وقلدتهم النصارى فيما بعد فاعتبروا الروم مضطهدة النصارى هي بابل. لذلك نرى الغلاة من اليهود والنصارى وأكثرهم كذلك، يفرحون بغزو أمريكا للعراق . فهم الآن يهتفون في بيوتهم وكنائسهم بالعبارة المقدسة لديهم : [2وَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «سَقَطَتْ، سَقَطَتْ بَابِلُ الْعُظْمَى] رؤيا 18. ولا شك أنهم يعتبرون ذلك فتحاً عظيماً ومقدمة واضحة لقدوم الوحش ومن بعده المسيح اليهودي أو المسيح ابن مريم لقتله.

 

* الكتان الأبيض رمز الأعمال الصالحة [ رؤيا 19 /  7لِنَفْرَحْ وَنَبْتَهِجْ وَنُمَجِّدْهُ، فَإِنَّ عُرْسَ الْحَمَلِ قَدْ حَانَ مَوْعِدُهُ، وَعَرُوسَهُ قَدْ هَيَّأَتْ نَفْسَهَا، 8وَوُهِبَ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ الكَتَّانَ الأَبْيَضَ النَّاصِعَ!» وَالْكَتَّانُ يَرْمِزُ إِلَى أَعْمَالِ الصَّلاَحِ الَّتِي قَامَ بِهَا الْقِدِّيسُونَ.

 

* إبليس أو الشيطان رمزه الحيّة كما في التوراة من قبل والتنين : رؤيا 20/ 2قَيَّدَ بِهَا التِّنِّينَ، أَيِ الْحَيَّةَ الْقَدِيمَةَ، وَهُوَ إِبْلِيسُ أَوِ الشَّيْطَانُ..

 

* اورشلم صوّرت كعروس للخروف ( المسيح) : رؤيا 21/ 9وَجَاءَ أَحَدُ الْمَلاَئِكَةِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ أَفْرَغُوا كُؤُوسَ بَلاَيَاهُمُ السَّبْعِ الأَخِيرَةِ، وَقَالَ لِي: «تَعَالَ فَأُرِيَكَ عَرُوسَ الْحَمَلِ». 10وَأَخَذَنِي بِالرُّوحِ إِلَى قِمَّةِ جَبَلٍ ضَخْمٍ عَالٍ، وَأَرَانِي الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ

 

فسفر الرؤيا عموماً يتكلم بتفصيل عن تلك الدابة أو الوحش الأرضي والبحري وغيره.

***

 

كما كثرت الرموز في كتب اليهود كسفر زكريا وهذه أمثلة :

* أربعة القرون ترمز لشعوب قهرت اليهود : [ زكريا 1/  18 ..  أَرَى أَرْبَعَةَ قُرُونٍ. 19 ..  «هَذِهِ هِيَ الْقُرُونُ الَّتِي بَدَّدَتْ أَهْلَ يَهُوذَا وَإِسْرَائِيلَ وَأُورُشَلِيمَ». ..  21 .. «هَذِهِ هِيَ الْقُرُونُ (أَيِ الأُمَمُ) الَّتِي بَدَّدَتْ أَهْلَ يَهُوذَا حَتَّى ذَلَّتْ كُلُّ نَفْسٍ.]

* الغصن ( ملك يهودي اسمه زربّابل ثم جعله النصارى المسيح ابن مريم) وحجر ( رمز لبناء الهيكل) مع سبعة أعين ( رمز لحفظ الله وحمايته) : [ زكريا 3/ 8فَأَصْغِ يَايَهُوشَعُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ أَنْتَ وَسَائِرُ رِفَاقِكَ الْكَهَنَةِ الْجَالِسِينَ أَمَامَكَ. أَنْتُمْ رِجَالُ آيَةٍ وَهَا أَنَا آتِي بِعَبْدِي الَّذِي يُدْعَى الْغُصْنُ. 9هَا هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعْتُهُ أَمَامَ يَهُوشَعَ، تَحْرُسُهُ سَبْعُ أَعْيُنٍ، قَدْ شَذَّبْتُهُ تَشْذِيباً وَكَتَبْتُ عَلَيْهِ،..].

 

* منارة الذهب وشجرة الزيتون : [ زكريا 4/ وَرَجَعَ مَلاَكُ الرَّبِّ الَّذِي يُكَلِّمُنِي وَأَيْقَظَنِي كَمَا يُوْقَظُ رَجُلٌ مِنْ نَوْمِهِ، 2وَسَأَلَنِي: «مَاذَا تَرَى؟» فَأَجَبْتُ: «أَرَى مَنَارَةً مَصُوغَةً كُلُّهَا مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى رَأْسِهَا صَحْنٌ قَائِمٌ، عَلَيْهِ سَبْعَةُ سُرُجٍ، مُتَّصِلَةٍ بِسَبْعِ أَنَابِيبَ مِنْ أَعْلَى 3يَنْتَصِبُ إِلَى جِوَارِهَا زَيْتُونَتَانِ إِحْدَاهُمَا عَنْ يَمِينِ الصَّحْنِ وَالأُخْرَى عَنْ يَسَارِهِ». 4ثُمَّ سَأَلْتُ الْمَلاَكَ: «مَا هَذِهِ يَاسَيِّدِي؟» 5فَأَجَابَنِي: «أَلَمْ تَعْلَمْ مَا هَذِهِ؟» فَقُلْتُ: «لاَ يَاسَيِّدِي». 6فَقَالَ: «هَذِهِ رِسَالَةُ الرَّبِّ إِلَى زَرُبَّابِلَ: ..  ].

 

* المكيال ( رمز الإثم) والمرأة ( رمز الشرّ) في السلّة والمرأتان المجنّحتان [ زكريا 5/ 6 ..  «إِنَّهُ مِكْيَالٌ، وَهُوَ رَمْزُ إِثْمِهِمْ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا». 7وَمَا لَبِثَ أَنْ رُفِعَ الْغِطَاءُ الرَّصَاصِيُّ مِنْ عَلَى فُوَّهَتِهِ، وَإِذَا بِامْرَأَةٍ جَالِسَةٍ فِي دَاخِلِ الْمِكْيَالِ. 8فَقَالَ لِي: «هَذِهِ هِيَ رَمْزُ الشَّرِّ»، ..  9ثُمَّ نَظَرْتُ مَرَّةً أُخْرَى فَرَأَيْتُ امْرَأَتَيْنِ مُقْبِلَتَيْنِ لَهُمَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ اللَّقْلَقِ، ..].

 

* تشبيه اليهود أو الناس عموماً بالغنم والخراف وهو رمز الرعية [زكريا 13/ 7 .. اضْرِبِ الرَّاعِي فَتَتَبَدَّدَ الْخِرَافُ.] ، وتشبيه العهد والأخاء بعصاتين : [ زكريا 11/ 4هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلَهِي: «ارْعَ الْغَنَمَ الْمُعَدَّ لِلذَّبْحِ، ..7وَهَكَذَا صِرْتُ رَاعِياً لأَهْزَلِ الْغَنَمِ الْمُعَدِّ لِلذَّبْحِ، وَأَخَذْتُ لِنَفْسِي عَصَوَيْنِ دَعَوْتُ إِحْدَاهُمَا نِعْمَةَ وَالأُخْرَى وَحْدَةً، وَقُمْتُ بِرِعَايَةِ الْغَنَمِ. ..10وَتَنَاوَلْتُ عَصَايَ «نِعْمَةَ» وَكَسَرْتُهَا نَاقِضاً بِذَلِكَ الْعَهْدَ الَّذِي أَبْرَمْتُهُ مَعَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. 11وَهَكَذَا بَطَلَ الْعَهْدُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، .. 14وَحَطَّمْتُ عَصَايَ الأُخْرَى «وَحْدَةَ» لأَنْقُضَ الإِخَاءَ بَيْنَ يَهُوذَا وَإِسْرَائِيلَ»]. فكسر العصا الثانية رمز للعداء الأبدي الذي حدث بين اليهود وبقية إسرائيل ( الذين عرفوا بالسامريين ) .

 

* اورشلم كأنها كأس خمر أو صخرة ثقيلة [ زكريا 12/ 2«هَا أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَجْعَلَ أُورُشَلِيمَ كَأْسَ خَمْرٍ تَتَرَنَّحُ مِنْهَا جَمِيعُ الشُّعُوبِ الْمُحِيطَةِ بِهَا، ... 3فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَجْعَلُ أُورُشَلِيمَ كَصَخْرَةٍ ثَقِيلَةٍ تَعْجُزُ عَنْ حَمْلِهَا جَمِيعُ الشُّعُوبِ.]

 

* عاموس: 7/ 7ثُمَّ رَأَيْتُ، وَإِذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ بِجِوَارِ حَائِطٍ مَبْنِيٍّ، وَفِي يَدِهِ مِيزَانُ الْبِنَاءِ. 8فَقَالَ لِي الرَّبُّ: «يَاعَامُوسُ، مَاذَا تَرَى؟» فَأَجَبْتُ: «مِيزَانَ الْبِنَاءِ». فَقَالَ الرَّبُّ: «هَا أَنَا أَمُدُّ مِيزَانَ الْبِنَاءِ فِي وَسَطِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ،

8/ ثُمَّ أَرَانِي السَّيِّدُ الرَّبُّ فِي رُؤْيَا سَلَّةً لِقِطَافِ الثِّمَارِ. 2وَسَأَلَنِي: «مَاذَا تَرَى يَاعَامُوسُ؟» فَأَجَبْتُ: «سَلَّةً مَلِيئَةً بِثِمَارِ الصَّيْفِ النَّاضِجَةِ». فَقَالَ لِي الرَّبُّ: «لَقَدْ دَنَتْ نِهَايَةُ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ وَلَنْ أَعْفُوَ عَنْهُمْ بَعْدُ.

 

 

فكما رأينا ،فأن أهل الكتاب قد أسرفوا في الرمز كثيراً . فهم لم يكونوا في كثير من الأحيان يقصدون برموز الحيوان وغيره الحيوان عينه ولكن مجرد رمز رؤى يدل على شخص أو ملك أو شعب أو فكرة .

 

***

ولكن لماذا جاء القرآن بالدابة الأرضية الحقيقية التي ستخرج فعلاً والتي قد تشبه في ظاهرها وحوش اليهود والنصارى الخرافية الرمزية التي كانت في الأصل وحوش غير حقيقية بل مجرد رموز رؤية لملوك اليونان والروم وعمالهم وكهنتهم الذين اضطهدوا اليهود والنصارى؟

 

لكي نفهم هذا الأمر ( أي مجيء القرآن بدابة حقّة تشابه دواب أهل الكتاب الوهمية) علينا أن نعود للوراء زمنياً فنعتبر مما قد حدث وصار ...

 

{خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} (37) سورة الأنبياء

لنعد إلى زمن موسى عليه السلام : أليس موسى عليه السلام قد أتى في زمن قد انتشر فيه السحر في مصر وبلغ السحرة براعة عظيمة في هذا الشأن؟ ألم يكن السحرة وكما شهد القرآن قادرين على جعل الناس يرون عصيهم وحبالهم تتحول إلى ثعابين تسعى ؟ {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } (66) سورة طـه

 أليس الذي جاءوا به هو الافتراء والكذب والإفك ؟ ألم يكن السحرة مجرد كذبة ليس إلاّ ؟ يكذبون على الناس ويوهمونهم فيجعلونهم يتخيلون العصا والحبل &