|
|
|
مـن
يدعـي اليقينيـة المطلقـة
لرأيـه؟
|
بقلم :
منير شفيق
ثمة خلط متعمد يقوم به
الكثيرون من دعاة "الحداثة
والعقلانية والديمقراطية
والعلمنة"، بين اليقينية
المطلقة التي يتسم بها المسلم،
أو العقل المسلم، فيما يتعلق
بالإيمان بالله تعالى ورسوله ص
وسنته، وبالقرآن وما نزل فيه من
جهة، وما يصدر عن المسلم أو العقل
الإسلامي من فهم للدين أو فقه أو
سياسة أو ممارسات أو أحكام أو غير
ذلك من جهة أخرى، فيتهمون العقل
الإسلامي، بعد أن يزيلوا كلمة
إسلامي ويستعيضوا بها كلمة
الأصولي حتى لا يُصدموا
بالإسلامي، فضلاً عن استخدامهم
لكلمة أصولي بالمعنى الغربي
للكلمة بما يعني التعصب
والانغلاق والتطرف والجمود،
فيُقال "من صفات العقل الأصولي
المدعي اليقينية المطلقة" كيت
وكيت!
فإذا كانوا يقصدون العقل الأصولي
بمعناه الغربي فهذا أمر لايحتاج
إلى وقفة، أما إذا كانوا يقصدون
هنا العقل الإسلامي أو عقل
المسلم، فإن ادعاء اليقينية
المطلقة أمر غير ممكن، لأن ما
اصطلح عليه التقليد الإسلامي في
هذا المجال عكس ذلك تماماً، وذلك
انطلاقاً من قناعاته اليقينية
الأساسية نفسها، ولهذا لا ترى
عالماً يفسر آية أو يصدر فتوى، أو
يحكم برأي في السياسة والاجتماع
والعلوم إلا ويقول "والله أعلم"،
يعني أنه لا يمتلك اليقين، لأن
اليقين عند الله وحده، وهذا ما
أرسى بدوره تقليداً، أو أدباً،
بين علماء المسلمين يتسم بالحذر
من الخطأ في شؤون الدين والدنيا،
وبالحذر من النفس والهوى والذنوب
والعثرات، فمن يقرأ دعاء رسول
الله ص في كل مناسبة وفي كل أمر،
يدرك هذا الحذر، وهذا الخوف، من
الزلل والخطأ والذنب سواء في
إبداء الرأي، أو في الفهم أو في
المسلك، وكان عمر بن الخطاب ـ رضي
الله عنه ـ وهو المتصف بالعدالة
والعلم وحصافة الرأي والتقوى
يدعو الله أن يخرجه منها لا له
ولا عليه.
وهل بعد هذا يمكن أن يوصف العقل
المسلم بأنه يدَّعي اليقينية
المطلقة فيما يصدر عنه؟
هذه مسألة محسومة، عقدياً
ومنهجياً وفقهياً، أو كما يقول
البعض محسومة نظرياً، لكن إذا ما
أسقط أحدهم، أو بعضهم، الاستدراك
الضروري بعد الحكم، أي "الله
أعلم" إسقاطاً عملياً، أو
تعامل وإياه شكلياً وبلا قناعة،
وذلك ليتصرف كمن يملك اليقين ولا
يترك مكاناً لشك في حكمه وفتواه،
أو ينكر على غيره حق الاختلاف
معه، فهذا وهؤلاء، يشذون عن
الآداب التي يوجبها الإسلام على
العقل المسلم، وإذا قال البعض إن
هؤلاء ليسوا قلة أو شذوذواً
وإنما هم كثرة فسيظل منهجهم ذاك
بالرغم من الكثرة هنا لا سمح
الله، غير منهج الإسلام، ولا يصح
أن يكون وصفاً للعقل المسلم.
على أن القائلين بمقولة: "من
صفات العقل الأصولي ادعاء
اليقينية المطلقة"، إذ يقصدون
العقل المسلم أو الإسلامي، تراهم
لا يكلفون أنفسهم إثبات دعواهم
وإقامة الدليل من واقع العقل
الإسلامي على ما يزعمون، وإنما
يصدرون أحكاماً غير قابلة للنقض
ولا تحتاج إلى دليل، أي
يعاملونها باعتبارها "يقينية
مطلقة"، فهؤلاء هم الذين
يعاملون أفكارهم ويعاملون
الإسلام والإسلاميين "بيقينية
مطلقة" حتى أنك لتحار كيف
يحكمون على غيرهم، حتى بلا دليل،
ثم يلقون الدروس حول المنهجية
العلمية.
فإذا قلنا لهم هذه صفة من صفات
عقلكم خصوصاً حين تصدرون الأحكام
بحق الإسلام والعقل المسلم
والمجتمعات الإسلامية، أو حتى
حين تتحاورون بينكم، فلن نبعد عن
الحقيقة قيد أنملة أبداً،
والمقصود هنا البعض أو الكثرة من
بين دعاة "الحداثة والعقلانية
والعلمنة" وليس الكل، لأن في
كل حالة، غلاة ومعتدلين، وليشهد
على هذه الملحوظة شاهد من أهله.
فعلى سبيل المثال يورد كرم الحلو
في الرد على عفيف الأخضر الذي سبق
ورد عليه الملحوظات التالية: "ولكن
صدر الكاتب (يعني عفيف الأخضر) لم
يتسع لذلك (أي الخلاف بينهما)
فبادرني لما لا يتفق على الإطلاق
مع ما قرّع به آذاننا من انحياز
للحداثة والعقلانية
والديمقراطية" (الحياة 31-10-1998م)،
ويقول ـ مع حق الاجتزاء هنا ـ لأن
المقصود إيراد النعوت والأوصاف
وليس محتوى الخلاف: "إنني على
كل حال لم أفاجأ برد العفيف، وإن
يكن قد صدمني فعلاً، فكثير من
مثقفينا وكتابنا لا يحتملون
النقد أو حتى الحوار وإن يكن هذا
النقد منطلقاً في الأساس من
توافق مع الكاتب على كثير من
النقاط، لكن الخلافية في بعض
النقاط وهو اختلاف في الحل "جعلته
(أي عفيف الأخضر) يفقد أعصابه
فيخاطبني بنرجسية واستعلاء من
يملك الحقيقة المطلقة واليقين
الحاسم والنهائي وهي كلها من
صفات العقل الأصولي المدعي
اليقينية المكلفة، العقل إياه
الذي ما انفك الأخضر يعلن تبرمه
به وسخطه عليه" (المصدر السابق).
يلحظ هنا أن صفات النرجسية
والاستعلاء وامتلاك الحقيقة
المطلقة واليقين الحاسم
والنهائي ألقيت على عفيف الأخضر
استناداً إلى مقالته بينما
القفزة إلى العقل الأصولي ـ
ويقصد الإسلامي ـ أساساً تمثل
حكماً يقينياً مطلقاً لا دليل
عليه وإنما يستخدم هنا كمسلَّمة
منتهية.
ويتابع كرم الحلو: "رد الفعل
هذا ما هو في الحقيقة إلا تعبير
عن موقف أصولي رافض للآخر
والاختلاف وتقبل الحوار ولا يغير
شيئاً على الإطلاق إن كان الكاتب
يثابر على مهاجمة الأصوليين
واتهامهم بـ "الفظائع
والشنائع"، إذ إن أكثر الذين
ينتقدون الأصوليين يستعيرون
منهجهم ذاته ومنطقهم ذاته وردود
فعلهم ذاتها، فالأصولية هي نفسها
سواء أكانت مذهبية طائفية أو
تبرقعت بالعلمانية والحداثة
والمادية، ووراء عباءة
الحداثيين والعلمانيين طالما
تخفَّت أصولية أشد إرهاباً
وانغلاقاً وليس أدل على ذلك مما
خلفته الستالينية والنازية
والصهيونية من جرائم في حق
الإنسانية".
وما أشار إليه السيد كرم الحلو،
يثبت بحق "أكثر الذين ينتقدون
الأصوليين..." ويرفع العقل
المسلم من تهمة الأصولية بذلك
المعنى، والحال هنا ينطبق عليه
قول الشاعر: "...رمتني بدائها
وانسلّت".
|
|
|
|
|
|