دور الصوت والصورة في صنع الزعامة
 

دور الصوت والصورة في صنع الزعامة

غسان الإمام


أيهما أقرب الى قلوب الأميركيين: بوش أم كلينتون؟
كلينتون في الصوت والصورة يتفوق على بوش. فهو أكثر وسامة وأهدأ صوتاً. لكن الذين يفضلون «التكساسي الحمش» يرون بوش أشد حرارة، وان كان جبينه الضيق النافر لا يوحي بالذكاء.
وبالفعل، فقد سقط بوش في حل «فوازير» التاريخ والجغرافيا التي أُمتحن بها في التلفزيون عندما كان مرشحاً. ولم يكن في دهاء ميتران الذي كان يرفض الاجابة على مثل هذه الأسئلة المحرجة، ويقول لسائليه: «لم آت الى هنا لكي أخوض امتحاناً».
وعلى أية حال، فبوش الرئيس لم يسقط في امتحان الأيام المائة الأولى من ولايته. وهو يسخر من نفسه ومن الصحافة التي بالغت في تصوير «جهله»، ويقول ان تشيني وباول وكوندوليزا رايس يتولون الاجابة عنه في الامتحانات والقرارات السياسية.
ومنذ ان بدأ الاعلام المرئي والمسموع يلعب دوره في صنع الزعامة السياسية في النصف الثاني من القرن العشرين، لم يعد الفهم والذكاء من مواهب الرئيس الأميركي الضرورية. والدليل ان رونالد ريغان «أجهل» رؤساء اميركا كان أكثرهم شعبية وقرباً الى القلوب.
وعندما فضلت اميركا ريغان على كارتر المجتهد المدقق في التفاصيل، لم تكن تدري انها انتخبت رئيساً مخرفاً. فقد كان ريغان آنذاك عجوزاً في التاسعة والستين. وشكراً للشمبانزي «بونزو» الذي درب ريغان في السينما على كيفية اجتذاب الناس. واستغل ريغان مواهبه المكتسبة لتحسين صورته واستمالة ملايين الأميركيين اليه عبر الاذاعة والتلفزيون، وأخفى عنهم مرض العته (الزهايمر) الذي بدأ منذ ذلك الحين يدغدغ ملكاته العقلية.
يبقى جون كنيدي الرئيس الذي سحر الأميركيين، لأن وجهه (فوتوجنيك) صالح للتصوير عندما بدأ التلفزيون منذ الستينات يحل محل الصحافة والاذاعة في صنع الساسة. وعنه قالت جين تيرني احدى جميلات السينما: «لقد أصبت بالدهشة عندما نظر اليّ جون بعينيه الزرقاوين».
صادق كنيدي فاتنات هوليوود، لكنه تزوج مصورة صحافية. ومع أناقة البنت الحلوة جاكلين ذات الأصل الفرنسي عرف التلفزيون أجمل ثنائي رئاسي في القرن الماضي.
رفض مرشح الحزب الديمقراطي آل غور ظهور كلينتون معه للاستفادة من جاذبيته الشعبية في الحملة الانتخابية. وفضل الظهور مع «نائبه» العجوز المهترئ جوزف ليبرمان الذي نصحه بالنأي عن رئيسه بحجة مغامراته النسائية، فكانت الحملة باهتة وفاترة. وفضل الأميركيون «الأسوأ» بوش على «السيئ» آل غور ذي الوجه الباهت وعلى شريكه الحاخام السياسي ليبرمان.
وتشكل الزوجات والأمهات والأولاد وحتى «الحموات» سلعاً للدعاية الانتخابية. فالمرشحون يحرصون على الظهور وسط هذه «الزفة» العائلية ليوحوا باستقامتهم وحياتهم الأسرية السعيدة لملايين الأميركيين في عمق الريف الذين ما زالوا مؤمنين بالفضائل العائلية والقيم الاجتماعية المحافظة.
«السيدة الأولى» لقب غير رسمي لا تتقاضى عنه زوجات الرؤساء مرتباً او مكافأة، لكنها في العالم العربي كمية نسائية وعائلية مجهولة تماماً، وحتى ظهورها فقط في مصر وسورية ولبنان وتونس والأردن وفلسطين غالباً ما يكون بعيداً عن مشاركة رئيس الدولة في الصورة. فهي لا ترافقه إلا نادراً في المناسبات والاحتفالات العامة والزيارات الخارجية. مع ذلك سواء في ظهورها او اختفائها فـ«السيدة الأولى» راحت تشارك في نشاطات ومجالات اجتماعية كثيرة.
كان أول ظهور علني للسيدة الأولى في الشرق الاسلامي الحديث في.... أفغانستان (!). فقبل ظهور طالبان بسبعين سنة ارتدت الملكة السورية الأصل القبعة وظهرت الى جانب زوجها الملك أمان الله خان.
وتتضاءل أهمية ظهور السيدة الأولى صوتاً وصورة أمام حرمان المرأة في أرجاء عربية كثيرة من حقوقها السياسية. فما زالت الحركات السلفية الكويتية، مثلاً، تجادل في منح المرأة حق الانتخاب، فيما شاركت في تحرير الكويت مائة ألف مقاتلة اميركية، بل وكانت احداهن أول أسير اميركي يقبض عليه صدام.
الأردن بلد اكثر محافظة من شقيقته سورية. لكن شجاعة الملك حسين وشعبيته سمحتا بظهور زوجاته الأربع الى جانبه، فيما لم تظهر زوجة الرئيس حافظ الأسد اعلامياً الى جانبه على مدى ثلاثين عاماً.
ويبدو ان جيل القادة الجدد اكثر شجاعة وتحرراً، فالملكة رانيا لا تغيب عن الظهور مع زوجها الشاب الملك عبد الله، بل باتت تشكل معه ثنائياً شعبياً ناجحاً.
وها هو شاب آخر يخالف قاعدة أبيه. فعلى الرغم من ان الرئيس بشار عقد قرانه بعيداً عن عدسات الصحافة والتلفزيون في حفل عائلي صغير بسبب الحداد على والده، فسرعان ما ظهرت السيدة السورية الأولى الى جانبه في استقبال رئيس بلغاريا.
استقبل السوريون ظهور السيدة أسماء الأسد الأخرس برضاء وترحيب. والانطباع الأول للصورة يوحي بأنها شابة تحاكي في خجلها وقصة شعرها ديانا اميرة بريطانيا التي لا تُنسى. وطولها ينسجم مع رئيس يفوق رؤساء العالم جميعاً في الطول.
لكن أناقة اسماء ورشاقتها تلفتان الأنظار. ولعل في «ماكياجها» الهادئ وذوقها الرفيع في اختيار الألوان درساً في الأناقة البسيطة جداً للسوريات من الطبقتين البورجوازية والوسطى اللواتي يملن الى السمنة، ويحاكين البورجوازيات المصريات في «الماكياج» الصارخ وألوان الثياب البراقة غير المتناسقة.
لا أدري لماذا يتحرج القادة من الظهور في صور عائلية. فهي توحي بالألفة وتنمي التعاطف بين الحاكم والمحكوم، وتشعر الانسان العربي العادي بأن الرجل الذي يسكن فوق هو انسان ايضاً، وههو رب عائلة مثله ولديه زوجة وأولاد كبار وصغار، ويختلف تماماً عن الصور الصارمة التي لا تمل التلفزيونات والصحافة من نشرها.
لم تترك المرأة والصورة مجالاً كبيراً لي للحديث عن دور الصوت. الواقع ان الصوت تقهقر لصالح الصورة في صنع الزعامة بعد تفوق التلفزيون على الاذاعة والصحافة في الانتشار.
مع ذلك، فقد لعبت اصوات الزعماء دوراً كبيراً في صنع مآسي القرن العشرين وأفراحه. كان النقاش النمسوي أدولف هتلر أخطب خطباء القرن العشرين. وبصوته الهستيري المتحالف مع اختراع المذياع (المايكروفون) ساق المانيا والعالم الى اكبر مجزرة في التاريخ.
وكان سعد زغلول أخطب خطباء العرب في وقت لم يكن مكبر الصوت معروفاً. لكن السياسي المصري الراحل فتحي رضوان قال لي انه يعتبر الدكتور عبد الرحمن الشهبندر أخطب من سعد زغلول. وكان هذا الزعيم السوري الكبير قد اضطر الى اللجوء الى مصر بعدما قاد اكبر الثورات السورية على الاستعمار، فبهر المثقفين المصريين وجيل رضوان في الثلاثينات بخطابته وفصاحته وثقافته السياسية الرفيعة المتقدمة على عصره.
كان الشيخ بشارة الخوري اول رؤساء لبنان /الاستقلال محامياً وخطيباً بليغاً. ولم يكن نده السوري شكري القوتلي يجاريه في الخطابة والثقافة. وتولى الأديب فؤاد الشايب صياغة خطبه الانشائية بلغة أدبية مفرغة من أي مضمون اجتماعي، في وقت كانت آيديولوجيا التغيير تلهب الشارع السياسي السوري.
وجاء عبد الناصر ليقلب بالصوت والصورة لغة الخطابة، فمزج العامية المصرية المحببة عربياً بالفصحى، وتحالف مع «الترانزيستور» ليُعلن ديمقراطية الخطاب الجماهيري فوق ديمقراطية الحريات السياسية.
لم تعد الزعامة الآن بحاجة الى الخطابة العاطفية. الرئيس مبارك ليس خطيباً، لكنه مع المران أصبح محدثاً سياسياً بارعاً. وأحاديثه الأخيرة للصحافة الأميركية والألمانية شاهد ودليل.
من حسن حظ العرب ان صدام يملك الصوت الرديء وانشاء الحزب القومي لا في أدبياته العفلقية الرومانسية، وانما في ركاكة زعيم لم تتوفر له أية ثقافة تؤهله لكي يكون «مفكر الحزب»، كما يرسمه ويصوره الطارق عزيز والماجدة رغدة نعناعة المبهورة بضخامة الجثة.