مجلة الاضواء موسمية شاملة تصدر عن فرع المحجوب السالك للطلبة الصحراويين بالغرب الجزائري

العدد الاول / افريل / 2008
عودة للرئيسية أضواء على السياسة معالم واثار قضايا الضوء الثقافي ديننا الحنيف وجهة نظر
  الضوء الثقافي
                   
  اللهجة الحسا نية و البحث في أنماط الهوية
 بقلم :محمد السالك احمد   
                          
الأطلال في الشعر الحساني  بقلم : محمد احمودي 
                          
  جراح الخريف  بقلم :
حمه المهدي البهالي

 اللهجة الحسا نية و البحث في أنماط الهوية  بقلم :محمد السالك احمد   

تعتبر الحسانية من اكبراللهجات العربية الغنية بتراثها الفكري والحاملة لرؤى و تصورات و مشاعر أجيال عدة كونها كنزا من كنوز التعبير عن الآراء و الأفكار و المعتقدات و فيها يكمن كل ذخائر الفكر و التقاليدو الفلسفة والدين، ومنها ينبض قلب الشعب ويحرك روحه خاصة شعبنا الذي عاش الويلات في ظل الاستعمار و التجهيل و التعتيم الإعلامي، هذا  ما جعلها اقل اللهجات انتشارا في العالم كونها ظلت حبيسة نفسها لظروف الاحتلال المتكرر للبلدان الناطقة بها كلهجة عامية،حيث تنتشر في الجزء الغربي من الوطن العربي أي في الصحراء الغربية بصفة مطلقة وفي الغالبية العظمى بموريتانيا،و تعود تسميتها بهذا الاسم إلى القبائل التي  تحدثت بها و هم المعرفون (ببني حسان) الذين هاجروا من شبه الجزيرة العربية و استوطنوا في المناطق التي تنتشر فيها الحسانية حاليا، والحسانية كتركيبةهي ذات جذورمتعددةبربرية، زنجية،أوربية وعربية بنسبة اكبر وأوضح كون الأخيرة هي أصل  بني حسان،هذه الإشكالية حتمت علينا توضيح و تبيان أوجه التشابه بينها والعربيةالفصحى لنثبت وجودأمة عربية بالرغم من محدودية شيوع ثقافتها و تراثها خاصة في الوطن العربي.و بالرغم من المحتوى الهائل الذي تزخر بها اللهجة الحسا نية من المفردات القابلة للاشتقاق وتراكيب وصيغ وأوزان متعددة، فإنها قد تتطابق مع أصولها العربية و قد تختلف بل وتكتسب خصائص نحوية و دلالية مغايرة لجذورها العربية مما يعطي للحسانية تميز وانفراد. ومن البداهة أن أوجه التشابه بين اللغة العربية والحسا نية  أكثر و أوضح  من أن نتوقف عند كلها،  لذا فإننا نتطرق هنا  لصور أساسية لأوجه التباين نظرا للتشابه السائد على مستوى كلاهما.  فالتشابه بين اللغة العربية و اللهجة الحسا نية ظاهر و بصورة جلية هذا لان الحسا نية تتضمن على العديد من المفردات العربية و الموجودة أصلا في اللهجات العربية القديمة مثل اليمانية و النجدية و العراقية، بل هناك بعض  من علماء اللسانيات من يعتبر الحسا نيةعربية في معظمها.العربية والموجودة أصلا في اللهجات العربية القديمة مثل اليمانية والنجدية و العراقية، بل هناك بعض  من علماء اللسانيات من يعتبرالحسانيةعربية في معظمها. ومما يجرإلى التباين,التشابه في القواعد كإثبات الإضافة دون استعمال كلمة زائدة، حيث يقال في الحسا نية(أجمل الراجل) أي (جمل الرجل)،
بينما نجدفي اللهجات العربية الأخرى استعمار 
مثل(اديال،انتاع) فيقال (أجمل اديال الراجل). إثبات التثنية كما يثبتها النحاة و لو كانوا يلزمون الياء في المثنى فيقولون مثلا (كالو راجلين) بمعنى (قال رجلان)، و هذا بخلاف اللهجات العربية الأخرى التي تستعين بكلمات زائدة للتعبير عن المثنى مثل (اثنين، زوج) كما هو الشأن في اللغات الأجنبية بالإضافة إلى هذا فان أهل الصحراء الغربية يستعملون في المحادثة بينهم ما يسمى في العربية ب 'التصغير' و الذي يحمل دلالة التحبيب و التلطف و هو معروف في العربية و منه قول الشاعر عمرو بن أبي ربيعة:                   
و غاب قمير كنت أرجوغيابه       وروح رعيان و نوم سمر 
 
والتصغير هنا في كلمة(قمير)وأصلها(قمر)، والتصغير ناذرا ما يستعمل في اللغة العربية مقارنة مع اللهجة الحسا نية التي توظفه بصورة واسعة و من الكلمات المصغرة مثلا (واد،أودي)،(محمود، امحيميد)، فيفهم السامع أن المصغرهنا طفل صغير ومحبوب. وبالرغم من التشابه العريض الذي يطغى على كليهما بحكم عروبة بني حسان، إلا أن اللهجة الحسانية لا تماثل و تتوافق دائما مع اللغة العربية،بل لها أسس و خصائص تنفرد بها شأنها شأن كل لهجات ولغات العالم ، كما أن امتزاجها وتفاعلها مع اللغات الدخيلة عليها وحساسيتها جعلاها تسن لنفسهاقواعد الرسو و التميز ،كتميزها مثلا بتسكين أوائل الكلمات، إذ يبدأ عدد كبير من الكلمات في الحسانية بحرف ساكن حتى و لو كانت من أصول عربية مثل (طْبل،طبل)، و العرب في عادتهم لا يسكنون أوائل الكلمات بل يظهرون على أول حروف الكلمة احدى الحركات المعروفة،  و غير بعيد عن حركة التسكين فان أهل الحسا نية يسكنون كذلك الحرف الذي يلي لام التعريف و يلاحظ هنا الحرف المشدد بعداللام الشمسية يسكن ويفقدخاصية التشديد بخلاف اللغة العربية الفصحى التي يكون فيها الحرف الموالي لأداة التعريف متحركا،ويكون الحرف التابع للام الشمسية مشددا دائما، الشمسية مشددا دائما،  ففي اللهجة الحسا نية مثلا تلفظ كلمة (السْحاب، للسحاب) ، بالإضافة إلى اختلاف الحسا نية و العربية الفصحى في تصريف الأفعال مع بعض الضمائر، و هذا الاختلاف بيين وعميق بلا ريب يبنهما، فإذا كنا نقول في العربية مثلا(انا اكتب،انت تكتبي،هم يكتبون) فإننا نقول في الحسانية(أنا نكْتبْ،أنت تكتبي، وهوما أو هم يكتبو) و قس على ذلك جميع الأفعال. و اختلاف الحسانية و العربية في صيغ الجمع حيث توجد صيغ تختلف بصورة كاملة عن المعروفة في العربية فكلمة امرأة جمعها نساء أو نسوة، بينما جمعها (أعليات) في الحسانية و كلمة كأس جمعها في العربية كجمع فأس فؤوس و بالتالي كؤوس، بينما جمعها في الحسانية (كيسان)، كما أن هناك فرق شاسع في دلالة الكلمة الواحدة في العربية مع الحسا نية المقصود هنا أن ترد كلمة في الحسا نية و هي موجودة في العربية فيفهمها العربي بغيرما يفهمها العارف بالحسانية كقول الشاعر:   الحك اللي ماه كهان   من لعرب لغلاظ أهل الشان
فكلمة غليظ في العربية تعني فظ أو خشن وهذا ما لا يدل عليه المعنى في الحسا نية إذ تحمل معنى ايجابي للرجل المترفع عن الدنايا و ذو مكانة و شأن، كذلك كلمة (بائقة) التي تعني بالعربية المصيدة أو الكارثة و الشاهد قول سامي البارودي إذ قال:                            
 يا روضة النيل لامستك بائقة                                                    و لا عدتك سماء ذات إغداق     

بينما (بايقة) بقلب همزة الوسط ياء و لفظ القاف هنا مثل الجيم المصرية تعني كثير بالحسانية  كقولنا(بايقة من السكر) أي كثير من السكر.كما نجد أن الحسا نية تتميز بالخلط الشائع في حروف الكلمة الواحدة ذات الأصل العربي و قلب بعض الحروف و المخالف  للقلوب المعروفة في العربية كقلب الغين قافا، قلب الضاد ظاء، و قلب القاف إلى جيما مصرية، و قلب السين صادا، و قلب الهمزة إلى ياء مثل ما رأينا سالفا في كلمة(بايقة، بائقة) وهذا القلب ليس بخطـأ إنما انحرافات بسيطة تميز اللسان الحساني عن باقي الألسنة العربية التي تستعمله كذلك و شأنها في ذلك شأن كل لهجات العالم.   
وفي الأخير إن أي محاولة ولو بسيطة لتقديم أي تراث لأي امة كمحاولة لإثبات وجودها من خلال دراسة اللغة المنطوقة كونها مقوما أساسيا لتلك الأمة، فالشعب الصحراوي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي و من خلال السطور التي تقدمت نكون  قد حاولنا توضيح انتماء و أصل امة عربية  وظفت لهجتها كلغة خطاب في صحافة الشعر لنقل الأخبار قديما إلى سلاح الكلمة حديثا كصرخة في وجه الاستعمار، هذه الكلمة التي تعتبر 84 بالمئة عربية فصحى بالرغم من اختلاف طفيف في الخصوصيات وطريقة النطق.

   لأطلال في الشعر الحساني  بقلم : محمد احمودي  

تتميز اللهجة الحسانية بغنائها المثير بالأنماط التعبيرية الشفهية المتنوعة ،ففي المجتمع الصحراوي الذي تقل فيه الكتابة و وسائلها تصبح التعابير الشفهية هي وسيلة التواصل و الناقلة للتجارب و الحافطة للذاكرة الشعبية الجماعية التي تترسخ و تتجذر من خلال جلسات الشعر التي تميز ليل الصحراء الطويل حيث لا وسائل ترفيه و لا وسائل تواصل عدى تلك الصور الجميلة المحمولة عبر ثنايا أبيات الشعر الشعبي الحساني

ظل الشعر الحساني بجميع أغراضه التي شملت جميع مناحي التعبير من مدح و غزل و رثاء و بكاء على الأطلال مواكبا و حافظا لحياة المجتمع الحساني الصحراوي، و كذا تعبيرا صادقا عن عواطفه و مشاعره تجاه كل ما له قيمة إنسانية، و بالتالي ليس بالغريب إن انفرد موضوع الأطلال بقصائد و ربما يطغى نفس الغرض على دواوين معظم الشعراء الصحراويين و هذا ما يميز الشعر الحساني عن نظيره العربي الفصيح الذي عادة ما يستهل قصائده العمودية بأبيات من الأطلال و لكنه لا يفرد لها قصائد مستقلة عن باقي الأغراض الأخرى المشهورة.

 الأطلال أو ما يسمى بالحسانية (لوكار،التفقاد) و هي فرصة يقف فيها الشاعر للتأمل و تذكر زمن ماضي جميل أو حادثة ما ألمت بالشاعر أو الرجوع بالذاكرة إلى مواقع عيش الصبى أو حرف اعتادها و بالتالي تتدفق هاته الأحاسيس على شكل الهام شعري تدفعه إلى رسم هذه المواقع أو الأحداث بكلمات لها مدلولات تتأقلم مع الحادثة .

    و ارتباطا بزمن الصبى ومرتع الطفولة فان الشاعر أحيانا تتهاطل على ذهنه ذكريات البراءة المرتبطة أساسا بطفولته و التي يحن لها أحيانا و هو في الشيخوخة و هذا ما نجده كذلك في خبايا الشعر العربي بل انه يشكل ابرز السمات التي غلبت على معظم شعرائه خاصة في العصر الجاهلي ,هذا يدفعنا إلى القول أن الشعر الحساني ليس طفرة بل هو حلقة في سلسلة ثقافية تشكل الثقافة العربية مهدها و الأصل فيها و لعل هذه الأبيات الحسانية لخير دليل على تعلق الشاعر بماض لم يفارقه بالرغم من التغيرات التي حدثت على المحيط الذي يعيش فيه،إذ يقول الشاعر الثائر الزعيم علال:

        تشوف أجموع الطافيلات     تتنيل و  تبني   لوزار

       والشبان أعلى مجموعات     تلعب هيب ومرة تتكار

       افظامة  و تعدل  جولات       فاللز و تتحاكى لشعار

  و إذا تذكر الشاعر مثلا موضعا في الصحراء أو منطقة قطنها فعاش في ضيافة أكنافها و ترعرع بين ذراعيها و

  تذوق حلاوة أيام شبابه يتجول بين تلالها و يتنفس نسيم جبالها الشامخة، و شاءت الأقدار أن ارتحل عنها مرغما، فبمضي الأيام يجد الشاعر نفسه في موضع غير الذي آلفه، هذا ما يجعل ذاكرته تضطرب بهيجان   ذكريات العيش الرغد، فيدفعه الحنين إلى نسج كلمات و أوزان للتعبير عن إحساسه و آلامه و شوقه الدؤوب إلى تلك الأماكن و الأيام، و هذا ما يتجسد بصورة جلية في بكاء الشاعر الكبير الزعيم علال على فراق ربوع وطنه الساحر و أيام شبابه الذهبية في قوله:

    فتراب  الوطن ما  خليت       ڤلب و علب و لا تشريت

    ماجيت أعليه وفيه أعطيت     دهر أطويل و جربت أطوار

    الدهر و ريت  التاسدبيت       الوغرة و أجبرت  التبكار

و في نفس السياق دائما و في تذكار الأطلال و مواطن الترعرع يقول الشاعر القدير بادي محمد سالم:

  لمبيدع و قرد و لعليه       باط الظلعة  صد من امقد        

     قلب اشلاي أنا  نبغيه       قلب وغرد وظلعة ومصد

    فهذا الكاف(بيتين يلزمون القصيدة الحسانية) مطلع قصيدة "لمبيديع"و فيها يبكي و يتغنى مواقع في"تيرس "، إذ يصور فيها الشاعر ماض جميل ليقارنه مع ما آلت إليه الآن بمعنى أن هذه القصيدة قيلت في زمن تبلورت فيه المفاهيم و حدثت تطورات سياسية و اجتماعية كبرى غيرت مفهوم الحياة و العيش بالنسبة لمجتمع بدوي آلف البداوة و الترحال و رعي المواشي , غير أن هذه الظروف لم تمنعه من تذكر معالم هي في الحقيقة جزء من عقيدة المجتمع الصحراوي فموضوع الأطلال الممزوج تارة بالنسيب و تارة أخرى بمواقف بطولية ظلت تحرك و تهيج عواطف و مشاعر الإنسان الصحراوي. ومن هذا المنطلق يمكن أن نعد غرض الأطلال سجلا يدون مراحل مميزة من حياة الإنسان الصحراوي و بعض المواقف و الأوكار بقدر ما هو ظاهرة إنسانية، اجتماعية و نفسية، و هي عنصرا مهما في عملية التواصل و دليلا للذين لم يكتب لهم القدر رؤية تلك المعالم.

  جراح الخريف  بقلم : حمه المهدي البهالي

أرخى الليل سدوله على يوم شاق من أيام تلك الأم الصابرة والمرابطة، تنتظر بدر الأمل على جلسة الشاي .. كل شي على ما يرام في سكون الليل الهادي ... يشعل ابنها سلامة المذياع، يطرق سمعها الخبر الأبرز في الأخبار اكتشاف مقبرة جماعية في السمارة المحتلة. ... يذكرها الخبر بجرح بقي ينزف في داخلها أكثر من ثلاثة عقود .. تحاصرها خيالات .. تغوص في بحر الذكريات ومشاهد .. أشلاء.. دماء...طائرات .. الناس تهرع من الخيام ... أصوات صراخ الأطفال والنساء ... صياح الماشية وهي تجفل ... الاختباء في الكهف .. جحيم على أنقاضه نجت هذه الأم المفجوعة ـ بفقد زوجها وبناتها الثلاثة وابنها محمد ـ لتروي حقيقة ما حدث في ذلك اليوم من جراح سقطت معها كل أوراق الخريف ... كنا سعداء نتنفس هواء تلك الأرض النقي ونرى الحرية من خلال شمسها البراقة والأرض الساحرة الفسيحة "بڤلابتها" التي تعانق السماء وأوديتها التي تأسر النظر ... أحببنا تلك الأرض لأننا تربينا فيها ... سلامة أنت كنت صغيرا كنت تعانق خروفك الذي كان سبب نجاتك .. كنت متعلقا به تلاعبه وتسابقه.. هو أيضا كان يحبك عندما تخلف عن الغنم في تلك الليلة.. لنجدتك . تتوقف آه لكن ـ دوام الحال من المحال ـ في ذلك اليوم الذي لا يمكن أن أنساه استيقظنا باكرا لان سلامة لم ينم ليلته من شدة التفكير بمصير خروفه الضائع والذي لم يرجع مع الغنم في المساء .. كانت السماء ملبدة بالغيوم وكنا ننتظر غيث السماء منذ فترة .. اتجهنا صوب الكهف الذي ترعى الغنم دائما حوله بحثا عن الخروف ... وصلنا إلى الكهف وبدأنا نفتش زواياه .. فجأة سمعنا أصوات تقترب بسرعة ... اهتز الكهف من شدتها.. صمت أذاننا .. حينها اختلطت زوابع الخريف بريح الاجتياح المغربي التي عصفت بالمنطقة وحولتها إلى رماد. . اختبأت الأم وخبأت ولدها ... داخل الكهف وشاهدت المجزرة بتفاصيلها من بابه الواسع .. رأت ابنها محمد وهو يسقط فتخفي وجهها وتغطي الصغير بملحفتها حتى لا يرى المجزرة .. زوجها يخرج سلاحا للصيد يواجه به.. وابل من قذائف الطائرات .. بناتها الثلاثة يقتلن الواحدة تلو الأخرى .. خيمتها التي نسجتها في وقت طويل تشتعل دفعة واحدة ... تيقن الغزاة ـ بعد قصف كل ما برز على الأرض من بشر أو حجر أو شجر ـ بفناء كل شي فغادروا المكان ... عادت الأم على استحياء وهي مثقلة بوقع الكارثة.. إلى ارض المعركة .. وجدت أشلاء جثث متناثرة... لم تميزها من شدة القصف كان أكثرها حظا ابنها محمد الذي أرادت له الأقدار أن لا يموت حتى يودعها ... وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة .. أمي ... لا تبكي .. لا تحزني .. سنلتقي يومـــــــــااااا... عدت إلى الكهف لأمضي بقية اليوم اهدي من روع سلامة الذي كان يرجف وتصطك أسنانه من شدة الهلع .. اخبي وجهي وأضم سلامة على صدري حتى لا يرى حزني العميق ودموعي المنهمرة.. انتظرت غياب الشمس لأستعين بظلام الليل على الابتعاد عن المنطقة التي ظل الطيران طيلة اليوم يحوم في أجوائها ويرمي بشرره .. نام سلامة .. استرحت من تلك الأسئلة المحرجة التي لم يتوقف عن طرحها...أين أبي ..محمد .. أخواتي .. خروفي .. من فعل هذا بخيمتنا.. حزمته على ظهري .. ليبدأ طريق النزوح الطويل والوعر على الأقدام .. ولا ندري إلى أين ينتهي المهم الابتعاد عن المنطقة .. بعد ليلتين من المشي يطلع الفجر من اليوم الثاني على سيارة مكتظة بالنساء والأطفال، حاولوا أن يجدوا لي ولصغيري مكانا بينهم ... فركبت .. كانت رجلاي متورمة وتنزف دما من طول السير ووعورة الأرض .. أخذت السيارة طريقا طويلا كانت تنفضنا حتى تورمت أجسامنا من شدة الإفراط في السرعة ... هربا من طائرات الغزاة التي لم تتوقف عن مطاردتنا بالقصف المكثف .. بحثا عن حياة لتقتلها. كنا في الطريق نمر على أشلاء أطفال ونساء وشيوخ منهم من عجز عن الفرار ومنهم من قرر أن يبقى في أرضه حتى لو كان الثمن روحه .. لا زلت اذكر تلك المرأة التي مررنا بها وهي تصرخ وتمزق ملابسها وتنادي بأعلى صوتها .. وقفنا لنقلها وإسعافها هربت خائفة من صوت السيارة .. ظنناها في البداية مجنونة ... فقيل أنها فقدت جميع عائلتها وبصرها بسبب الغازات السامة التي كانت تبعثها الطائرات... تعاطف الجميع معها وحاولنا التخفيف من وقع الصدمة إلا أن جرحها كان ينزف وبغزارة كان أعمق من جراحنا.. طمأننا احد الثوار .. انتم الآن في أمان رغم الحزن الذي كاد يقتلني .. أحسسته سكينا يعبث بداخلي . .سرطانا ينخر في جسدي .. إلا أنني حاولت إخفاءه لأنه لا يحزنني خسارة زوجي وأبنائي وارضي .. ففي الحقيقة هي ليست خسارة.. فهم نالوا شرف الشهادة ويسرحون الآن في أودية الجنة ويسبحون في النعيم الأبدي .. وإنما الذي يؤرقني هو أنهم قتلوا بتلك الطريقة أمام عيني وهم يحاولون التصدي للغزاة بسلاح الصيد البسيط ... أتدرون: كنا نحضر لزواج محمد الذي قتلته يد الغدر قبل أن أرى حلمي يتحقق في الحفيد الذي طالما حلمت به لينعم بالشهادة .. كان حينها يستعد للسفر ليقتني لوازم الزواج ويعلم باقي العائلة بموعده القريب .. محمد هو ابني البار الذي ذهب بي لأداء فريضة الحج في البقاع المقدسة كانت لحظات مفعمة بالإيمان .. ذقت بجانبه طعم الحياة .. محمد هو الذي كان لا ينام حتى أنام ولا يأكل حتى اشبع .. يمرض لمرضي ... ويسعد لراحتي .. ما أبعدكم من محمد رغم انه لم يدرس في مدرسة سوى مدرسة البداوة إلا أن أخلاقه فاقت أخلاقكم التي درستموها في جامعات الآداب ... انتهي بنا الطريق إلى هذه لحمادة التي بنينا فيها خنادق تحت الأرض نختفي فيها عن القصف كلما خلنا أو سمعنا صوت وفي الغالب كان أزيز الطائرات وأصوات القذائف والقنابل التي لم يكن يفارق أسماعنا من الصدمة الأولى مصدر رعب يلاحقنا...

نلفت عناية القراء الكرام الى امكانية زيارة  و تصفح مجلة الرسالة الاكترونية على الانترنت وكذا الاتصال بمديرها العام الزميل www.khayma.com/risalaحمة المهدي البهالي و اثراء النقاش و التحاور عبر العنوان التالي

 

 

| الصفحة الرئيسة | | أضواء على السياسة | | معالم واثار| | قضايا | | الضوء الثقافي| | ديننا الحنيف | | خلجات مثقلة | | وجهة نظر |

للاتصال بمجلتكم الأضواء و للتعبير عن آرائكم و اقتراحاتكم الرجاء مراسلة قسم الإعلام على العناوين
 Algharb_edit@yahoo.es / Algharb_media@yahoo.es
أو على رقم الهاتف: 0668163979
جميع الحقوق محفوظة © مجلة الاضواء 2008/2009 فرع المحجوب السالك بالغرب الجزائري