الرأي
   
عــودة إلى عنــاوين مقــالات الــرأي

تجربتي مع الفكر الأوروبي

هاشم صالح




سوف اقولها بكل صراحة وبدون اي لف أو دوران: لو لم تتح لي الفرصة لان اذهب الى أوروبا قبل اكثر من ربع قرن لكنت قد عشت ومت من دون ان افهم شيئا! تجربة اوروبا كانت حاسمة لعدة اسباب. اولها انها تتيح لك ان تبتعد عن نفسك وبيئتك الاولى ومحيطك. باختصار فإنها تتيح لك ان تتنفس الصعداء، ان تنظر الى ماضيك واصلك وفصلك من مسافة. انها تتيح لك ان تصفي حساباتك مع نفسك.. وبالتالي تخفف الاحمال والاثقال عن ظهرك.
وثانيها هي انها تتيح لك ان تتقن لغة اوروبية حديثة مليئة بالمراجع في شتى انواع الاختصاصات والعلوم. وحتى تاريخ العرب والاسلام ما كان بامكاني ان افهمه بشكل تاريخي لولا اطلاعي على بعض الكتب الاساسية في اللغة الفرنسية. ومعظمها ان لم يكن كلها غير مترجم الى العربية. واذا ما ترجم فنادرا ان تكون الترجمة صحيحة أو موثوقة..
كل الفتوحات المعرفية التي حصلت في اوروبا منذ القرن السادس عشر وحتى الآن ما كان بامكاني ان اطلع عليها لو ظللت محصورا بلغتي الاصلية: اي العربية. عندما اقول هذا الكلام لا اشعر بالفخر بقدر ما اشعر بنوع من الأسى والحزن واتساءل: الى متى ستظل هذه الثورات العلمية والفلسفية مجهولة في اللغة العربية؟ متى ستصبح اللغة العربية لغة علم وفلسفة، مثلها في ذلك مثل اللغة الانكليزية والفرنسية والالمانية وبقية اللغات الحديثة الحية؟ متى ستتوافر فيها كل المراجع الضرورية؟ وثالثها هو ان الابتعاد عن الذات يجعلك تفهم نفسك بشكل افضل. يحصل ذلك كما لو انك كلما ابتعدت اقتربت أو رأيت نفسك عن مسافة وبشكل موضوعي اكثر. فلكي تفهم نفسك ينبغي ان تنفصل ولو للحظة عنها وعن كل التاريخ الذي شكلها والتراث المتراكم الذي صاغها واصبح عبئا عليها.. واخيرا فهناك سبب اساسي يشرط كل الاسباب السابقة الا وهو: حرية التفكير والتعبير، حرية الفهم والتنفس الثقافي اذا جاز القول: ان نسمة الحرية التي تهب على اوروبا منذ عدة قرون هي التي صنعت مجدها وحضارتها وتفوقها على جميع شعوب الارض. ان تجربتها في تعزيل ذاتها من ذاتها، اي من شوائبها ورواسبها هي اثمن ما اطلعت عليه في حياتي.
أمامي الآن وانا اكتب هذا المقال سلسلة مقالات كانت جريدة «الفيغارو» قد ابتدأت نشرها منذ امد قصير. وهي تتركز حول السؤال التالي: اين هم المثقفون المسيحيون في اوروبا، أو في فرنسا على وجه التحديد؟ هل تبخروا أم ذابوا، أم اندثروا؟
ويشارك في هذا التحقيق كبار المثقفين ذوو المشارب الدينية أو المسيحية تحديدا. نقول ذلك ونحن نعلم ان التيار الديني في الثقافة الفرنسية خصوصا والاوروبية عموما كان قد انحسر وتقلص كثيرا بفعل تقدم الحداثة وانتشارها في المجتمع. ونحن المثقفين العرب عندما نتحدث عن الفكر الاوروبي نادرا ما نشير الى التيار «المؤمن» ظنا منا أنه انتهى كليا ولم يعد له من وجود. نحن نركز على تيار سارتر، أو ميشيل فوكو، أو جيل ديلوز، أو سواهم ممن خرجوا كليا على الدين المسيحي، أو على المسألة الدينية بشكل عام.
وننسى ان التيار الفكري الذي يستلهم المسيحية لم ينقرض قط في الساحة الفرنسية، لا ريب في انه دفع ثمن الاصولية ومحاكم التفتيش التي شاعت في العصور الماضية الى حد انه لم يعد يتجرأ على ان يرفع رأسه. وهذا أمر طبيعي. ولكن الاصولية في الغرب لم تعد تهدد احدا ولم تعد تشكل اي خطر على حرية الفكر لسبب بسيط: هو انها غير موجودة. او قل ان قاعدتها الاجتماعية تقلصت الى حد بعيد. هذا في حين ان التيار المسيحي الليبرالي ـ اي التحرري ـ هو السائد والمسيطر على الساحة.
يضاف الى ذلك ان التدين المسيحي الشائع في اوروبا هو نوع آخر مختلف تماما. فقد اخترقته الافكار العلمية والفلسفية الحديثة الى حد انه فقد كل الطابع القمعي او الارهابي لتدين القرون الوسطى. عندما نتحدث عن المثقفين المسيحيين هنا نقصد كتابا كبارا من امثال الفيلسوف هنري بيرغسون، أو الكاتب الكبير شارل بيغي، أو جورج برنانوس، وفرانسوا مورياك، أو جان غيتون، او الفيلسوف البروتستانتي الذي لا يزال حيا: بول ريكور. وهؤلاء كلهم هضموا الثقافة الحديثة الى درجة ان تدينهم يشبه الفلسفة الحرة من كل القيود.. وبالتالي فلا ينبغي ان نخطئ في فهم الكلمات والمصطلحات. فكلمة دين أو تدين، أو مسيحي هنا، لم تعد لها علاقة بما سبق. أو قل ان لها علاقة بالجوهر لا بالقشور: اي بالاسئلة الميتافيزيقية الكبرى التي تطرح على الوجود البشري. انه ايمان ما بعد التنوير لا ما قبله.. انه يأخذ من الدين المسيحي روحانية الانجيل والقيم الاخلاقية العليا ويطرح كل ما عدا ذلك.
لو لم اجئ الى اوروبا لما عرفت ان هناك طريقة اخرى لفهم الدين غير الطريقة القديمة الموروثة منذ مئات السنين. كنت قد بقيت محصورا بالذهنية العتيقة معتقدا انها هي وحدها الممكنة. كنت قد بقيت اعمى البصر والبصيرة! ولا أخجل من قول ذلك ولا اتردد بالتصريح به على رؤوس الاشهاد. نعم ان اكبر كشف معرفي اتيح لي ان اطلع عليه هو هذا الكشف. انه اهم من كشوفات نيوتن وآينشتاين في نظري. أو قل انه الكشف الذي ادى الى ظهور شخصيات ضخمة من نوعية نيوتن وآينشتاين. انه حرية الروح، تحريرها من قيودها وأصفادها، من سجونها اللاهوتية وارهابها. نعم لقد حطت الروح رحالها في اوروبا في العصور الحديثة. فمنذ القرن السادس عشر او حتى منذ الرابع عشر والخامس عشر اخذت الروح تختلج فيها ونسمة الحرية تهب عليها، وكان ان انتعشت كل الفنون والعلوم، كل الآداب والفلسفات. وكان ان تجدد فهمهم للدين وانقلب رأسا على عقب.
من المعلوم ان مشروع الدستور الاوروبي الكبير هو الآن قيد الاعداد باشراف الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان. وهذا الدستور الذي يلخص حضارة اوروبا وقيمها أتى خاليا من اي اشارة الى المرجعية المسيحية، اي الى الارث المسيحي للقارة الاوروبية. وهذا ما أحزن البابا كثيرا، وحاول ان يضغط بكل ثقله لكي يدخلوا فيه مادة تقول بوجود هذا الارث ومشروعيته. ولكن عبثا. فلم يستمع احد اليه. ورفض الاليزيه ان يتدخل في الموضوع لصالح البابا بحجة الحياد والعلمانية. بل ارتفعت اصوات تندد بأي تدخل لرجال الدين في هذا الموضوع. فالدستور موجه لكل البشر وليس فقط للمسيحيين. انه دستور كوني موجه للانسان اينما كان، وأيا تكن اصوله العرقية أو الدينية أو المذهبية. وبالتالي فهو دستور يستلهم فلسفة كانط والتنوير وليس عقيدة الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان. وهكذا نكون قد عدنا الى ذلك الصراع الدامي من جديد، اقصد الصراع بين الفلاسفة والكهنة. ولكن يبدو ان اوروبا في طورها لتجاوز هذا الصراع. لقد شبعت منه حتى استنفدته. وهنا يكمن نضجها الحضاري في نظري.
وهكذا يطل عصر جديد في الفكر الاوروبي هو عصر المصالحة بين الايمان والعقل، بين الفكر الديني والفكر العلمي، بين اللاهوت والفلسفة، نعم اني احسد الاوروبيين على هذا التقدم الهائل الذي حققوه. احسدهم واغبطهم في ذات الوقت. وعندما انظر الى حالهم وحالنا أكاد اصاب بالهلع والفزع الشديد، ولا اكاد اصدق اننا نعيش على نفس الكوكب الارضي!
عــودة إلى عنــاوين مقــالات الــرأي
مواضيع ذات صلة
إنسخ في الذاكرة المؤقتة أرسل النص بالبريد الإلكتروني إطبـــــــع إحفظ في الأقــراص