العروبة والأقليات: ماذا يقدم المغدور للمحروم؟
غسان الإمام
الأمة العربية التي ثارت وكافحت وقاتلت من أجل الحرية
والاستقلال والوحدة، هل كانت تحلم بأن تنازعها يوما ما في وطنها
الكبير اقليات عرقية ودينية ومذهبية؟
مجرد سؤال خجول يجول في
الخاطر والضمير وسط هذا الفيض الهائل من الدعوات والتيارات
التقسيمية والانفصالية والعنصرية والاصولية، بحيث بات الجهر
بالالتزام بالعروبة يتطلب شجاعة كبيرة، كيلا يتهم المرء
بالاعتداء على حقوق الاقليات!
في البدء، كانت الدولة
الامبراطورية حلا شموليا، فقد استوعبت الامبراطوريات القديمة من
فارسية واغريقية ورومانية واسلامية ثم الامبراطوريات الحديثة
شعوبا واقليات مختلفة، وتعاملت معها بدرجات متفاوتة في الرتبة
الاجتماعية والحقوق والواجبات.
هذا «البالون» الامبراطوري ما
لبث ان انفجر في القرن العشرين تحت وطأة الشعور القومي. ونشأت
«الدولة/ الشعب» غير ان الحدود الدولية، ومعظمها رسمه الاستعمار
الاوروبي الراحل، اخترقت الحدود الجغرافية والتاريخية، فبعثرت
القومية أو القبيلة الواحدة، ووزعتها على أكثر من دولة.
تسبب
التقسيم والانفصال بآلام قومية هائلة، بل وفي حروب حدودية وحتى
عالمية عندما حاولت القوميات لملمة اجزائها واشلائها المتناثرة.
حدث ذلك في افريقيا المتحررة، بل وحدث ذلك في اوروبا عندما حاولت
القومية الجرمانية بالقوة مرتين التجمع القومي في دولة المانية
واحدة، واكرهت بالقوة في المرتين على القبول بالبعثرة على عدة
دول مجاورة.
كان الحلم الجرماني بالوحدة القومية فوق طاقة
«الدولة/الشعب» في فرنسا أو بريطانيا على القبول بالخضوع لهيمنة
دولة المانية كبرى تملك التفوق في التنظيم والتقنية والذكاء.
الواقع ان اوروبا بعد حربيها العالميتين استعادت عقلها. وها هي
تستوعب الحلم الجرماني الوحدوي بحلم وحدوي أوروبي أكبر اطلق عليه
اسم «الاتحاد الاوروبي».
لقد حاول الدين ان يستوعب قوميات
مختلفة في بوتقة دولة أو امبراطورية واحدة، فاخفق اخفاقا كليا
مرة في أوروبا القرون الوسيطة، ومرة في الشرق، حيث انهارت
الامبراطورية الخلافية الاسلامية تحت مطارق التخلف الاقتصادي
ويقظة القوميات المختلفة.
ما زالت القومية الفارسية تهدهد
وتداري القوميات والمذاهب الاخرى التي تحكمها في ايران بنجاح
نسبي مهزوز تحت الراية الدينية، غير ان العامل الديني كعنصر موحد
فشل في افغانستان. ولم يستطع الجهاديون اصحاب العمائم الضخمة
واللحى الكثة تجاوز انتماءاتهم الاقلوية الاصغر لاقامة دولة
دينية اكبر. واخفق الدين ايضا في باكستان بانفصال بنغلادش. وها
هو يخفق ايضا في السودان.
وحاولت الآيديولوجيا ان تشكل
امبراطورية. استوعبت الماركسية السوفييتية امبراطورية تضم اكثر
من مائة قومية واقلية، لكنها كانت في الواقع نسخة أخرى من
الهيمنة القيصرية الروسية. وانتهت التجربة الى الاخفاق واستقلال
شعوب اوروبا الشرقية والبلطيق وآسيا الوسطى
التركمانية.
الولايات المتحدة هي الامبراطورية الوحيدة
الباقية في العالم. فهي دولة فيدرالية قامت قبل قرنين على حلم
رأسمالي بالثراء السريع تحت سيادة الثقافة الآنجلوساكسونية
والبروتستنتية الاوروبية المهاجرة. لقد استعادت الامبراطورية
الفيدرالية أملها في الحياة والصهر الاجتماعي للاعراق منتهزة خطأ
الاصولية الدينية في الاعتداء على رموز الازدهار الرأسمالي في 11
سبتمبر. لكن بوتقة الصهر لم تعد ضامنة لاستمرار الامبراطورية تحت
وطأة الهجرة الآسيوية والهسبانية (أميركا اللاتينية) وقبلها
الهجرة الافريقية.
العرب، كالجرمان، هم الامة الكبرى في
العالم التي لم تتمكن من تحقيق وحدتها القومية الى الآن. كان
تحقيق حلمهم القومي الوحدوي شرطا لانسحابهم من الامبراطورية
العثمانية، لكن أوروبا الاستعمارية غدرت بالحلم، لأن قيام دولة
عربية كبرى، تتحكم بأهم الموارد والقارات والبحار والاجواء، فوق
طاقة ومصالح العالم على القبول به.
وهكذا، تم الاستقلال
الوطني على اساس التجزئة القومية! واستمرت دولة التجزئة في تغذية
مشاعر الانفصال القومي تحت شعارات السيادة الوطنية والخصوصية
المحلية. بل تم «اختراع» قوميات انكشارية ضيقة لاضفاء الشرعية
على الدولة العربية الانفصالية.
لقد حاولت الدعوة القومية
استعادة الحلم الوحدوي. لكنها اخفقت بسبب لا ديمقراطيتها. فقد
كرست عبادة الشخصية ودولة العشيرة هنا ودولة الطائفة هناك. ثم
لقيت انكسارها العسكري امام المشروع الصهيوني الذي كان وما يزال
مشروعا لاقامة «الدولة/ الاقلية» النموذجية للاقليات الأخرى في
صميم الوطن العربي الكبير.
اذا كانت اسرائيل دولة قومية
لاقلية دينية مستوردة من شتى انحاء العالم، فهناك اليوم محاولات
ومساع جاهدة لاقليات عرقية ودينية ومذهبية محلية للانفصال
والاستقلال بانتزاع رقع ومساحات ايضا من الوطن العربي، منتهزة
ضعف دولة التجزئة العربية وانهيار الدعوة القومية، ومستثمرة
تلاشي شعور الأجيال العربية الجديدة بوحدة الانتماء والمصير، أو
تعلقها بوهم وحدة أكبر، وحدة دينية تجمع شعوبا شتى وتكرر التجربة
الخلافية الفاشلة تاريخيا وعمليا.
لا أود ان أجاري الاتهام
الموجه الى هذه الاقليات بالاعتماد على تشجيع وتمويل خارجي، فلا
بد من الاعتراف بأن صحوة الاقليات في العالم كله هي صحوة الذاكرة
التاريخية والشعور بالانتماء الى هوية اضيق من الدين
والآيديولوجيا والقوميات الاكبر.
ثورات الاتصال التقنية
والالكترونية بقدر ما تختصر العالم والمسافة وتقرب الناس عبر
الشاشة والانترنت، فهي غير قادرة على تحطيم اسوار «الغيتو»
الثقافي واللغوي الذي تغلف ذاتها به اقليات كثيرة تعرضت وربما
تتعرض للحرمان والاضطهاد.
في فوضى التناقض بين «التقارب»
التقني العالمي، وهو احد مظاهر العولمة، ونمو المشاعر الاقلوية
الضيقة، فماذا يستطيع المغدور ان يقدم للمحروم؟ ماذا تستطيع
الامة العربية التي غُدر بحلمها القومي الوحدوي ان تقدم من
كيانها وارضها ودولتها لاقليات تشعر حقا أو مبالغة بالظلم
والكبت؟
حق تقرير المصير الذي منح للاقلية السوداء في جنوب
السودان يمثل تنازلا قوميا خطيرا تقدم عليه لأول مرة دولة
التجزئة العربية. وتم التنازل ضمن مبدأ «الاستقلالية السيادية»
المزعومة، دونما اي شعور بالحاجة الى التشاور مع الامة الاكبر،
أو حتى مع الشقيق المصري الاكبر!
اذا كان حق تقرير المصير
سيوقف الصراع الدموي المزمن بين العرب والاقلية السوداء فلا بأس.
ليكن الانفصال حضاريا وسلميا كما تم بين روسيا ودول آسيا الوسطى
التركمانية، أو بين التشيك الجرمان والسلاف في تشيكوسلوفاكيا.
والأمل كبير في ان تكون فترة السنوات الست كافية لتبديد المخاوف
المتبادلة واعادة اللحمة الوطنية في اطار سودان ديمقراطي.
حق
تقرير المصير في مقدمة حقوق الانسان وحقوق الشعوب والقوميات
والاقليات في المواثيق الدولية والانسانية التي اقرت بعد انشاء
الامم المتحدة. لكن ماذا اذا طالبت به الاقليات البربرية
الامازيغية في المغرب العربي، كما يطالب به اكراد العراق في
المشرق؟
يبدو حق تقرير المصير هنا «حقا» يراد به باطل. فهو
يتناقض مع مصالح التعايش السلمي والتاريخي الطويل بين العرب وكل
من الاكراد والامازيغ، ذلك التعايش الذي عمده النضال المشترك ضد
الغزاة والاندماج عبر التزاوج والانصهار في بوتقة المدن الكبرى
كالقاهرة ودمشق وبغداد والجزائر وقسنطينة وفاس ومراكش. فالعروبة
وحدة ثقافية يستحيل ان تكون وحدة عنصرية قائمة على صفاء الدم
العربي.
ما الحل، اذن، لمشكلة الأقليات؟
لا أرى في
المشاريع الاتحادية (الفيدرالية أو الكونفيدرالية) حلا عمليا
يضمن التمايز السلمي والحضاري بين العرب واقلياتهم، فهي الطريق
الى التقسيم والانفصال، انما وباختصار شديد، فديمقراطية الادارة
اللامركزية هي الضمان لحقوق الاقليات في ادارة شؤونها المحلية
والبلدية وتنمية ثقافتها، فيما تطمئن القومية الاكبر (العرب) على
وحدة التراب وكيان الدولة وحقوقها السيادية، وتأكيد حقها في
ممارسة دفاع وسياسة تتفق مع المصلحة العربية القومية.
الحديث
عن العروبة والاقليات في ضوء المبادرة السودانية والمأزق
العراقي، يستحق حوارا أصرح وأعمق بين العرب والاقليات. وهذا
الحديث العابر عن الاقليات العرقية يندرج في اطار الحوار
المطلوب، لكن لا بد من استكماله في الثلاثاء القادم بحديث مماثل
عن الاقليات الدينية: الشيعة والاقباط
والموارنة.