ENFANTS

التلفزيون.. علاج الإدمان بالنشاط
ابنتي تبلغ من العمر 9 سنوات وهي أكبر أولادي تعشق التليفزيون، وهي على استعداد أن تجلس أمامه 24 ساعة مع أني أشغل وقتها بحفظ القرآن والدراسة والمذاكرة، لكنها تستيقظ من النوم وتجري لتمسك بـ"الريموت" وتدور فيه.. إيه تتفرج عليه؟! تفعل ما أطلبه منها -بعد إلحاح- بأسرع ما يمكن بدون تركيز حتى تعود له ثانية، وتجلس أمامه في انتباه وتركيز شديد لدرجة أنها لا تشعر بما يحدث حولها تترك اللعب مع صديقاتها والجلوس في أحضاننا من أجل التليفزيون. أنا طبعًا أمنعها من مشاهدة الأفلام والمسلسلات فهي لا تشاهد سوى الكرتون، أنا خائفة عليها جدًّا وأريد أن أخلعها من التليفزيون دون أن أؤثر على نفسيتها؟ لكن لا أدري ماذا أفعل؟ أرجو أن تفيدوني، وجزاكم الله خيرًا.

في دراسة أمريكية صدرت في سلسلة كتاب عالم المعرفة تحت عنوان "إدمان التلفزيون" تحدثت المؤلفتان عما أحدثه التلفزيون من تغييرات في حياة البشر وعرضوا لكمية هائلة من الأبحاث التي تؤكد إثارة السلبية والتي لخصوها في مصطلح "الإدمان"، وفي النهاية عرضوا لكيفية التخلص من هذا الإدمان والتي لخصوه أيضًا في العودة إلى الأنشطة التي كنا نمارسها قبل أن يقتحم التلفزيون حياتنا بحيث يصبح التلفزيون جزءاً من حياتنا بصورة عامة وحياة أطفالنا بصورة خاصة؛ لأن الأطفال هم أكثر من ينجذب لهذا الجهاز السحري والأكثر عرضة لإدمانه.

وقد كان لي تجربة ناجحة مع أولادي كانت الترجمة العملية لما قدمه أصحاب الكتاب من حل.. مع دخول القنوات الفضائية كنت قلقًا بشأن إدمان أولادي للتلفزيون وهم بالمناسبة تتراوح أعمارهم بين التاسعة والسابعة والرابعة من العمر.. كان الصيف هو الذي يمثل التحدي الحقيقي في مواجهة التلفزيون وسحره، حيث كانت الدراسة تسمح بالتحكم في الأمر من خلال السماح بوقت محدد للمشاهدة؛ لإفساح الوقت لاستكمال الواجبات الدراسية، وكان واضحًا أنهم ينتظرون الصيف على أحر من الجمر من أن يجلسوا أمام التلفزيون بالساعات الطويلة لإشباع رغبتهم في الاستمتاع بما يقدمه التلفزيون من أشكال وألوان مختلفة للمتعة البصرية والسمعية التي تهمشهم وتأخذ بعقولهم.

جلست مع الأم وطرحنا السؤال: لماذا يجلس الأطفال الساعات الطويلة أمام التلفزيون حتى يصل الأمر لدرجة الإدمان؟ وكانت الإجابة البسيطة هو لأننا لا نقدم لهم بدائل أخرى لشغل أوقاتهم بصورة مفيدة ومثيرة تجعلهم يستغنون عن التلفزيون أو في أقل القليل يكون جزءاً من منظومة الترفيه لديهم وليس كل المنظومة، بصورة عملية اشتركنا لكل طفل في نشاطين رياضيين.. نشاط في مدرسته والآخر في النادي حسب ما يرغب ويحب..

فاشترك الطفل الأكبر في لعبة الكاراتيه، والمتوسط في لعبة كرة القدم واشتركا سويًّا في السباحة، وكان نصيب الصغرى تدريبًا مكثفًا في الجمباز لمدة أربعة أيام في الأسبوع، ثم كانت المشاركة في نشاط فريق المسرح المدرسي الذين أخرج مواهبهم المفاجئة في التمثيل والغناء، والأهم من ذلك الانخراط في عمل جماعي مع أطفال من أعمار مختلفة للقيام بعمل أو أعمال فنية تحتاج إلى جهد ودأب في التدريب عليها من أجل إتقانها، ثم كانت حلقة حفظ القرآن والتجويد يومًا بعد يوم لمدة ساعتين، ثم الاشتراك في المكتبة المدرسية وتشجيعهم على القراءة بشراء المجلات المناسبة لسنهم وحثهم على ذلك، ثم خروج حر إلى النادي أو المنتزه أو شاطئ البحر في يوم إجازتي؛ لتكون المحصلة في نهاية الإجازة الصيفية.

إن الأطفال قد فقدوا الاهتمام بالتلفزيون.. إنهم لا يكادون يجدون وقتًا لتضييعه أمام التلفزيون.. لقد كان يومهم يبدأ في الثامنة صباحًا وينتهي في الثامنة مساء ليكون الاستغناء عن التلفزيون هو أقل الفوائد؛ لأن ما اكتسبوه من فوائد في شخصياتهم ونفسياتهم كان عظيمًا، فالاعتماد على النفس، والاستقلالية، والحيوية، والنشاط، والتعاون، والقدرة على العمل في فريق، بل وروح الألفة بيننا وبينهم، حيث جو اللعب والمرح والانطلاق كان يسمح بوجود مساحات للتفاعل بيننا وبينهم جعلت التفاهم والألفة هي شعار العلاقة بيننا بحيث أصبح الحديث عن تقنين العلاقة بين الأطفال وبين التلفزيون حديثًا لا يحتاج إلى مجهود.

فهناك ما يمكننا مشاهدته وهناك ما نرفض مشاهدته، وهناك أوقات أخرى نحن منشغلون فيها بما هو أهم، وأصبح هناك نظام لكل شيء؛ لأنه أصبح ضيفًا في حياتهم وليس شيئًا أساسيًّا لا يستطيعون الاستغناء عنه.. لا بد أن نوجد لأطفالنا المجالات التي تستوعب طاقتهم ونشاطهم وخيالهم قبل أن نشكو من إدمانهم للتلفزيون.

الخـبير:

د/عمرو  أبوخليل


ولمزيد من المعلومات يمكنك متابعة الموضوعات التالية:
التليفزيون هل يثير لأطفال؟
حيل وفنون في مواجهة التلفزيون

وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net

المصدر : إسلام أون لاين