|
نشوء اللغة..
وتطورها
خالص جلبي
حتى يمكن أن نقرب معنى اللغة فعلينا
ان نستخدم مصطلحات الرياضيات. فنحن بالمتوسط نستعمل يومياً عشرة
آلاف كلمة وأربعة آلاف فعل، وهذا يفتح الامكانية لتشكيل 6.4
بليون جملة من حجم خمس كلمات. واذا اردنا نطق هذا الكم الفلكي من
الجمل وبمعدل خمس ثوان لكل جملة، احتجنا إلى مليون سنة. هكذا قدر
عالم اللغة ستيفن بينكر teven Pinker) الموضوع من معهد ماتشوسيتت
التكنولوجي Massachusett Institute of Technology.، وعندما يصل
الانسان البلوغ يكون قد نطق خمسين مليون كلمة. ولكن ما اهمية
اللغة للإنسان حتى يضع القرآن الحق موازياً للنطق فورب السماء
والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون؟ الجواب على هذا يصيغه
الفيلسوف الألماني فيلهلم فون هومبولدت Wilhelm von Humboldt على
الشكل التالي: «لم يكن الانسان ليصبح انساناً بدون لغة. ولكن حتى
يخترع الإنسان اللغة يجب ان يكون انساناً» والمعنى من بدأ بمن
ومن خلق من؟ اللغة أم الانسان؟ هذا السؤال المحير: متى بدأ
الانسان بالنطق؟ وهل هناك لغة أصلية (أم) اشتقت منها بقية
اللغات؟ وهل لو تركنا الطفل بدون ان نعلمه أي لغة سوف ينطق بلغة
اساسية هي الاصل المنسي والمغطى من لغات التعلم اللاحقة
المختلفة؟ هذا السؤال دفع الكثيرين لاجراء تجارب. وينقل لنا
التاريخ المحاولات الأولى عن الفرعون بسماتيك الأول قبل 2600 سنة
وملك صقلية المثقف فردريك الثاني وملك سكوتلاندا يعقوب الرابع،
انهم اجروا تجاربهم على أطفال فأطعموهم على يد حاضنات لا ينطقن
بحرف او يهمسن بمناغاة ليروا ماذا يحدث وبأي لغة ينطقون؟
والنتيجة الصاعقة كانت ان الأطفال لم ينطقوا ولم يعيشوا بل
ماتوا. وهو يفسر حاجة الطفل للكلام كحاجته للطعام. وفي عام
1799حدث كشف مثير لشاب صغير عثر عليه في غابة أفيرون في فرنسا
منعزلاً عن المجتمع في هيئة حيوانية، والمدهش فيه كانت قوة بدنه،
ولكنه كان اقرب الى الحيوان، وحاول الدكتور كاسبار إيتار تعليمه
اللغة والعادات الاجتماعية: فأما طعامه ولباسه فتأقلم بعض الشيء،
أما اللغة فلم يكن اليها سبيل، فقد عجز عجزا مطلقا عن الامساك
بمفاتيح اللغة باستثناء كلمات محدودة، وكانت النتيجة المأساوية
التي قادت اليها التجربة: ان الانسان اذا انقطع عن المجتمع في
سنوات عمره الأولى فاتته اللغة بدون رجعة. كتب إيتار يقول: «يأتي
الانسان الى هذا العالم بدون قوة جسدية، وبدون أفكار تولد معه،
وغير قادر بذاته على متابعة قوانين طبيعته الاساسية التي ترفعه
الى قمة المملكة الحيوانية، ولا يستطيع الوصول الى المركز
المرموق الذي اختصته به الطبيعة الا اذا كان في وسط مجتمع. وبدون
حضارة يكون الانسان واحداً من اضعف الحيوانات واقلها ذكاءً. وقصة
أفيرون ليست الوحيدة بل تكررت في اماكن شتى وهي تدحض قصة «حي بن
يقظان» التي قد تنفع لتسلية الأطفال ولكن لا سيقان لها من
الحقيقة، ولا تزيد عن أسطورة. ومعنى هذا ان المجتمع يقلبنا من
معادلة البيولوجيا الى معادلة الفرد الاجتماعي Social
individual، ولولا المجتمع واللغة والثقافة لما اصبحنا بشرا حتى
لو كان المجتمع في اسفل سافلين. فأدنى مجتمع وأشده تخلفا يبقى
أرحم من الغابة. وهي حقيقة أساسية يجب إدراكها عن معنى المجتمع
للانسان، حينما يصاب الانسان بالإحباط في ظلمات الرحم الاجتماعي.
ان اهمية اللغة كما يقول بيتر فارب في كتابه «بنو الانسان»
انها «نظام مفتوح» الى اللانهاية. واذا كانت مخارج الحروف تتراوح
في اللغات بين 12 و60 فان الحنجرة الانسانية تفعل ما هو اجمل من
الأورج فيمكن ان تصدر آلاف الأصوات. كما ان اللغة هي أداة
(الترميز) وهي التي عنتها الآية «وعلم آدم الأسماء كلها» مرتين:
الاسماء بالقدرة على وضع (لفظ) يدل على (شيء). ولفظة (كلها) انها
خاصية مفتوحة لكل أنواع الترميز. وهي بهذا تمكّن العقل البشري من
التحليق من الواقع إلى الخيال. وكما تقول عالمة اللغة أنجيلا
فريدريشي Angela Friedrici) ان اللغة هي أداة الوعي الحاسمة وهي
الآلة الاهم للذكاء الانساني. واللغة ثالثاً تمنح مخزوناً
للثقافة لا يعرف النضوب، وهو كم يتزايد باستمرار، وعندما اشار
القرآن الكريم في أوائل السور الى الحرف (آلم) فهو من باب خفي
اشارة الى اهمية الكتابة، وهي تختلف عن النطق، فالنطق ادخل
الانسان الى عالم الحقيقة «فورب السماء والأرض انه لحق مثلما
انكم تنطقون». ولكن بالكتابة دخل (التاريخ) بواسطة صحف إبراهيم
وموسى عن طريق (رق منشور) باستخدام (القلم وما يسطرون). وبواسطة
(الكتابة) زاد مخزون الذاكرة الانسانية الى اللانهاية. وهكذا فان
الطفل يتعلم خلال سنوات عمره الأولى مخزون المعرفة الانسانية
المتراكمة عبر ملايين السنين. في حين ان النطق يجعل الخبرة تموت
بموت صاحبها. وكما كان النطق ثورة في العلاقات الانسانية حيث
اوجد نظام اتصالات متقدما، فان الكتابة جعلت الدماغ الانساني
يكبر الى ما لا نهاية، والواحد منا لا يمتلك دماغه لوحده بل دماغ
البشرية على شكل عملاق. وبين الطفولة والمدرسة يتعلم الانسان
ليس لغة واحدة بل ثلاثا: اعمقها واصدقها (السيميائية) فالطفل
يقرأ الغضب في وجه أبيه والاستحسان في وجه أمه قبل ان يفقه كلمة
واحدة. ثم تأتي فوق الطبقة السابقة طبقة وسطى من النطق وهي
(اللغة الصائتة) فيعرف الطفل الفرق بين السؤال والسعال والسعار،
ولكنه يتعلم ايضاً ان أباه ينطق الكذب ويقول ما لا يعنيه. وقد
تكون كلمة مرحبا لقادم لا مرحبا بكم وذلك من رنة الصوت ولحن
القول. وهنا تدخل اشكالية جديدة على اللغة يحتار فيها الطفل.
وعندما اراد القرآن تعليم نبيه اشار الى جدلية اللغتين العميقتين
الكاشفتين لحقيقة الروح «ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم
ولتعرفنهم في لحن القول». وهنا يتم التعرف على الانسان بوسيلتين
غير الكتابة هما (سيماهم) و (لحن القول). وعلى السطح تماماً تأتي
(الكتابة) وهي اللغة الثالثة المكتوبة بريئة الظاهر التي يجب ان
تفسر بمعاجم وقواميس وتاريخ وتجربة وعلوم مساعدة لا حصر لها، وهي
مناط الخلاف بين البشر ومصدر نزاعاتهم. وهذا يدخلنا الى إشكالية
مرعبة للّغة، فلولا اللغة لما اصبحنا بشرا، ولولا اللغة لما
قرأنا القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين، ولولا اللغة لما تفاهمنا
ولما امكن نقل المعلومات، ولولا قناة اللغة لما آمن من آمن وكفر
من كفر. ولكن الدخول في نفق اللغة يحتاج الى اضاءة وأجهزة كاشفة
وتواصل مع الواقع، وفي وقت قد تصبح فيه الكلمات بدون دلالة كمثل
الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء عندما تنفك النصوص عن
الواقع. واذا سمعت البقرة نداء لغويا واضحاً فلا يعني هذا أنها
قامت بتحليله عقلانيا، وهو لا يمثل لها اكثر من صوت وهواء مقذوف
بذبذبات الحبال الصوتية. ومشكلة المشاكل في اللغة هي عند هذه
النقطة. وفي علم البرمجة العصبية (NLP) يعرفون ان هذه المستويات
الثلاثة تختلف في المردود على نحو درامي، ولقد نقل (التكريتي) في
كتابه (هندسة النفس الانسانية) عن فريق من الباحثين البريطانيين
عن المركبات الثلاثة للتخاطب. ان الكلمات المكتوبة تنقل 7 في
المائة. أما النطق فيرتفع فيه المردود الى 38 في المائة. في حين
ان الحضور ومن خلال تعبيرات الجسم تقفز بالرقم الى 55 في المائة،
أي انها ومع الحضور لا تنقل كل الحقيقة. وهذا يعني انه لا يوجد
جهاز «كوبي» لنقل مشاعر الانسان بأمانة بسبب تعقد العناصر
واشكالية اللغة وغابة الثقافة. وحتى نعرف متى نطق الإنسان
يجب معرفة متى بدأ وجود الإنسان؟ وهذا بدوره يجعلنا نسأل أين
مكان الإنسان في سلم الخليقة؟ وهذا بدوره يقودنا لسؤال أبعد، وهو
متى بدأت الكائنات تدب على وجه الأرض؟ ومتى تكونت الأرض بالذات؟
والعلم اليوم عنده ثلاث اجابات واضحة، والرابعة في طريقها
للتشكل. فنحن نعرف ان عمر الأرض 4.6 مليار سنة. ونحن نعرف أن
الحياة بدأت بعد تشكل الأرض بـ 800 مليون سنة، أي قبل 3.8 مليار
سنة. وان عديدات الخلايا عمرت الأرض قبل 530 مليون سنة، وان
الانسان ظهر قبل سبعة ملايين سنة على الأقل، حسب كشوفات العالم
الفرنسي (برونيت). اما متى نطق الانسان فالعلماء يخمنون انه في
حدود 200 ألف سنة على حد أبعد وهي بداية ظهور الانسان الثقافي.
فكما حصل انفجار عظيم (كوسمولوجي) لولادة الكون وانفجار
(بيولوجي) لظهور الكائنات عديدات الخلايا، كذلك حصل (انفجار
ثقافي) بظهور الانسان الناطق. ومع النطق تغير الانسان كلية ووضع
على طريق التطور. وكما يقول الانثروبولوجي الأمريكي (ستانلي
أمبروز Stanly Ambrose ) من جامعة ايلينوي، ان ما بين عصر القوس
والسهم وغزو الفضاء لا يتجاوز 12 ألف سنة.
|