مسألة الآخر
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عـودة إلى صفحة الـرأي

مسألة الآخر

خالص جلبي




اقترب مني السيد (فتحي) ثم سألني هل السيد (كاظم) من المذهب كذا؟ قلت له: لست متأكداً. قال: كنت أعلم أنه من ذلك المذهب. قلت له: وكيف عرفت؟ قال: من عينيه. لقد كانت عيناه تشعان بالخبث. لم أعلق. وساد الصمت للحظات ثم سألته: هل تعلم أين ولد (كاظم)؟ قال: لا. قلت: إنه ولد في مدينة كذا ولو ولدت حيث ولد لكنت في الاغلب تدين بمذهبه. تابعت سائلاً: لو ولدت يا (فتحي) في بافاريا في جنوب المانيا من رحم أم المانية ما كان مذهبك؟ دارت عيناه كالذي يغشى عليه من الموت، وقال: ما الذي تقصد؟ قلت له: لا شيء، كنت فقط أسأل!
هذا الحوار البسيط يختصر أزمة انسانية كبرى في خلافات البشر وكيف ان اقدارهم تتشكل من حيث لا يشعرون. لو ولد (فتحي) في (كِنت) في انكلترا من ابوين بريطانيين لربما دان بالبروتستانتية. ولو ولد (كاظم) من رحم امرأة يابانية في (كيوتو) لربما اعتنق الشنتية. ولو ولد (أحدهما) في التيبت أو (كاتامندو) في نيبال لحلق رأسه على الصفر ولبس الاصفر وقرع الصنج وكان من اتباع (الدلايا لاما). ولو ولد في صعيد مصر لربما كان منضماً في احدى جماعات التطرف الإسلامي. ويمكن اختصار مشكلة الاختلاف في هذه القصة القصيرة لطالب في الصف الثاني نشأ في وسط (سني) وقد حدث انه عندما رجع من المدرسة خشي ان يسأل المعلم عن نصين للتشهد لماذا اختلفا؟ سأل الطفل أمه التي يرتاح للتعامل معها: ما معنى ان يكون هناك نصان للتشهد؟ قالت له: يا ولدي هذا النص ـ واشارت الى احدهما ـ هو على طريقة الامام الاعظم أبي حنيفة وهو مذهبنا والنص الآخر للشافعي. سأل الطفل نفسه لاحقاً: ما الذي يفرق الحنفي عن الشافعي؟ وايهما على صواب؟ ثم ما الذي يفرق الصواب عن الخطأ؟ ومع نمو الطفل نما السؤال أكبر، فبدأ يتخاطر على الشكل التالي: ما الذي يفرق صاحب المذاهب عن السلفي بغير مذهب؟ وما الذي يفرق السني عن الشيعي في الدين الواحد؟ ثم قفز السؤال عتبة جديدة: ما الذي يفرق المسلم عن المسيحي واليهودي والبوذي عن الديانات الاخرى؟ بل ما الذي يفرق المؤمن عن الملحد؟ هذه خمس طبقات من السؤال الذي بدأ بريئاً بسيطاً. واتذكر انا من طفولتي وجود اربعة مساجد على أربعة مذاهب في مدينة (عامودة) المجاورة لنا بحيث يذهب صاحب كل مذهب فيصلي في مسجده لا يتعداه. كما رأيت يوماً منظراً عجيباً في مسجد ضخم في حارة (الميدان) في دمشق عندما صلى الناس على وجبات حسب المذاهب ولم يصلوا معاً. والغريب ان هذا الغريب كان الناس يمارسونه باعتبار انه عين التقوى وقمة الورع. وروت لي سيدة كانت تعالج في مشفى كنسي في دمشق وهي طفلة وصادف ذلك ايام اعياد الميلاد فقرأت في وجه الراهبات الخشوع ورأت من لطف الراهبات في العناية بها ما جعلها تطرح السؤال التالي: لقد علمونا ان ديننا هو الأفضل ولعلهم يظنون بأنفسهم كما نظن بأنفسنا. وهو نفس السؤال الذي طرحته أم (مالك بن نبي) الذي استمر طبيب فرنسي يعالجها لفترة طويلة في بيتها. كانت العائلة تردد نفس السؤال عن «مصير هذا الكافر»؟
انها تساؤلات ضخمة في اكتشاف جغرافية الآخر. ويكتب (تزفتيان تودوروف) من السوربون كتاباً كاملاً بعنوان (مسألة الآخر) كيف ان اجتياح العالم القديم سمي (اكتشاف امريكا) وكانت زاخرة بشعوب متقدمة تعد بعشرات الملايين، شاهداً على مركزية اوربية واقصاء كامل للآخر. وهذه التصدعات في العقائد والملل والنحل انتبه لها علماء المسلمين منذ القديم فرصدوا لها كتباً كاملة وكانوا أول من وضع علم (الأديان المقارن) مثل (الفرق بين الفرق) للقرافي و(الملل والنحل) للشهرستاني. ويذهب الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) في كتابه (السلطان) أنه لو كان الأمر إليه لربى الطلبة على الفكر المقارن، واحضر بنفسه كافة الناس من الفرق المتقابلة كي يتناظروا، ويطلع الأطفال على وجهات النظر المتباينة، ويتربى عقلهم على هذه المنهجية منذ نعومة اظفارهم فينشأوا النشأة الآخرة. ومنذ القديم اشار الإمام (أبو حامد الغزالي) في كتابه (المنقذ من الضلال والموصل الى ذي العزة والجلال) كيف رأى ان ابناء المسيحيين لا نشوء لهم إلا على التنصر، وأطفال اليهود ليس امامهم سوى التهود، ولا ينشأ غلمان المسلمين الا على الاسلام. يقول «فحن قلبي الى دين الفطرة الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه». هذه الخلافات بين البشر تمتاز بجدلية خاصة: انها رحمة اذا تعامل الناس على اساس انها حقيقة كونية فلم ينعزلوا عن بعض ولجأوا الى الحوار لاكتشاف كل فريق ما عند الآخر. ويتحول المجتمع الى جحيم اذا تحولت المجموعات المختلفة الى شرانق مغلقة منعزلة عن بعضها البعض تتغذى على الريبة والحقد وتنفجر على التطهير العرقي. وفي تركيا تم ابادة مئات الآلاف من الأرمن تحت هذا الغطاء، كما تم قتل مئات الآلاف من المسلمين في البوسنة بالنار الصربية. وهناك من يقتل الشيعة في المساجد في باكستان وهم ركع سجد.
الاختلاف جيد والتباين أصل في الوجود اذا جاء ضمن شروطه الذهبية. فالجبال جعلت جددا بيضا وحمرا مختلفا ألوانها وغرابيب سودا. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك. انما يخشى اللهَ من عباده العلماء. والويل لذلك المجتمع المشظى بالطوائف والمحتقن بالأحقاد التاريخية. وينقل لنا التاريخ فظاعات مرعبة في اختلاف المذاهب واقتتال الطوائف، ففي فرنسا عاشت حمى المذابح الطائفية بين الكاثوليك والهوجنوت المنشقين بين عامي 1562 ـ 1594، وغرقت المانيا في الدم في حروب الثلاثين سنة بين عامي 1618 ـ 1648، وفي بريطانيا استعرت الحروب الاهلية الدينية بين عامي 1642 ـ 1648. ان في ذلك لآيات للمتوسمين. أما (حكم الدم) في عهد (كاترين ميدتشي) فقد جرى الاحتفال به في الساعة الثالثة من صباح 24 اغسطس في باريس من عام 1572 بمناسبة عيد القديس (بارتولوميو) حيث اعطى الملك (شارل) أوامره على الشكل التالي: «يجب ان تقتلوا جميع الهوجنوت في فرنسا حتى لا يبقى منهم أحد يلومني... اقتلوهم جميعاً! اقتلوهم جميعاً!» وبدأ قرع الأجراس بعد ان وسمت بيوت الهوجنوت بعلامات فارقة كما في قصة (علي بابا والأربعين حرامي). وابتدأ الذبح بعد ان اغلقت ابواب باريس عليهم. يقول ديورانت: «وتلت مذبحة ندر ان عرفتها المدن حتى في جنون الحرب» وجر الهوجنوت وابناؤهم الى الشوارع وذبحوا من الوريد للوريد وانتزعت الأجنة من بطون امهاتهم القتيلات وهشموا. «وأغرق غيرهم في السين». «وما لبثت الجثث ان تناثرت على أرصفة الشوارع واخذ الصبية يلعبون فوقها، ودخل حرس الملك السويسريون وراحوا يذبحون في غير تمييز للذة الذبح الخالصة. ذكر السفير الاسباني في تقريره: انهم يقتلونهم جميعاً وانا اكتب هذا.. انهم يعرونهم.. ولا يعفون أحدا حتى الأطفال». وحدث في يوم الخامس والعشرين من الشهر بعد أن هدأت المذبحة قليلاً ان «شجيرات الشوك البري أزهرت في غير أوانها في مقبرة الأطفال، فهلل الكهنة للأمر وحسبوه معجزة وقرعت اجراس الكنائس في باريس احتفالاً به، وظنت الجماهير ان هذا القرع هو دعوة الى تجديد المذبحة فاستؤنف القتل من جديد» وانتقلت عدوى الذبح من باريس الى بقية الاقاليم فارتكبت مذابح جنونية في ليون وديجون وأورليان وتور وتروا وروان وتولوز وشجع الملك على الإبادة وأرسلت أوامر شفوية لحكام الأقاليم «أن اقتلوا جميع زعماء الهوجنوت» واما صدى هذه المذبحة فقد أضحكت الملك الاسباني (فيليب الثاني) على غير عادته بعد طول عبوس وتجهم لسنوات حينما سمع النبأ. وأما ممثل الكرسي البابوي في باريس فقد هنأ البابا بقوله: «اهنئ قداسة البابا من اعماق قلبي على أن الله جل جلاله شاء ان يوجه شؤون المملكة توجيهاً غاية في التوفيق والنبل، حتى يستأصل شأفة هذا الوباء بكثير من الحكمة وفي اللحظة المناسبة» وحين زف الخبر الى الفاتيكان «أضيئت روما وأطلقت المدفعية من قلعة سان انجلوا وقرعت الاجراس في ابتهاج وحضر جريجوري الثالث عشر وكرادلته قداساً مهيباً لشكر الله على «هذا الرضا الرائع الذي ابداه الله للشعب المسيحي» والذي انقذ فرنسا والكرسي البابوي من خطر عظيم. وتيمناً بهذا اليوم التاريخي فقد أمر البابا «بضرب ميدالية خاصة تذكاراً بهزيمة الهوجنوت ومذابحهم». هكذا كانت اوربا ولم تولد عصور التنوير من فراغ، ولم تتشكل الحداثة الا على جسر من المعاناة فوق نهر من الدموع. وأما حرب الثلاثين عاماً فكانت اشد هولاً واعظم نكراً وامتدت من عام 1618 ـ 1648. ويصفها (ديورانت) هكذا: «تناقص عدد سكان المانيا بسرعة اثناء الحرب. وتقول التقديرات المعتدلة بأن عدد سكان المانيا والنمسا هبط من (21) إلى (15) مليوناً وبين (35) ألف قرية في (بوهيميا) هناك نحو (29) ألف قرية هجرها أهلوها اثناء الصراع. وهناك في مختلف أنحاء الامبراطورية مئات من القرى لم يبق فيها ساكن واحد، وقد يقطع المرء في بعض الأقاليم ستين ميلاً دون أن يرى قرية أو بيتاً، وتنافس الرجال والنساء مع الغربان والكلاب على لحم الخيول الميتة، وفي الإلزاس انتزع المعتدون المشنوقين من المشنقة تلهفاً على التهام جثثهم، وفي أرض الراين كانت القبور تنبش وتباع الجثث لتؤكل، واعترفت امرأة في مدينة (الساربروكن ـ Saarbrueken) بأنها أكلت طفلها، وأصبحت المدن الكبرى اطلالاً خربة، وبات كرام الناس يتسولون او يسرقون ويسلبون من اجل لقمة العيش، واصبح الهواء ساماً بسبب الفضلات والنفايات والجثث المتعفنة في الشوارع، وانتشرت الأوبئة مثل التيفوس والدوسنطاريا والتيفود والاسقربوط بين السكان المذعورين، ومرت القوات الاسبانية بمدينة ميونيخ فتركت وراءها طاعوناً أودى بحياة عشرة آلاف ضحية في أربعة أشهر، وذوت وذبلت في أتون الحرب الفنون والآداب التي كانت تضفي على المدن شرفاً ومجداً، وانهارت الأخلاق والروح المعنوية على حد سواء، واختفت كل المثل الدينية والوطنية بعد جيل ساده العنف». ويختصر (ديورانت) اثر الحرب على أوربا في سطرين أنها: «أنهت سيطرة اللاهوت على العقل في أوربا وتركت الطريق غير معبد أمام محاولات العقل واجتهاداته ولكنه طريق يمكن المرور فيه».
لم تخرج أوربا من مستنقع الطائفية بسهولة، ولم يكسر احتكار الكنيسة للنصوص الدينية الا بشق الانفس. وفي فرنسا كتب (فولتير) رسالة نارية بعنوان (اسحقوا العار)! عندما تمت مطاردة رجل كاثوليكي سمح لنفسه ان يقفز فوق العتبة الطائفية فيتزوج من امرأة بروتستانتية. واليوم في كندا يأتيها ربع مليون من البشر مهاجرين من كل فج عميق يفرون من جمهوريات الخوف والبطالة وكل الأمراض المتوطنة في القارات القديمة من الطائفية والحزبية والعائلية والقبلية والجنسية، حيث يثبت الإنسان مكانه في المجتمع ليس بالوساطة (والثقة الأمنية) بل بعمله، فهي القيمة العليا ونعم أجر العاملين، وحيث تذوب الفوارق في وسط يضخ بالعافية وتمارس المرأة وجودها بعد اغتيال طويل. اما المجتمعات المبتلاة بالأمراض والانهيارات الاقتصادية فإنها تبحث دوماً عن كبش فداء في الأقليات فتقدمها على المذبح التاريخي، كما جاء في قصة (عدالة شيلم) عندما تشاجر الاسكافي مع الزبون ووكزه فقضى عليه، فحكم القاضي بموته شنقاً. الا ان اهل المدينة صاحوا بصوت واحد: أيها القاضي انك تقضي بالموت على الاسكافي الوحيد في البلدة فمن سوف يصلح احذيتنا بعده؟ هز القاضي رأسه وقال: يا أهل شيلم الطيبين، فعلاً إن ما تقولونه جدير بالاعتبار وعندي حل لمشكلة احذيتكم، هناك في المدينة حدادان فليُشنق احدهما بدلاً من الاسكافي.
Kjalabi@hotmail.com

عـودة إلى صفحة الـرأي
   
© 2002. All Rights Reserved.