مجلة الاضواء موسمية شاملة تصدر عن فرع المحجوب السالك للطلبة الصحراويين بالغرب الجزائري

العدد الاول / افريل / 2008
عودة للرئيسية أضواء على السياسة معالم واثار قضايا الضوء الثقافي ديننا الحنيف وجهة نظر
  قضايا
                   
  أفريقيا بين مرارة الواقع و حلم الاتحاد 
بقلم: محمد خطري محمد لمين

    القارة الإفريقية  ذلك الجزء من العالم الذي لم تشفع له الحياة و لم يرحمه الزمن  و شاء القدر ألا  يعرف الاستقرار. فما كادت هذه البقعة من الأرض أن تخرج من وباء الاستعمار و تسترجع عافيتها بعد ماض عسير وطويل و شاق من ويلات وظلمات الاستعمار الغاشم و الهمجي وما خلفه خلال زمنه الأسود من ارث ثقيل من الدمار حيث عمل على زرع الشقاق و إثارة العصبية  وإشاعة التفرقة العرقية و العنصرية كما خطط للحفاظ على تواجده بإبقاء أجيال تتلو أجيال تعيش تحت وطأة ظلاله السلبية مثل الجهل و الأمية و الفقر و القضاء على كل ما يسمح بتوفير عامل الحياة الكريمة و الشريفة،  حتى عاد بها إلى العصور الحجرية و مع مرور الزمن ترسبت هذه الآفات لتجد القارة نفسها بين مطرقة استعمار مزمن و سندان عالم جديد يتخذ من القوة معيارا للوجود و بكونها قارة معقدة مركبة من عرقيات مختلفة و أقليات و طوائف و ديانات  شتى، الأمر الذي سهل على أعدائها أن يشتتوها و يقسموها إلى دويلات متناثرة، حتى أصبحت مسرحا تتجلى فيه كل أزمات العالم و مشاكله. فما إن توشك على تنفس    الصعداء    حتى    تقوم    ضائقة   أخرى .   فبدا   من المجازر في رواندا ودارفور إلى الاستيلاءات والانقلابات على السلطة من الحركات المتمردة في الصومال و في التشاد أوصولا إلى الحروب الأهلية و الخلافات الحدودية و القائمة طويلة. فحتى يومنا هذا يسعى قادتها إلى احتواء مشاكلها و همومها عن طريق إذابتها في حلم اتحاد عله يخفف من ألامها و خلافاتها. فكانت قممها منبرا و ساحة  يتناول   فيها   الزعماء   السبل الكفيلة للخروج من هذا المأزق فمن قمة الجزائر إلى طرابلس إلى أديس أبابا ولدت أفكار شجاعة و تاريخية بدأت ترى النور تدريجيا فكانت الشعارات و التسميات العنوان الأبرز  كنقطة انطلاق فقد تحول اسم الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي وأخيرا إلى الولايات المتحدة الإفريقية. أفكار جديرة بالاحترام و التقدير و لكنها لازالت تراوح مكانها و بقيت مجرد حبر على ورق و كأنها ولدت ميتة  أخيرا و  لعلها فكرة تكون تكملة لما سبق و اقترح أن تصبح هذه القارة تتحدث لغة مشتركة تسمى السواحيلية و هي أفكار لا تقل أهمية عن سابقاتها و رغم ما يبذله هؤلاء الزعماء من سياسات ميدانية على المستوى الإقليمي  إلا أنهم لا زالوا بعيدين كل البعد مقارنة بدول أخرى على غرار الولايات المتحدة الأمريكية و الصين.. فتاريخ و مسيرة القارة شاهد على عدة  جوانب ايجابية في بعض بقاعها و التي شهدت بدورها محطات و منعطفات حاسمة تفرض نفسها كوقائع لا بد من ذكرها و التنويه بها. فعلى الرغم من تشعب عللها و استفحال آثارها إلا أنها  وقفت في وجه الصعاب وبددت العراقيل و غضت الطرف عن الماضي و استشرقت المستقبل و وضعت القطيعة بفتحها صفحات  بيضاء  و  ناصعة   في  عدة   مجالات   ففي   كل   قمم القارة تجد الشعوب الإفريقية أنفسها تتجه إلى الأمام و لو بخطوات قصيرة ومن هنا يتضح لنا أن القارة السمراء في كل مرة تحقق طفرة نوعية في طريقها نحو التطور تجدد النية الصادقة في مواصلة رفع مشعل تحدياتها للواقع والتاريخ المظلم  والزعماء يدركون جيدا حساسية المرحلة و ضرورة مواجهة الواقع وما يتطلبه من استحقاقات وفي هذا المقام يتركز الاهتمام على حقيقة الشروع في تطبيق الإصلاحات الشاملة والكاملة و على رأسها الإصلاحات السياسية إذ يمكن أن نشير إلى بعض النماذج الرائدة في نجاح التجربة الديمقراطية المتمثلة في الشفافية الانتخابية و الاعتماد العملي لمبدأ التداول على السلطة و اتساع مساحة الحريات العامة وصيانة حقوق الإنسان و محاربة كافة إشكال التمييز العنصري و العنف و التطرف ....هذه النماذج كان ينبغي التطرق إليها في عدت مقالات مفصلة. و لعلها هي السر في خلق التوازن القاري و حمايتها من الانهيار. هذا من جهة و من جهة أخرى  تلعب الإصلاحات الاقتصادية و الثقافية دورا بارزا في صناعة البلدان النموذجية و مسح الغبار عن الملامح الإفريقية المشوهة إذا  ما نظرنا  إلى  جنوب  إفريقيا كمثال و دول أخرى حذت حذوها في اعتماد الآليات المتاحة والمكانة الرفيعة على مستوى المنظومة الإفريقية انطلاقا من مبادئها و أسسها   هذا بالإضافة إلى عدد كبير من الايجابيات التي تعكسها الإصلاحات الشاملة في إشاعة الأمن و السلم لمواجهة بعض البؤر المعقدة مثل النزاع الدائر في الصومال و السودان و الصراع  الإثيوبي الاريتري  و  عمليات التطهير العرقي في رواندا و بور ندي. وفي نفس الوقت يحاول الزعماء سن و تفعيل كم هائل من القرارات المصيرية و الملزمة و الرادعة و المتعلقة أساسا بالدول التي لازالت تتخذ من الانقلابات العسكرية سبيلا للوصول إلى السلطة و نهج سياسة التصفيات السلطوية. هذه المفاهيم و غيرها تعمل القارة على شطبها من القاموس الإفريقي الحديث وأصبحت تنظر إلى من يسلكه بالتمرد على شرعيتها و تسلط عليه عقوبات تصل أحيانا إلى الفصل المؤقت و هي إذن بوادر سياسية جديرة بالثناء  بدأت تلوح في أفق القارة و تصميم قادتها على المضي قدما في تنفيذها. وإذا نظرنا إلى واقع الأرض فان القارة ليست عاجزة عن صنع المستحيل فهي تتمتع بكفاءات عالية من رجال الاقتصاد و السياسة و تحتوي على احتياطات كبيرة من الثروات المختلفة. و هذه أسلحة متوفرة و موجودة و تستطيع القارة أن توظفها كأوراق ضغط لتحقيق مصالحها و ضمان حضورها و لكي تعطي لنفسها وزن يحسب له ألف حساب داخل المحافل و المنتديات الولية والقارية. فبالإضافة إلى مواردها الطبيعية هناك طاقات شابة و موهوبة تقف عاجزة مكتوفة الأيدي لا ينقصها إلا أن توظف  و  تمنح  لها  كل  الإمكانيات  لتنطلق  و  بقوة  نحو  بناء و تشييد أوطانها. لكن كل هذه المعطيات تحتاج إلى سياسة حكيمة و رشيدة و جريئة على مستوى القادة و الزعماء, فالمفتاح بأيديهم والشعوب تنتظر و تعلق الآمال و كلها شوق و حنين إلى وحدة جدية و ميدانية و تاريخية بعيدا عن الحسابات و المصالح الضيقة و الكاذبة التي يستخدمها الغرب لزعزعة أي صرح تعمل هذه القارة على بناءه.هذا ليس بالمعجزة فقد يأتي اليوم القريب الذي يحدث فيه تحولا نوعيا قد ينير مسار العالم و يعمل على خلط الحسابات و التوازنات العالمية المألوفة.لتصبح إفريقيا إحدى هذه المعادلات  في القاموس الدولي .هذا كله لن يأتي بين عشية وضحاها لكن بالصبر و طول النفس و العمل الجاد و النوايا الصادقة التي على ضوئها سيسعى هؤلاء القادة المأمولين الذين يتوفرون على كل العوامل و المستلزمات لتجسيد  هذا الحلم إلى حقيقة ملموسة و لعل استقرار بعض بلدانها مكنها من أن تلعب دورا دبلوماسيــــــــا

لا باس به خاصة على صعيد هيئة الأمم حيث تمكنت من اعتلاء مقاعد كدول غير دائمة العضوية كان لها الأثر في تغيير وكذا التأثير على بعض القضايا العالمية الحساسة.إذ لطالما صوتت و وقفت إلى جانب الدول المستضعفة و المستعمرة و كانت دائما حريصة على تكريس مبدأ الحق و العدالة و نصرة  المظلومين باعتبارها دولا ذاقت طعم الاستعمار بشتى أنواعه,ضف إلى ذلك حيادها و استقلالها في اتخاذ قراراتها إذ لا تخضع لأي املاءات أو ضغوطات  خارجية,فهي صريحة دائما في لغتها و الدليل  وقوفها إلى جانب الكثير من القضايا التي لا زالت شائكة إلى يومنا هذا مثل قضية الصحراء الغربية التي تساندها منذ 1982 و لم تبالي إثرها بتبعات انسحاب المغرب من الصرح الإفريقي منذ ذلك التاريخ بالإضافة إلى اعترافها بالدولة الصحراوية داخل المنظمة ,كذلك وقوفها إلى جانب العديد من القضايا العالمية على غرار فلسطين و العراق و البلقان ......هذه المواقف التاريخية إن دلت على شئ فإنما تعكس إيمان القارة الراسخ و المتجذر في العمل من اجل تسوية النزاعات و القضاء على بؤر التوتر و رغبتها في استتباب الأمن و السلم و  في كافة إنحاء العالم ليعيش في فضاء من الحرية و الاستقلالية و نسيان آلام الماضي الاستعماري و ما تركه من جراح عميقة لم تندمل بعد إضافة إلى كل هذه العوامل الميدانية ,تتمتع بصرح ثقافي لا باس به فهي الأفضل عالميا لتميز بلدانها برونق جمالي رائع من حيث المعالم الأثرية و وجود أنواع ناذرة من الحيوانات و الطيور و منتجعات سياحية و عادات و تقاليد و أعراف و شعوب لا زالت تتمسك بتراث أبائها و أجدادها.فهذه معطيات تشكل الأسس التي يرتكز عليها النهوض و التطور و باعث على قدوم السواح والعمالة الخارجية و بالتالي فمجالات الاستثمارات متوفرة في كافة أرجاء القارة.لكن من يسمع و يرى هذه المشاهد يندهش حتما من تناقضها مع الواقع المعيش.و في الأخير يمكننا الجزم بان كل المقومات و المؤهلات التي تساعد على النهوض و التقدم متوفرة و بشكل خيالي و هذه الإمكانيات كفيلة بتحقيق هذا الحلم و لما لا فبالنظر إلى دول أخرى من العالم لم تكن تتمتع بهكذا

مميزات إلا أنها استطاعت أن تحقق قفزت كبيرة في وقت وجيز حتى أصبحت تحمل مشعل الريادة العالمية يومنا هذا.

فإفريقيا إذا لغز ظل يحير شعوب المعمورة, فهل هذه القارة تحتاج  إلى عصى موسى أو خاتم سليمان كي تستفيق وتصحو من هذا السبات الذي طال أمده ؟ أم أن هناك حقائق على الأرض لا يعلمها الكثير منا هي من يقف حاجزا أمامها ؟ أسئلة لا تنتهي و أجوبة تفوق التصور و حلول ماثلة تنتظر الشروع في تنفيذها. اعتقد أن كل واحد منا سوف ينظر و يبدي رأيه انطلاقا من قناعته و رؤيته لكن حسب رأيي أن لب المعضلة لا يكمن في الموارد أو الأشخاص و لا حتى في عامل الزمن بل إن المفتاح موجود بأيدي قوى خارجية ذات مصالح و أطماع و لديها أملاءات تمارسها على القارة سرا أو علانية منذ  فجر الاستعمار, و بأي  حال لا زال موجود في ذهنيات و إيديولوجيات الاستعمار و معاونوه و ما يوازيهم من المتواطئين  ضد أوطانهم و العملاء و المستعمرون بالنيابة و هو اسم الاستعمار في ثوبه الجديد و بالتالي لم يكن بوسع هاته القارة المنهمكة و الواهنة أن تتخلص من التبعية و الخضوع  لدول    أخرى و من هنا يبقي حلم الوحدة و الاتحاد سرابا إلى حين وضع القطيعة مع الأفكار و الذهنيات المسممة و المشحونة بالخطابات الواهمة حينها سيتعلق الأمر بأجيال مقبلة ستشرق مع فجر العصرنة و الحضارة ,أجيالا ستتحمل أوجاع القارة المنبثقة من ماضيها و واقعها و ستنير دروب القارة السمراء نحو واقع آخر تكون ابرز ملامحه النخوة و الحنكة و الوعي و السعي باستماتة في السهر على تحقيق هذه الأحلام العملاقة و صيانة قيم و مكاسب شعوب هذه القارة, و عبر هذه الدروب الطويلة ستدفع ضرائب باهضة في مسيرة مواكبة ركب الحضارة و دفن الواقع الحالي في سلة مهملات الماضي و مولد واقع آخر من رحم التضحيات الجسام للشعوب الإفريقية الطامحة إلى معطيات أخرى تنسجم مع بيئتها الإنسانية و الثقافية و الاقتصادية. و حينها تكون القارة قد كسبت رهانها المتصاعد من لهيب الصدام الواقع بين مرارة الواقع و حلم الاتحاد.

 

| الصفحة الرئيسة | | أضواء على السياسة | | معالم واثار| | قضايا | | الضوء الثقافي| | ديننا الحنيف | | خلجات مثقلة | | وجهة نظر |

للاتصال بمجلتكم الأضواء و للتعبير عن آرائكم و اقتراحاتكم الرجاء مراسلة قسم الإعلام على العناوين
 Algharb_edit@yahoo.es / Algharb_media@yahoo.es
أو على رقم الهاتف: 0668163979
جميع الحقوق محفوظة © مجلة الاضواء 2008/2009 فرع المحجوب السالك بالغرب الجزائري