مرحبًا بك أخي الكريم ومرحبًا بأسرتك بارك الله
لك فيهم جميعًا.. وفي الحقيقة لم أستطع أن أمنع نفسي من الابتسام وأنا أطالع
سؤالك أكثر من مرة، فقد رأيت في تفاصيله نموذجًا حيًّا لبراعة الأطفال في
استغلال المواقف لكسب رضا الآباء وإزاحة كل العقبات والمنافسين من طريق التربع
على عرش قلب الأب أو الأم.
ولأن أطفالنا أذكى مما نتصور، ولأنهم أطفال.. يفوت علينا الربط بين تصرفاتهم
وبين ما يعتمل في نفوسهم اعتقادًا أنهم أقل من أن يقصدوا أحيانًا ما يفعلون،
ولكنها الحقيقة يا سيدي؛ فالطفل الذي لا يشعر بالسعادة من معاملة والديه
يتعمد كثيرًا فعل ما ثبت له بالتجربة أنه يغضبهما أو يحرجهما أمام الناس
عقابًا لهما على قسوتهما عليه، وكذلك الطفل الذي يود جذب الانتباه فإنه يفعل
ما يشعر أنه مختلف عن فعل من حوله -سواء أكان هذا الاختلاف إيجابيًّا أو
سلبيًّا- لينال المدح أو التوبيخ، المهم أن يحظى بالاهتمام، وهكذا...
وكما ظهر لي من سؤالك فإن ابنتك الصغرى تبرع وتبدع في فعل ما تفشل في فعله
الطفلة الكبرى لتتفوق عليها وتتقدم في المنزلة لديكما -أنت وأمهما- عليها،
فتسعد بتلك المنزلة، وتستخدمها أحيانًا للضغط على أختها أو لإغاظتها أو غير
ذلك من أفعال الصغار.
ما أريد قوله هو ألا تظنا أن ابنتكما الكبرى تقل عن أختها في المهارات أو
القدرات، فلكل طفل نسيج وحده -ما لم يثبت ذلك-، ولا تظن أن نهركما -أنت والأم-
للطفلة بشدة وإحراجها وتعنيفها أمور تقلل من لا مبالاتها، بل إنها تزيد من
رغبة أختها في إظهار نقائصها بالتفوق عليها واستعراض قدراتها، وتزيد من شعورها
بالضآلة أو باليأس من إرضائكما أو مواكبة ما يسعدكما.. وفي النهاية فالأمر
لا يتفق مع مصلحتها.
ويقول دكتور سبوك -عالم التربية الشهير-: "إن الطفل يحتاج إلى التوجيه والتصحيح
عندما يخرج عن إطار المألوف، ولكن لا بد أن يتم ذلك بهدوء ودون إشعار للطفل
بأنه ارتكب خطأ جسيمًا".
وتعال نعتبر أن تلك المقولة هي النصيحة رقم واحد للتغلب على تكاسل ابنتك
أو لا مبالاتها - على حد تعبيرك، أما النصيحة الثانية فهي ما تجده من مقترحات
في الاستشارة التالية:
ابنة السادسة حيرتني كيف أعاملها؟
أما النصيحة الثالثة فهي أن تصنع من أسرتك فريقًا، يتكامل أعضاؤه ويعاونون
بعضهم البعض لصالح المصلحة المشتركة ولتحقيق هدف معين، ومبادئ العمل في الفريق
تتلخص في 4 جمل:
1- كل ميسر لما خُلق له.
2- يد الله مع الجماعة.
3- الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
4- لا تحقرن من المعروف شيئًا.
فجميعنا لديه قدرات يتميز بها عن غيره وأخرى ليس له منها نصيب كالآخرين،
والتكامل يجمع كل القدرات في بوتقة واحدة، ويباركها رضا الله تعالى عن التكامل
فتكون يده سبحانه مع يد الجماعة، ويكون المعروف من كل فرد له دوره وقيمته
بما يجب ألا يحقر أو يستهان به، والاختلاف لا يفرز أي عداء أو زجر تحصل به
كراهية أو نفور أو إحجام عن الفريق.
كان هذا موجز فكرتي، أما تطبيقها فسأحاول إيضاحه كما يلي:
أولاً: لا بد من اكتشاف ابنتك وقدراتها، ومجال إبداعها وأسباب عدم تركيزها
(التشتت بسبب شيء آخر - ضعف التغذية - انغماسها في شيء غير الذي تطلبانه
منها كمشاهدة كارتون مثلاً)، وذلك للوقوف على الأسباب التي ذكرتها، ويمكن
ذلك بالحديث معها بهدوء وود (ما أكثر شيء تحبين فعله؟ هل تستمتعين بكذا...؟).
ثانيًا: لا بد من تكليفها بفعل ما تنجح فيه (بعد اكتشاف مكامن قدراتها)،
فالحياة أمامها لصدمات الفشل وهي في مرحلة بناء الثقة، ويفضل أن تنظما في
جلسات الأسرة الأسبوعية مهام لكل فرد يختارها ويقوم بها بانتظام في الأسبوع
التالي -بعد أن يختارها ويطلب فعلها- كل حسب طاقته وقدرته، المهم أن تصل
رسالة أننا نتكامل ولسنا نتنافس.
ثالثًا: يمكن متابعة الأداء ومكافأة الجميع في نهاية كل يوم نظرًا لصغر سن
الطفلتين ولو حتى بالتصفيق.
رابعًا: لا بد من ممارسة كافة يوميات الأسرة -ما أمكن- في جماعة، من تناول
الطعام لمشاهدة التلفاز للعب ولو خمس دقائق ببالونة مثلاً والقراءة وتلاوة
الورد اليومي من القرآن والدعاء وتنظيف الحجرات... إلخ.
خامسًا: لا بد من محاولة تنمية قدرات الابنة فيما تعجز عن أدائه بكفاءة بشكل
رقيق وحنون وتدريجي، فعندما تخفق في إحضار شيء.. يمكن الذهاب معها لترى أنه
أمامها في مكان واضح، وأن الأمر يحتاج للدقة في البحث والنظر جيدًا.. كل
هذا في جو من الرفق والحنو، ثم ممارسة لعبة مثلاً يوميًّا يتم فيها إخفاء
شيء، ثم منحها وقتًا لإحضاره مقابل هدية، وكل مرة يقل الوقت لتتعلم السرعة
مع الإتقان، وهكذا...
سادسًا: جدول الحافز يُعَدّ وسيلة رائعة لتعديل سلوك الأبناء؛ إذ تقوم بصناعة
جدول جميل من الورق الملون مع الابنة وتعلقه الأم (فحتى صناعة الجدول تتم
في فريق) على الحائط أو خلف باب الحجرة، وبه خانات تخص البنتين وعليها أيام
الأسبوع وعناصر معينة نود تطويرهما فيها (النظام - السرعة - الصدق - الحفاظ
على الأدوات - الحفاظ على الأذكار - الصلاة - نظافة الفراش...)، مع تعليمهما
كيفية اكتساب هذه الصفات، فالنظام هو أن تفعلي كذا وتحرصي على كذا، وتكون
أشياؤك في مكانها المخصص ولا تبدئي اللعب بلعبة قبل جمع الأولى في علبتها،
والصدق نقصد به كذا... إلخ، ومع النجاح في التحلي بكل صفة تحصل البنت على
نجمة، وفي نهاية الأسبوع يحسب عدد النجوم ليحصلا بها على هدية فكل 20 نجمة
مثلاً عليها هدية بحدود (5 جنيهات مثلاً)، و30 نجمة تساوي هدية بقيمة أعلى،
وهكذا...
سابعًا: لا بد من إيجاد فقرة في الجلسة الأسرية الأسبوعية تحت عنوان "تنمية
الذات" أو "حسن نفسك"..، وفيها يقول كل فرد عيبًا يشعر به في نفسه ويريد
تحسينه ويعرض مقترحاته لذلك، ويسمع مقترحات الآخرين ليستقر الكلام على خطوات
تدون في ورقة يعلقها على باب حجرته أو دولابه، بحيث تكون الرغبة في التغيير
نابعة من داخل كل فرد فيجتهد في تحقيقها.
ثامنًا: التقريع واللوم والإهانة والعقاب مفردات يجب أن تلغى من قاموس أسرتك
تمامًا، وخصوصًا عند الخطأ، فتقويم الخطأ يكون بتعليم الصحيح وكيفية تفادي
الخطأ وليس بإيذاء المشاعر أو الإهانة.
أخي الكريم.. أعتذر للإطالة لكني أردت ألا أقصر في تناول أي جزئية أو مقترح
قد يساهم في علاج مشكلة ابنتك وتطوير قدراتها.. وفي انتظار موافاتك لنا بمزيد
من الأخبار والمتابعات والاستفسارات، وشكرًا جزيلاً لك.
ولمزيد من التفاصيل المفيدة
يمكنك مراجعة ما يلي:
كيف تجعل طفلك يريد ما تطلب؟
وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
المصدر : إسلام أون لاين