هل تريد أميركا تغيير النظام العربي؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عـودة إلى صفحة الـرأي

هل تريد أميركا تغيير النظام العربي؟

غسان الإمام


غيوم الخريف العربي تأتي مبكرة لتشحن لهيب الصيف بالقلق والتوتر. تناقض الاشارات اليومية التي ترسلها أميركا بشأن العراق يرسم علامات استفهام كثيرة، بحيث باتت كل أدوات السؤال مستخدمة في تكهنات وتعليقات السياسة والصحافة.
لقد نجحت إدارة بوش في استثمار فائدة الشك (Benefit of Doubt) لشن حرب نفسية في المنطقة العربية. والحرب النفسية في الاستراتيجيا العسكرية تكسب سلفاً نصف النصر في الحرب الحقيقية. وبين غرق العرب في توقع الحرب ونفيها، يغيب عنهم السؤال الأهم: ماذا تريد أميركا أن تفعل بعد إسقاط صدام؟
دهاء الحرب النفسية يخفي، هنا أيضا، الغرض الحقيقي. كل ما تقوله إدارة بوش رسمياً يتركز على العراق: ديمقراطية عراقية خالية من جراثيم وغازات صدام، ومسالمة مع جيرانه، ومحافظة على وحدة ترابه.
النصر العسكري مؤكد. مجرد نزول قوات التدخل في البطن الصحراوي اللين قبالة بغداد والمدن العراقية كفيل بانهيار النظام. صدام يتحدث عن استعداده للتضحية بـ 25 مليون عراقي قبل أن يصل إلىه الأميركيون. والذين يصدقونه ينسون معه ان الصواريخ والطائرات سوف تشل هيمنة المؤسسة المخابراتية التي ضمنت، إلى الآن، بقاءه. ففي الحروب تستعيد القوى العسكرية المبادرة من القوى البوليسية والمدنية المهيمنة.
إدارة السلم في العراق تبقى أصعب من إدارة الحرب. لقد تم العثور في افغانستان على حاكم بلا عمامة «جهادية» ولحية كثة. لكن الإشكالية العراقية تكمن في صعوبة العثور على كرزاي عراقي له وجه سياسي محترف خال من شارب فروسي وعينين تقدحان شراً وشرراً. فقد ألغى صدام الحرفة الديمقراطية السياسية على مدى 34 عاما. والعراقيون لا يعرفون عن عراقيي أميركا أكثر مما كان الأفغان يعرفون عن كرزاي قبل أن يلمع في دائرة الضوء الأميركية.
والمحافظة على وحدة التراب العراقي أصعب أيضاً من إدارة السلم والحرب. العراق كيان تاريخي قائم منذ ألوف السنين، وليس مفتعلاً كما يروج الانفصاليون. وأكدت الدولة العباسية هذه الحقيقة التاريخية عندما نقلت عاصمتها من بكائيات الجنوب إلى بغداد التي بنيت في الوسط. ثم قام العراق الحديث واستقر على أكتاف عرب السنة وبمشاركة الشيعة. لكن حروب صدام وأسلوب حكمه دمرت الوحدة الترابية وسلام التعايش المدني بين الأعراق والمذاهب، وأضعفت عروبة العراق، وهي تضعها أمام تحد عراقٍ مستقبلي محيَّد عربياً ومحايد قومياً.
انفراد قوات التدخل الأميركية بإسقاط نظام طالبان، وربما غداً نظام صدام، سيكون له تأثير سياسي ومعنوي كبير في العالم العربي، ولا سيما في المنطقة المحيطة بالعراق، وانتقال القوات الأميركية ومعها قوات أوروبية ودولية على الارجح، من بحر الخليج إلى الاقامة في صميم البر العربي، سيمكن الولايات المتحدة لا محالة، من ممارسة الضغط لإعادة تشكيل المجتمع العربي ونظامه السياسي، وفق رؤى ودراسات جرى ويجري إعدادها في «مصانع» البحوث في أميركا وأوروبا. وهي على نقيض مثيلتها العربية، لها نفوذها وتأثيرها على صناع القرار السياسي والعسكري ومنفذيه.
هناك تصور أكاديمي أميركي ـ أوروبي للمجتمعات العربية والاسلامية بأنها باتت مريضة في تخلفها الاقتصادي وجمودها السياسي. وبدلا من الانفتاح فقد تبنت هذه المجتمعات أشكالاً مختلفة من غيبيات أصولية شديدة المحافظة والانغلاق والعداء للعالم، وخصوصا الغرب وأميركا اللذين يتم تحميلهما من خلال حملات الكراهية والعداء المسؤولية عن تخلف العرب والمسلمين.
بعد حادث 11 سبتمبر، يذهب التصور الغربي الى اعتبار الأصوليات السياسية المسلحة خطراً داهماً على الغرب كياناتٍ وثقافةً وحضارةً، ذلك أنها انتقلت من «مجاهدة» الأنظمة السياسية إلى إعلان حرب دينية على عالم «الكفار».
غير أن هذا التصور الذي تنضح به دراسات مراكز البحوث وتعبر عنه مجلات الفكر السياسي الغربية يغفل إلى حد بعيد مسؤولية الغرب وأميركا بالذات في تنمية الأصولية السياسية العربية والتحالف معها سواء ضد القوى الليبرالية العربية، أو ضد «الكفار» السوفييت في أفغانستان.
وأقول ان الحلف الأميركي ـ الاصولي بدأ في الواقع منذ ثلاثين سنة بتشجيع الرئيس السادات على ضرب القوى الناصرية واليسارية في الشارع والجامعات بالقوى الأصولية. ثم امتد هذا التشجيع إلى مختلف المجتمعات العربية في المشرق والمغرب، ووصل أيضاً إلى سحب أميركا للشاه أمام زحف أصولية الخميني التي كانت مطعَّمة بجناح «علماني» أميركي. وأدى ضرب الخميني لهذا الجناح وإقامته دولة تيوقراطية (محكومة برجال الدين) إلى تشجيع أميركا لصدام على الدخول في حرب لحسابها مع إيران، ولتطويق محاولات تصدير ثورة الأصولية الشيعية إلى العالم السني. ثم ما لبث الحلف الأميركي مع الأصولية السنية أن انهار عندما كفت عن تمويله ورعايته بعد انهيار الشيوعية العالمية، واكتفت بإيواء رموزه ومشايخه لديها.
بدلاً من اعتراف أميركا بمسؤوليتها عن تنمية الأصولية السنية العربية، يجري اليوم تحميل النظام السياسي العربي المسؤولية عن اندلاق عنف هذه الأصوليات خارج ديارها باتجاه ديار «الكفار». ولا شك أن الاتهام فيه ظلم للنظام العربي الذي يبدي، على اختلاف أشكاله، تعاوناً صادقاً مع الولايات المتحدة في مكافحة «الإرهاب الديني».
غير أن استعجال أميركا للأنظمة العربية والإسلامية الانقضاض على المؤسسات الدينية التي تولت تنشئة وتربية مجتمعات باتت أكثر محافظة من النظام ذاته، هذا الاستعجال يحرج النظام العربي والإسلامي، ولا يدع له فرصة للمناورة. فمن الصعب جداً الانتقال المفاجئ من تربية العقل الغيبي وتغذيته بمشايخ الإعلام الديني منذ دفن الناصرية والدعوة القومية، إلى التبشير بثقافة انفتاحية جديدة أو ليبرالية سياسية ليس في وسع النظام العربي تقبلها وهضمها فوراً.
إزاء هذه الاستحالة الرسمية، تتشكل بعد 11 سبتمبر رؤية أكاديمية أميركية تدعو إلى فرض التغيير التربوي والإعلامي والسياسي على النظام العربي. هذه الرؤية الأكاديمية تتسلل رويداً رويداً إلى دائرة القرار السياسي، ووجه الخطر فيها أنها تتبنى الرؤية الإسرائيلية (بيريز وحزب ميريتز) بأن السلام الإسرائيلي ـ العربي مستحيل طالما أن هناك أنظمة عربية تستفيد من حالة اللاسلم واللاحرب في إدامة حكمها الأتوقراطي، بل بعضها يتبنى الأصوليات المسلحة الفلسطينية التي تتولى اليوم منفردة تقريباً «مجاهدة» الاحتلال الإسرائىلي.
لا أدري ما إذا كانت طاقات الرئيس بوش العقلية المحدودة تدرك البعد السياسي والاجتماعي للتغيير المطلوب. ولا أعرف ما إذا كانت حربه ضد العراق هي حرب آل بوش أم حرب أميركا والموقف الثابت لإداراتها المتعاقبة إزاء النظام العربي. لكن التدخل الخطير للتغيير بالقوة المسلحة المخالف للشرعية الدولية، يوحي بأنه سيتوسع بالسياسة والديبلوماسية أو بالقوة، لإحداث تغيير في طبيعة النظام العربي والإسلامي المجاور، ودفعه إلى تبني الليبرالية السياسية والاجتماعية الغربية المستعدة لقبول سلام أميركي ـ إسرائيلي غير عادل في المنطقة.
لا أعتقد أن النظام العربي بحاجة إلى ذكاء كبير لإدراك البعد السياسي والاجتماعي للتدخل في العراق وإسقاط نظام ليس هناك من يذرف الدموع عليه، فقد استنفد مبررات بقائه على مدى 34 عاماً بانسداده التام وبتخلفه عن قراءة المتغيرات الدولية.
والذكاء الكبير هو في الاستنتاج المبكر للعبر والدروس. ومن الأفضل أن تكون إرادة التغيير عربية خالصة. لنبدأ على مهل وفي حكمة تطوير المناهج التربوية والتعليمية والإعلامية لإعادة انتاج عقل عربي يسأل قبل أن يقتنع. لنبدأ بتطوير النظام العربي بالسماح بنشوء طبقة سياسية محترفة تملك شجاعة النقد في براءة بناءة غير حاقدة.
ليكن التغيير بأيدينا لإقامة ليبرالية عربية ذاتية، قبل أن تكتسحها ليبرالية أميركية ـ إسرائيلية تفرض رجالها وأدواتها وسلامها المهيمن سياسياً واقتصادياً على عالم عربي بات مشغولاً بخرائب شيشينيا وأفغانستان وتخلف باكستان، عن تضامنه السياسي ووحدته الاقتصادية.
لست في موقع الناصح، انما في الموقع المتواضع للمشاهد والمراقب. والمكابرة على الخطأ تلغي النصيحة. وماذا ينفع الندم إذا فات الأوان؟

عـودة إلى صفحة الـرأي
   
© 2002. All Rights Reserved.