نزار قباني

 

نزار قباني (1923-1998): شاعر سوري اشتهر بأعماله الرومانسية والسياسية الجريئة. تميزت قصائده بلغة سهلة وجدت بسرعة ملايين القراء في أنحاء العالم العربي. ولد نزار من عائلة دمشقية، درس القانون في جامعة دمشق وتخرج عام 1945. عمل سفيراً لسوريا في مصر وتركيا وبريطانيا والصين وإسبانيا قبل أن يتقاعد عام 1966. انتقل إلى بيروت (لبنان) حيث أسس دار نشر خاصة تحت اسم "منشورات نزار قباني". بدأ أولاً بكتابة الشعر التقليدي ثم انتقل إلى الشعر العمودي، وساهم في تطوير الشعر العربي الحديث إلى حد كبير. كان لانتحار شقيقته التي أجبرت على الزواج من رجل لم تحبه، أثر كبير في حياته، وتناولت كثير من قصائده قضية حرية المرأة. تناولت دواوينه الأربعة الأولى قصائد رومانسية. وكان ديوان "قصائد من نزار قباني" الصادر عام 1956 نقطة تحول في شعر نزار، حيث تضمن هذا الديوان قصيدة "خبز وحشيش وقمر" التي انتقدت بشكل لاذع خمول المجتمع العربي. تميز قباني أيضاً بنقده السياسي القوي، من أشهر قصائده السياسية "هوامش على دفتر النكسة" 1967 التي تناولت هزيمة العرب على أيدي إسرائيل في نكسة حزيران. من أهم أعماله "حبيبتي" (1961)، "الرسم بالكلمات" (1966) و"قصائد حب عربية" (1993).

Nizar Qabbani (1923-1998): Syrian poet and diplomat whose subject matter, at first strictly romantic, grew to embrace political issues as well.

 Written in simple but eloquent language, his verses, some of which were set to music, won the hearts of countless Arabic speakers throughout the Arab World. Qabbani, who was born into a middle-class merchant family, was also the grandnephew of the pioneering Arab playwright Abu Khalil Al-Qabbani. He studied law at the University of Damascus (graduated in 1945), then began his varied career as a diplomat. He served in the Syrian embassies in Egypt, Turkey, Lebanon, Britain, China, and Spain before retiring in 1966 and moving to Beirut, Lebanon, where he founded the Manshurat Nizar Qabbani, a publishing company. Meanwhile, he also wrote much poetry, at first in classic forms, then in free verse, which he helped establish in modern Arabic poetry. His poetic language is noted for capturing the rhythms of everyday Syrian speech.

The suicide of his sister, who was unwilling to marry a man she did not love, had a profound effect on Qabbani, and much of his poetry concerns the experiences of women in traditional Arab society. Verses on the beauty and desirability of women filled Qabbani's first four collections. Qasa'id min Nizar Qabbani (1956; "Poems by Nizar Qabbani") was a turning point in his art; in it he expressed resentment of male chauvinism. It also included his famed "Bread, Hashish and Moon," a harsh attack on weak, impoverished societies that live in a haze of fantasies. Thereafter, he often wrote from a woman's viewpoint and advocated social freedoms for women. His Hawamish 'Ala daftar al-naksa (1967; "Marginal Notes on the Book of Defeat") was a stinging critique of unrealistic Arab leadership during the Six-Day War with Israel. Among his more than 20 poetry collections, the most noted volumes are Habibati (1961; "My Beloved") and Al-rasm bi-al-kalimat (1966; "Drawing with Words"). Qasa'id hubb 'Arabiyah ("Arabian Love Poems") was published in 1993.

 

أبي

 

أماتَ أبوكَ ؟

ضلالٌ . أنا لا يموتُ أبي

ففي البيتِ منهُ

روائحُ ربٍّ .. وذِكرى نبي

هُنا ركنُهُ .. تلكَ أشياؤهُ

تَفَتَّقُ عن ألفِ غُصنٍ صبي

جريدتُهُ . تَبغُهُ . مُتَّكاهُ

كأنَّ أبي ـ بعدُ ـ لم يذهَبِ ..

 

*

 

وصحنُ الرّمـادِ  ... وفنجانُـهُ

على حالهِ .. بعـدُ لم يُشـرَبِ

 

ونظّارتاهُ ... أيسـلو الزجـاجُ

عيوناً أشـفَّ مـنَ  المغـربِ

 

بقاياهُ، في الحُجُراتِ الفِسـاحِ

بقايـا النسـورِ على الملعـبِ

 

أجولُ الزوايا عليـه ، فحيـثُ

أمُـرُّ .. أمُـرُّ علـى مُعْشِـبِ

 

أشـدُّ يـديـهِ .. أميـلُ عليـهِ

أصلّـي على صـدرهِ المُتعَـبِ

 

أبي ... لم يزلْ بينَنا ، والحديث

حديثُ الكؤوسِ على المَشـرَبِ

 

يسـامرُنا . فالدوالي الحُبالـى

تَوالَـدُ مِـن ثغـرِهِ الطيّـبِ ..

 

أبـي خَبَـراً كـانَ من جنّـةٍ

ومعنى من الأرحبِ الأرحبِ ..

 

وَعَيْنا أبـي .. ملجـأٌ للنجـومِ

فهلْ يذكرُ الشـرقُ عينَيْ أبي ؟

 

بذاكـرةِ الصّيـفِ من والـدي

كـرومٌ ، وذاكـرةُ الكوكـبِ ..

 

*

 

أبي يا أبي .. إنَّ تاريخَ طيـبٍ

وراءكَ يمشـي ، فلا تتعـبِ ..

 

على اسمكِ نمضي ، فمن طيّبٍ

شـهيِّ المجانـي ، إلى أطيَبِ

 

حملتُكَ في صحوِ عينيَّ .. حتّى

تهيّـأَ للـنـاسِ أنّـي أبـي ..

 

أشيلُكَ حتّـى  بنبـرةِ صوتي

فكيفَ ذهبتَ .. ولا زلتَ بي؟

 

*

 

إذا فُلَّـةُ الـدارِ أعطـتْ لَدَينا

ففي البيـتِ ألفُ فـمٍ مُذهَـبِ

 

فَـتَحـْنـا لتَـمّـوزَ أبوابَنـا

ففي الصيفِ لا بُـدَّ يأتي أبي ..

أحزان في الأندلس

 

كتبتِ لي يا غاليه..

كتبتِ تسألينَ عن إسبانيه

عن طارقٍ، يفتحُ باسم الله دنيا ثانيه..

عن عقبة بن نافعٍ

يزرع شتلَ نخلةٍ..

في قلبِ كلِّ رابيه..

سألتِ عن أميةٍ..

سألتِ عن أميرها معاويه..

عن السرايا الزاهيه

تحملُ من دمشقَ.. في ركابِها

حضارةً وعافيه..

 

لم يبقَ في إسبانيه

منّا، ومن عصورنا الثمانيه

غيرُ الذي يبقى من الخمرِ،

بجوف الآنيه..

وأعينٍ كبيرةٍ.. كبيرةٍ

ما زال في سوادها ينامُ ليلُ الباديه..

لم يبقَ من قرطبةٍ

سوى دموعُ المئذناتِ الباكيه

سوى عبيرِ الورود، والنارنج والأضاليه..

لم يبق من ولاّدةٍ ومن حكايا حُبها..

قافيةٌ ولا بقايا قافيه..

 

لم يبقَ من غرناطةٍ

ومن بني الأحمر.. إلا ما يقول الراويه

وغيرُ "لا غالبَ إلا الله"

تلقاك في كلِّ زاويه..

لم يبقَ إلا قصرُهم

كامرأةٍ من الرخام عاريه..

تعيشُ –لا زالت- على

قصَّةِ حُبٍّ ماضيه..

 

مضت قرونٌ خمسةٌ

مذ رحلَ "الخليفةُ الصغيرُ" عن إسبانيه

ولم تزل أحقادنا الصغيره..

كما هيَه..

ولم تزل عقليةُ العشيره

في دمنا كما هيه

حوارُنا اليوميُّ بالخناجرِ..

أفكارُنا أشبهُ بالأظافرِ

مَضت قرونٌ خمسةٌ

ولا تزال لفظةُ العروبه..

كزهرةٍ حزينةٍ في آنيه..

كطفلةٍ جائعةٍ وعاريه

نصلبُها على جدارِ الحقدِ والكراهيه..

 

مَضت قرونٌ خمسةُ.. يا غاليه

كأننا.. نخرجُ هذا اليومَ من إسبانيه..

إختاري

 

إني خيَّرتُكِ فاختاري

ما بينَ الموتِ على صدري..

أو فوقَ دفاترِ أشعاري..

إختاري الحبَّ.. أو اللاحبَّ

فجُبنٌ ألا تختاري..

لا توجدُ منطقةٌ وسطى

ما بينَ الجنّةِ والنارِ..

 

إرمي أوراقكِ كاملةً..

وسأرضى عن أيِّ قرارِ..

قولي. إنفعلي. إنفجري

لا تقفي مثلَ المسمارِ..

لا يمكنُ أن أبقى أبداً

كالقشّةِ تحتَ الأمطارِ

إختاري قدراً بين اثنينِ

وما أعنفَها أقداري..

 

مُرهقةٌ أنتِ.. وخائفةٌ

وطويلٌ جداً.. مشواري

غوصي في البحرِ.. أو ابتعدي

لا بحرٌ من غيرِ دوارِ..

الحبُّ مواجهةٌ كبرى

إبحارٌ ضدَّ التيارِ

صَلبٌ.. وعذابٌ.. ودموعٌ

ورحيلٌ بينَ الأقمارِ..

يقتُلني جبنُكِ يا امرأةً

تتسلى من خلفِ ستارِ..

إني لا أؤمنُ في حبٍّ..

لا يحملُ نزقَ الثوارِ..

لا يكسرُ كلَّ الأسوارِ

لا يضربُ مثلَ الإعصارِ..

آهٍ.. لو حبُّكِ يبلعُني

يقلعُني.. مثلَ الإعصارِ..

 

إنّي خيرتك.. فاختاري

ما بينَ الموتِ على صدري

أو فوقَ دفاترِ أشعاري

لا توجدُ منطقةٌ وسطى

ما بينَ الجنّةِ والنّارِ..

أسألك الرحيلا

 

 

لنفترق قليلا..

لخيرِ هذا الحُبِّ يا حبيبي

وخيرنا..

لنفترق قليلا

لأنني أريدُ أن تزيدَ في محبتي

أريدُ أن تكرهني قليلا

 

بحقِّ ما لدينا..

من ذِكَرٍ غاليةٍ كانت على كِلَينا..

بحقِّ حُبٍّ رائعٍ..

ما زالَ منقوشاً على فمينا

ما زالَ محفوراً على يدينا..

بحقِّ ما كتبتَهُ.. إليَّ من رسائلِ..

ووجهُكَ المزروعُ مثلَ وردةٍ في داخلي..

وحبكَ الباقي على شَعري على أناملي

بحقِّ ذكرياتنا

وحزننا الجميلِ وابتسامنا

وحبنا الذي غدا أكبرَ من كلامنا

أكبرَ من شفاهنا..

بحقِّ أحلى قصةِ للحبِّ في حياتنا

أسألكَ الرحيلا

 

لنفترق أحبابا..

فالطيرُ في كلِّ موسمٍ..

تفارقُ الهضابا..

والشمسُ يا حبيبي..

تكونُ أحلى عندما تحاولُ الغيابا

كُن في حياتي الشكَّ والعذابا

كُن مرَّةً أسطورةً..

كُن مرةً سرابا..

وكُن سؤالاً في فمي

لا يعرفُ الجوابا

من أجلِ حبٍّ رائعٍ

يسكنُ منّا القلبَ والأهدابا

وكي أكونَ دائماً جميلةً

وكي تكونَ أكثر اقترابا

أسألكَ الذهابا..

 

لنفترق.. ونحنُ عاشقان..

لنفترق برغمِ كلِّ الحبِّ والحنان

فمن خلالِ الدمعِ يا حبيبي

أريدُ أن تراني

ومن خلالِ النارِ والدُخانِ

أريدُ أن تراني..

لنحترق.. لنبكِ يا حبيبي

فقد نسينا

نعمةَ البكاءِ من زمانِ

لنفترق..

كي لا يصيرَ حبُّنا اعتيادا

وشوقنا رمادا..

وتذبلَ الأزهارُ في الأواني..

 

كُن مطمئنَّ النفسِ يا صغيري

فلم يزَل حُبُّكَ ملء العينِ والضمير

ولم أزل مأخوذةً بحبكَ الكبير

ولم أزل أحلمُ أن تكونَ لي..

يا فارسي أنتَ ويا أميري

لكنني.. لكنني..

أخافُ من عاطفتي

أخافُ من شعوري

أخافُ أن نسأمَ من أشواقنا

أخاف من وِصالنا..

أخافُ من عناقنا..

فباسمِ حبٍّ رائعٍ

أزهرَ كالربيعِ في أعماقنا..

أضاءَ مثلَ الشمسِ في أحداقنا

وباسم أحلى قصةٍ للحبِّ في زماننا

أسألك الرحيلا..

حتى يظلَّ حبنا جميلا..

حتى يكون عمرُهُ طويلا..

أسألكَ الرحيلا..

الاستجواب

 

 

(1)

 

مَنْ قَتَلَ الإمامْ ؟

المُخبِرونَ يملأونَ غرفتي

مَن قتلَ الإمامْ ؟

أحذيةُ الجنودِ فوقَ رقبتي

مَنْ قتلَ الإمامْ ؟

مَن طعنَ الدرويشَ صاحبَ الطريقهْ ؟

ومزَّقَ الجُبَّةَ ، والكشكولَ ، والمِسبَحَةَ الأنيقهْ ؟

يا سادَتي :

لا تقلعوا أظافري بحثاً عن الحقيقهْ

في جثةِ القتيلِ ، دوماً ، تسكنُ الحقيقهْ .

 

(2)

 

مَن قتلَ الإمامْ ؟

عساكرٌ بكاملِ السّلاحِ يدخلونْ

عساكرٌ بكاملِ السّلاحِ يخرجونْ

محاضِرٌ .. آلاتُ تسجيلٍ .. مصوّرونْ

يا سادَتي :

ما النفعُ من إفادَتي ؟

ما دمتُمْ ـ إن قلتُ وإنْ ما قلتْ ـ سوفَ تكتبونْ

ما تنفعُ استغاثتي ؟

ما دمتمْ ـ إن قلتُ وإن ما قلتُ ـ سوفَ تضربونْ

ما دمتمْ منذُ حكمتُمْ بلدي ..

عنّي تُفَكّرونْ ..

 

(3)

 

لستُ شيوعيّاً ـ كما قيلَ لكمْ ـ يا سادَتي الكِرامْ

ولا يمينيّاً ـ كما قيلَ لكمْ ـ يا سادَتي الكِرامْ

مسقطُ رأسي في دمشقَ الشامْ ..

هل واحدٌ من بينكمْ يعرفُ أينَ الشامْ ؟

هل واحدٌ من بينكم أدمنَ سُكنى الشامْ ؟

رَواهُ ماءُ الشامْ .. كَواهُ عِشقُ الشامْ ؟

تأكّدوا يا سادتي

لن تجدوا في كلِّ أسواقِ الورودِ وردةً كالشامْ

وفي دكاكينِ الحِلى جميعِها .. لؤلؤةً كالشامْ

لن تجدوا .. مدينةً حزينةَ العينينِ مثلَ الشامْ ..

 

(4)

 

لستُ عميلاً قذراً ...

ـ كما يقولُ مخبروكمْ ـ يا سادتي الكرامْ

ولا سرقتُ قمحةً ، ولا قتلتُ نملةً

ولا دخلتُ مركزَ البوليسِ يوماً .. سادتي الكرامْ

يعرفُني في حارتي الصغيرُ والكبيرْ

يعرفُني الأطفالُ ، والأشجارُ ، والحَمامْ

وأنبياءُ اللهِ يعرفونني

عليهمْ الصلاةُ والسلامْ

الصلواتُ الخمسُ .. لا أقطعُها يا سادتي الكرامْ ..

وخطبةُ الجمعةِ لا تفوتُني .. يا سادتي الكرامْ ..

من ربعِ قرنٍ وأنا أمارسُ الركوعَ والسجودْ

أمارسُ القيامَ والقعودْ

أمارسُ التشخيصَ خلفَ حضرةِ الإمامْ

يقولُ : ( اللهمَّ إمحقْ دولةَ اليهودْ )

أقولُ : ( اللهمَّ إمحقْ دولةَ اليهودْ )

يقولُ : ( اللهمَّ شتّتْ شملَهمْ )

أقولُ : ( اللهمَّ شتّتْ شملَهمْ )

يقولُ : ( اللهمَّ إقطعْ نَسلَهُمْ )

أقولُ : ( اللهمَّ إقطعْ نسلهُمْ )

يقولُ : (أغرقْ حرثَهم وزرعَهمْ )

أقولُ : (أغرقْ حرثَهمْ وزرعَهمْ )

وهكذا .. يا سادتي الكرامْ

قضيتُ عشرينَ سنهْ ..

أعيشُ في حظيرةِ الأغنامْ

أعلفُ كالأغنامْ

أنامُ كالأغنامْ

أبولُ كالأغنامْ

أطفال الحجارة

 

 

بهروا الدنيا..

وما في يدهم إلا الحجاره..

وأضاؤوا كالقناديلِ، وجاؤوا كالبشاره

قاوموا.. وانفجروا.. واستشهدوا..

وبقينا دبباً قطبيةً

صُفِّحت أجسادُها ضدَّ الحراره..

 

قاتَلوا عنّا إلى أن قُتلوا..

وجلسنا في مقاهينا.. كبصَّاق المحارة

واحدٌ يبحثُ منّا عن تجارة..

واحدٌ.. يطلبُ ملياراً جديداً..

وزواجاً رابعاً..

ونهوداً صقلتهنَّ الحضارة..

واحدٌ.. يبحثُ في لندنَ عن قصرٍ منيفٍ

واحدٌ.. يعملُ سمسارَ سلاح..

واحدٌ.. يطلبُ في الباراتِ ثاره..

واحدٌ.. بيحثُ عن عرشٍ وجيشٍ وإمارة..

 

آهِ.. يا جيلَ الخياناتِ..

ويا جيلَ العمولات..

ويا جيلَ النفاياتِ

ويا جيلَ الدعارة..

سوفَ يجتاحُكَ –مهما أبطأَ التاريخُ-

أطفالُ الحجاره..

إغضب

 

إغضبْ كما تشاءُ..

واجرحْ أحاسيسي كما تشاءُ

حطّم أواني الزّهرِ والمرايا

هدّدْ بحبِّ امرأةٍ سوايا..

فكلُّ ما تفعلهُ سواءُ..

كلُّ ما تقولهُ سواءُ..

فأنتَ كالأطفالِ يا حبيبي

نحبّهمْ.. مهما لنا أساؤوا..

 

إغضبْ!

فأنتَ رائعٌ حقاً متى تثورُ

إغضب!

فلولا الموجُ ما تكوَّنت بحورُ..

كنْ عاصفاً.. كُنْ ممطراً..

فإنَّ قلبي دائماً غفورُ

إغضب!

فلنْ أجيبَ بالتحدّي

فأنتَ طفلٌ عابثٌ..

يملؤهُ الغرورُ..

وكيفَ من صغارها..

تنتقمُ الطيورُ؟

 

إذهبْ..

إذا يوماً مللتَ منّي..

واتهمِ الأقدارَ واتّهمني..

أما أنا فإني..

سأكتفي بدمعي وحزني..

فالصمتُ كبرياءُ

والحزنُ كبرياءُ

إذهبْ..

إذا أتعبكَ البقاءُ..

فالأرضُ فيها العطرُ والنساءُ..

وعندما تحتاجُ كالطفلِ إلى حناني..

فعُدْ إلى قلبي متى تشاءُ..

فأنتَ في حياتيَ الهواءُ..

وأنتَ.. عندي الأرضُ والسماءُ..

 

إغضبْ كما تشاءُ

واذهبْ كما تشاءُ

واذهبْ.. متى تشاءُ

لا بدَّ أن تعودَ ذاتَ يومٍ

وقد عرفتَ ما هوَ الوفاءُ...

إفادة في محكمة الشعر

ألقيت في مهرجان الشعر التاسع ببغداد عام

مرحباً يا عراقُ ، جئتُ أغنّيكَ

وبعـضٌ من الغنـاءِ  بكـاءُ

مرحباً، مرحباً.. أتعرفُ  وجهاً

حفـرتهُ الأيّـامُ والأنـواءُ؟

أكلَ الحبُّ من حشـاشـةِ قلبي

 والبقايا تقاسمتـها  النسـاءُ

كلُّ أحبابي القدامى نسَــوني

لا نُوارَ تجيـبُ أو عفـراءُ

فالشـفاهُ المـطيّبـاتُ رمـادٌ

وخيامُ الهوى رماها الـهواءُ

سـكنَ الحزنُ كالعصافيرِ قلبي

فالأسى خمرةٌ وقلبي الإنـاءُ

أنا جـرحٌ يمشـي على قدميهِ

وخيـولي قد هدَّها الإعياءُ

فجراحُ الحسينِ  بعضُ جراحي

وبصدري من الأسى كربلاءُ

وأنا الحزنُ من  زمانٍ صديقي

وقليـلٌ في عصرنا الأصدقاءُ

مرحباً يا عراقُ، كيفَ العباءاتُ

وكيفَ المها..  وكيفَ الظباءُ؟

مرحباً يا عراقُ ... هل نسيَتني

بعدَ طولِ السنينِ سامـرّاءُ؟

مرحباً يا جسورُ يا نخلُ يا نهرُ

وأهلاً يا عشـبُ... يا أفياءُ

كيفَ  أحبابُنا على ضفةِ النهـرِ

وكيفَ البسـاطُ والنـدماءُ؟

كان عنـدي هـنا أميرةُ حـبٍّ

ثم ضاعت أميرتي الحسـناءُ

أينَ وجـهٌ في الأعظميّةِ حلـوٌ

لو رأتهُ تغارُ منهُ السـماءُ؟

إنني السـندباد.ُ.. مزّقهُ البحـرُ

و عـينا حـبيبتي المـيناءُ

مضغَ الموجُ مركبي ... و جبيني

ثقبتهُ العواصـفُ الهـوجاءُ

إنَّ في داخلي عصوراً من الحزنِ

فهـل لي إلى العـراقِ التجاءُ؟

و أنا العاشـقُ الكبيرُ... ولكـن

ليس تكفي دفاتـري الزرقـاءُ

يا حزيرانُ.ما الذي فعلَ الشعرُ؟

وما الذي أعطـى لنا الشعراءُ؟

الدواويـنُ  في  يدينا طـروحٌ

والتعـابيرُ كـلُّها إنـشاءُ

كـلُّ عامٍ نأتي لسـوقِ عُـكاظٍ

وعـلينا العمائمُ الخضـراءُ

ونهـزُّ الرؤوسَ مثل  الدراويشِ

...و بالنار تكتـوي سـيناءُ

كـلُّ عامٍ  نأتي ... فهذا جريـرٌ

يتغنّـى.. وهـذهِ الخـنساءُ

لم نزَل ، لم نزَل نمصمصُ قشراً

وفلسطـينُ خضّبتها الـدماءُ

يا حزيـرانُ... أنـتَ أكـبرُ منّا

وأبٌ أنـتَ مـا لـهُ أبـناءُ

لـو مـلكـنا بقيّـةً مـن إبـاءٍ

لانتخـينا.. لكـننا جـبناءُ

يا عصـورَ المعلّقـاتِ مـلَلنا...

ومن الجسـمِ قد يملُّ الرداءُ

نصـفُ أشـعارنا نقوشٌ ومـاذا

ينفعُ النقشُ حين يهوي البناءُ؟

المـقاماتُ لعبةٌ ... والحريـريُّ

حشيشٌ.. والغولُ والعـنقاءُ

ذبحتنا  الفسـيفسـاءُ عصـوراً

والدُّمى والزخارفُ البلـهاءُ

نرفـضُ الشعرَ  كيمياءً وسحراً

قتلتنا القصيـدةُ الكيـمياءُ

نرفـضُ الشعرَ  مسـرحاً ملكياً

من كراسيهِ يحرمُ البسـطاءُ

نرفـضُ الشعرَ أن يكونَ حصاناً

يمتطـيهِ الطـغاةُ والأقـوياءُ

نرفـضُ الشعرَ عتمـةً ورموزاً

كيف تستطيعُ أن ترى الظلماءُ؟

نرفـضُ الشعرَ أرنبـاً خشـبيّاً

لا طمـوحَ لـهُ ولا أهـواءُ

نرفضُ الشعرَ في قهوةِ الشـعر..

دخـانٌ أيّامـهم.. وارتخـاءُ

شعرُنا اليومَ يحفرُ الشمسَ حفراً

بيديهِ.. فكلُّ شـيءٍ مُـضاءُ

شـعرنا اليومَ هجمةٌ واكتشـافٌ

لا خطوطَ كوفيّـةً ، وحِداءُ

كلُّ شعـرٍ معاصـرٍ  ليـسَ فيهِ

غصبُ العصرِ نملةٌ عـرجاءُ

ما هوَ الشعـرُ... إن غدا بهلواناً

يتسـلّى برقصـهِ الخُـلفاءُ

ما هو الشعرُ... حينَ يصبحُ فأراً

كِسـرةُ الخبزِ –هَمُّهُ- والغِذاءُ

و إذا أصـبحَ المفكِّـرُ  بُـوقـاً

يستوي الفكرُ عندها والحذاءُ

يُصلبُ الأنبياءُ مـن أجـل رأيٍ

فلماذا لا يصلبَ الشعـراءُ؟

الفدائيُّ وحـدهُ.. يكتـبُ الشـعرَ

و كـلُّ الذي كتبناهُ هـراءُ

إنّهُ الكاتـبُ  الحقيقـيُّ للعصـرِ

ونـحنُ الحُـجَّابُ والأجـراءُ

عنـدما تبـدأُ البنـادقُ بالعـزفِ

تمـوتُ القصـائدُ العصـماءُ

مـا لنا ؟ ما لنا نلـومُ حزيـرانَ

و في الإثمِ كـلُّنا شـركاءُ؟

من هـم الأبرياءُ ؟ نحنُ جميـعاً

حامـلو عارهِ ولا اسـتثناءُ

عقلُنا ، فكـرُنا ، هـزالُ  أغانينا

رؤانا، أقوالُـنا الجـوفـاءُ

نثرُنا، شعرُنا، جرائدُنا الصـفراءُ

والحـبرُ والحـروفُ الإمـاءُ

البطــولاتُ موقـفٌ مسـرحيٌّ

ووجـوهُ الممثلـينَ طـلاءُ

 و فلسـطينُ  بينهـم  كـمـزادٍ

كلُّ شـارٍ يزيدُ حين يشـاءُ

وحـدويّون! و البـلادُ  شـظايا

كـلُّ جزءٍ من لحمها أجزاءُ

ماركسـيّونَ! والجماهـيرُ تشقى

فلماذا لا يشبـعُ الفقـراءُ؟

قرشـيّونَ! لـو رأتهـم قريـشٌ

لاستجارت من رملِها البيداءُ

لا  يمـينٌ يجيـرُنا أو يســارٌ

تحتَ حدِّ السكينِ نحنُ سواءُ

لو قرأنا التاريخَ ما ضاعتِ القدسُ

وضاعت من قبـلها "الحمـراءُ"..

يا فلسـطينُ ، لا تزالينَ عطشى

وعلى الزيتِ نامتِ الصحـراءُ

العباءاتُ.. كـلُّها مـن حـريـرٍ

واللـيالي رخيصـةٌ حمـراءُ

يا فلسـطينُ، لا تنـادي عـليهم

قد تساوى الأمواتُ والأحياءُ

قتلَ النفـطُ ما بهم مـن سـجايا

ولقد يقتـلُ الثـريَّ الثراءُ

يا فلسـطينُ ، لا تنادي قريشـاً

فقريشٌ ماتـت بها الخيَـلاءُ

لا تنادي الرجالَ من عبدِ  شمسٍ

لا تنادي.. لم يبـقَ إلا النساءُ

ذروةُ الموتِ أن تموتَ المروءاتُ

ويمشـي إلى الـوراءِ الـوراءُ

مرَّ عامـانِ والغـزاةُ مقيمـونَ

و تاريـخُ أمـتي... أشـلاءُ

مـرَّ عامانِ.. والمسـيحُ أسـيرٌ

في يديهم.. و مـريمُ العـذراءُ

مـرَّ عامـانِ... والمآذنُ تبكـي

و النواقيـسُ كلُّها خرسـاءُ

أيُّها الراكعونَ في معبدِ الحـرفِ

كـفانا الـدوارُ والإغـماءُ

مزِّقوا جُبَّـةَ الدراويـشِ عـنكم

واخلعوا الصوفَ أيُّها الأتقياءُ

اتـركـوا  أولياءَنـا بـسـلامٍ

أيُّ أرضٍ أعادها الأولياءُ؟

في فمي يا عراقُ.. مـاءٌ كـثيرٌ

كيفَ يشكو من كانَ في فيهِ ماءُ؟

زعمـوا أنني طـعنتُ بـلادي

وأنا الحـبُّ كـلُّهُ والـوفاءُ

أيريدونَ أن أمُـصَّ نـزيفـي؟

لا  جـدارٌ أنا و لا  ببـغاءُ!

أنـا حريَّتي... فإن سـرقـوها

تسقطِ الأرضُ كلُّها والسماءُ

ما احترفتُ النِّفاقَ يوماً وشعري

مـا اشتـراهُ الملـوكُ والأمراءُ

كـلُّ حـرفٍ كتبتهُ كانَ سـيفاً

عـربيّاً يشـعُّ منهُ الضـياءُ

و قـليـلٌ مِنَ الكـلامِ نَـقِـيٌّ

وكـثيرٌ من الكـلامِ بغـاءُ

كم أُعـاني مِمَّا كَتَبْـتُ عـذاباً

ويعاني في شـرقنا الشـرفاءُ

وجعُ الحرفِ رائـعٌ.. أوَتشـكو

للـبسـاتينِ وردةٌ حمـراءُ؟

كلُّ من قاتلوا  بحرفٍ شـجاعٍ

ثم ماتـوا.. فإنـهم شهداءُ

لا تعاقب يا ربِّ  من رجموني

واعفُ عنهم لأنّـهم جهلاءُ

إن حبّي للأرضِ  حـبٌّ بصيرٌ

وهواهم عواطـفٌ عمياءُ

إن أكُن قد كَوَيْـتُ لحمَ  بلادي

فمن الكيِّ قد يجـيءُ الشفاءُ

من بحارِ الأسى ، وليلِ اليتامى

تطلـعُ الآنَ زهـرةٌ بيضاءُ

و يطلُّ الفـداءُ شـمساً عـلينا

ما عسانا نكونُ.. لولا الفداءُ

من جـراحِ المناضلينَ... وُلدنا

ومنَ الجرحِ تولدُ الكـبرياءُ

قبلَهُم ، لم يكـن هـناكَ قبـلٌ

ابتداءُ التاريخِ من يومِ جاؤوا

هبطـوا فـوقَ أرضـنا أنبياءً

بعد أن ماتَ عندنا الأنبياءُ

أنقذوا ماءَ وجهنا يـومَ  لاحوا

فأضاءت وجوهُنا السوداءُ

منحـونا إلى الحـياةِ جـوازاً

لم تكُـن قبلَهم لنا أسمـاءُ

أصـدقاءُ الحروفِ لا  تعذلوني

إن تفجّرتُ أيُّها الأصـدقاءُ

إنني أخزنُ الرعودَ  بصـدري

مثلما يخزنُ الرعودَ الشتاءُ

أنا ما جئتُ  كي أكـونَ خطيباً

فبلادي أضاعَـها الخُـطباءُ

إنني رافضٌ زماني وعصـري

ومن الـرفضِ تولدُ الأشـياءُ

أصدقائي، حكيتُ ما ليسَ يُحكى

و شـفيعي... طـفولتي والنـقاءُ

إنني قـادمٌ إليكـم ... و قلبـي

فـوقَ كـفّي حمامـةٌ بيضـاءُ

إفهموني... فما أنا غـيرُ طـفلٍ

فـوقَ عينيهِ يسـتحمُّ المـساءُ

أنا لا أعـرفُ ازدواجيّةَ الفكـرِ

فنفسـي.. بحـيرةٌ زرقـاءُ

لبلادي شـعري.. ولسـتُ أبالي

رفصتهُ أم باركتـهُ السـماءُ..

أم المعتز

 

 

1

 

عندما كانتْ بيروتُ تموتُ بينَ ذِراعَيَّ

كسَمَكَةٍ اختَرَقَها رِمحْ

جَاءَني هاتفٌ مِن دِمَشقَ يقولْ:

"أمُّكَ ماتَتْ".

لم أستوعبِ الكلماتِ في البدايَهْ

لم أستوعبْ كيفَ يمكنُ أنْ يموتَ السمَكُ كُلُّهُ في وقتٍ واحدْ ..

كانتْ هناكَ مدينةٌ حبيبةٌ تموتْ .. إسمُها بيروتْ

وكانتْ هناكَ أمٌّ مُدهِشَةٌ تَموتْ .. إسمُها فائزَة ..

وكانَ قَدَري أن أخرُجَ من موتٍ ..

لأدخُلَ في موتٍ آخَرْ ..

كانَ قَدَري أن أُسافِرَ بينَ مَوتَيْنْ ...

 

 

 

2

 

كلُّ مَدينةٍ عربيّةٍ هي أمّي ..

دمشق ، بيروت ، القاهرة ، بغداد ، الخرطوم ،

الدار البيضاء ، بنغازي ، تونس ، عمّان ، الرياض ،

الكويت ، الجزائر ، أبو ظبي وأخواتِها ..

هذهِ هيَ شَجَرةُ عائلتي ..

كلُّ هذهِ المدائنِ أنزَلَتْني مِنْ رَحْمِها

وأرضَعَتْني من ثَديِها ..

وملأَتْ جيوبي عِنباً ، وتيناً ، وبرقوقاً ..

كلُّها هَزَّتْ لي نَخلَها .. فأكَلْتْ ..

وفَتَحَتْ سماواتِها لي .. كَرَّاسَةً زَرقاءْ ..

فَكَتَبْتْ ..

لذلكَ ، لا أدخلُ مدينةً عِربيّةً .. إلا وتُناديني :

" يا وَلَدي " ...

لا أطرقُ بابَ مدينةٍ عربية ..

إلا وأجدُ سريرَ طفولتي بانتظاري ..

لا تنزُفُ مدينةٌ عربية إلا وأنزفُ معها ..

فهلْ كانتْ مصادفةً أن تموتَ بيروتْ ..

وتموتُ أمّي في وقتٍ واحدْ ؟

 

 

3

 

يعرفونَها في دمشقَ باسم (أمّ المعتزّ).

وبالرغمِ من أنَّ اسمها غيرُ مذكورٍ في الدليلِ السياحيّ

فهيَ جزءٌ من الفولكلورِ الشاميّ.

وأهميّتُها التاريخيّةُ لا تَقِلُّ عن أهميَّةِ (قصرِ العظم)

و(قبرِ صلاحِ الدين) و(مئذنةِ العروس)

ومزارِ (محي الدين بن عربي)

وعندما تصلُ إلى دمشقَ ..

فلا ضرورةَ أنْ تسألَ شرطيَّ السيرِ عن بيتِها ..

لأنَّ كُلَّ الياسمينِ الدمشقيِّ يُهَرهِرُ فوقَ شُرفَتِها ،

وكلُّ الفُلِّ البلديِّ يَتَرَبّى في الدلالِ بينَ يديها ..

وكلُّ القططِ ذاتِ الأصلِ التركيِّ ..

تأكلُ .. وتشربُ .. وتدعو ضيوفَها .. وتعقدُ اجتماعاتِها ..

في بيتِ أمّي ..

 

 

4

 

نسيتُ أنْ أقولَ لكمْ ، إنَّ بيتَ أمّي كانَ معقِلاً للحركةِ الوطنيّةِ في الشّامِ عامَ 1935. وفي باحةِ دارِنا الفسيحةِ كانَ يلتقي قادةُ الحركةِ الوطنيّة السورية بالجماهير. ومنها كانت تنطلقُ المسيراتُ والتظاهراتُ ضدَّ الانتدابِ الفرنسي ..

 

وبعدَ كلِّ اجتماعٍ شعبي، كانت أمّي تُحصي عددَ ضحاياها من أصُصِ الزّرعِ التي تحطّمتْ.. والشّتولِ النادرةِ التي انقصَفتْ .. وأعوادِ الزنبقِ التي انكسَرَتْ ..

 

وعِندما كانت تذهبُ إلى أبي شاكيةً لهُ خسارَتها الفادحة، كان يقولُ لها، رحمهُ الله، وهوَ يبتسمُ:

 

(سجّلي أزهاركِ في قائمةِ شهداءِ الوطن... وعوضكِ على الله...)

 

وتختجلُ أمّي من سخريّةِ أبي المبطّنة، ولكنها في نفسِ الوقت، تشعرُ بهزّةِ عنفوان، لأنَّ بيتَها صارَ بيتَ الوطنية.. ولأنَّ أزهارَها ماتتْ من أجلِ الحرية...

 

 

5

 

أمّي لا تتعاطى العلاقاتِ العامّة، وليسَ لها صورةٌ واحدةٌ في أرشيفِ الصحافة.

لا تذهبُ إلى الكوكتيلات وهي تلفُّ ابتسامتَها بورقةِ سولوفانْ ..

لا تقطَعُ كعكَةَ عيدِ ميلادِها تحتَ أضواءِ الكاميراتْ ...

لا تشتري ملابسَها من لندن وباريس ، وترسلُ تعميماً بذلكَ إلى من يهمّهُ الأمر ...

لا توزّعُ صورها كطوابعِ البريدِ على محرّراتِ الصفحاتِ الاجتماعية

ولم يسبقُ لها أن استقبلَتْ مندوبةً أيّ مجلةٍ نسائية، وحدّثتها عن حبّها الأوّل .. وموعدِها الأوّل .. ورجُلِها الأوّل ..

فأمّي (دّقّـةٌ قديمة) .. ولا تفهمُ كيفَ يكونُ للمرأةِ حبٌّ أوّلٌ .. وثانٍ .. وثالثٌ .. وخامسُ عَشَرْ ..

أمّي تؤمنُ بربٍ واحدٍ .. وحبيبٍ واحدٍ .. وحبٍ واحدٍ ..

 

 

6

 

قهوةُ أمّي مشهورة ..

فهيَ تطحنُها بمطحنتِها النّحاسيّةِ فنجاناً .. فنجاناً ..

وتغليها على نارِ الفحمِ .. ونارِ الصبر ...

وتعطّرُها بحبِّ الهالْ ..

وترشُّ على وجهِ كلِّ فنجانٍ قطرتينِ من ماءِ الزّهرْ ..

لذلكَ تتحوّلُ شرفةُ منزلِنا في الصّيف ..

إلى محطّةٍ تستريحُ فيها العصافيرْ ..

وتشربُ قهوتَها الصباحية عندنا ..

قبلَ أن تذهبَ إلى الشّغْل ..

 

 

7

 

وزارةُ زراعةٍ كانتْ هذهِ المرأة ..

ومن كَثرةِ الأزهارِ ، والألوانِ ، والروائحِ التي أحاطت بطفولتي كنتُ أتصوَّرُ أنَّ أمّي .. هي موظّفةٌ في قسمِ العطورِ بالجنّة ..

 

 

8

 

بموتِ أمّي ..

يسقطُ آخرُ قميصِ صوفٍ أغطّي بهِ جسدي

آخرُ قميصِ حنانْ ..

آخرُ مظلةِ مَطَرْ ..

وفي الشّتاءِ القادمْ ..

ستجدونَني أتجوّلُ في الشوارعِ عارياً ..

 

 

9

 

كلُّ النساءِ اللواتي عرفتُهُنّ

أحبَبْنَني وهُنَّ صاحياتْ ..

وحدَها أمّي ..

أحَبَّتْني وهيَ سَكْرى ..

فالحبُّ الحقيقيُّ هوَ أنْ تَسْكَرْ ..

ولا تَعرف لماذا تَسكرْ ..

 

 

10

 

أمّي متفشّيَةٌ في لُغَتي ..

كلّما نسيتُ ورقةً من أوراقي في صحنِ الدّارْ ..

رشَّتها أمّي بالماءِ مع بقيّةِ أحواضِ الزّرعْ ..

فتحوّلتِ الألِفُ إلى (امرأة) ..

والباءُ إلى (بنفسجة)

والدالُ إلى (دالية)

والراء إلى (رمّانة)

والسّينُ إلى (سوسنة) أو (سمكة) أو (سُنونوَّة)

ولهذا يقولونَ عن قصائدي إنها (مكيَّفَةُ الهواءْ)

ويشترونَها من عندِ بائعِ الأزهارْ ..

لا مِنَ المكتبة ...

 

 

11

 

كُلّما سألوها عن شِعري ، كانتْ تُجيبْ :

" ملائكةُ الأرضِ والسّماءِ .. ترضى عليه ".

طبعاً ... أمّي ليستْ ناقدةَ شِعرٍ موضوعيّة .

ولكنّها عاشقة . ولا موضوعيّةٌ في العشق .

فيا أمّي . يا حبيبَتي . يا فائزة ..

قولي للملائكةِ الذينَ كلَّفتِهِمْ بحراسَتي خمسينَ عاماً، أن لا يتركوني ..

لأنّي أخافُ أن أنامَ وحدي ...

أيظن؟

 

 

أَيَـظُـنُّ أنِّـي لُعبَـةٌ بيَدَيْـهِ ؟

أنـا لا أفَكِّـرُ بالرّجـوعِ إليـهِ

 

اليومَ عادَ .. كأنَّ شـيئاً لم يكُـنْ

وبراءةُ الأطـفالِ في عَـيْنيْهِ ...

 

ليقـولَ لي : إنِّي رفيقـةُ دربِـهِ

وبأنّني الحـبُّ الوحيـدُ لَدَيْـهِ..

 

حَمَلَ الزّهورَ إليَّ .. كيـفَ أرُدُّهُ

وصِبَايَ مرسـومٌ على شَـفَتَيْهِ ؟

 

ما عدْتُ أذكُرُ، والحرائقُ في دَمي

كيـفَ التجَـأْتُ أنا إلى زَنْدَيْـهِ

 

خبَّأتُ رأسـي عنـدَهُ ... وكأنّني

طفـلٌ أعـادوهُ إلـى أبَوَيْـهِ ..

 

حـتّى فسـاتيني التي أهملتُـها

فَرحَتْ بهِ .. رَقَصَتْ على قَدَمَيْهِ

 

سـامَحتُهُ.. وسـألتُ عن أخبارِهِ

وبكيـتُ سـاعاتٍ على  كَتِفَيْـهِ

 

وبدونِ أن أدري تركتُ له يـدي

لتنامَ كالعصفـورِ بيـنَ يَدَيـْهِ ..

 

ونَسيتُ حقدي كُلَّهُ فـي لَحظَـةٍ

مَن قالَ إنّي قد حَقَـدْتُ عليهِ ؟

 

كَم قُلتُ إنّي غيـرُ عائـدَةٍ لـهُ

ورَجعتُ .. ما أحلى الرّجوعَ إليهِ

بانتظار غودو

 

 

1

ننتظرُ القطارْ

ننتظرُ المسافرَ الخفيَّ كالأقدارْ

يخرجُ من عباءةِ السنينْ

يخرجُ من بدرٍ ، من اليرموكِ ،

من حطّينْ ..

يخرجُ ..

من سيفِ صلاحِ الدّينْ ..

من سنةِ العشرينْ

ونحنُ مرصوصونَ ..

في محطّةِ التاريخِ ، كالسّردينْ ..

يا سيّداتي سادتي :

هل تعرفونَ ما حُريّةُ السّردينْ ؟

حينَ يكونُ المرءُ مضطرّاً

لأن يقولَ رغمَ أنفهِ : (آمينْ)

حينَ يكونُ الجرحُ مضطرّاً

لأن يُقبّلَ السكّينْ ..

يا سيّداتي سادتي :

من سنةِ العشرينْ

ونحنُ كالدجاجِ في أقفاصنا

ننظرُ في بلاهةٍ

إلى خطوطِ سكّةِ الحديدْ

أفقيّةٌ حياتُنا ..

مثلَ خطوطِ سكّةِ الحديدْ

ضيّقةٌ .. ضيّقةٌ

مثلَ خطوطِ السكّةِ الحديدْ

ساعاتُنا واقفةٌ

لا اللهُ يأتينا .. ولا موزّعُ البريدْ

من سنةِ العشرينْ ، حتى سنةِ السبعينْ

نجلسُ في انتظارِ وجهِ الملكِ السعيدْ

كلُّ الملوكِ يشبهونَ بعضَهمْ

والملكُ القديمُ ، مثلُ الملكِ الجديدْ

 

2

ننتظرُ القطارْ

ونحملُ البيارقَ الحمراءَ ، والأزهارْ

تمضغُنا مكبّراتُ الصوتِ في الليلِ

وفي النهارْ

تنشرُنا إذاعةُ الدولةِ بالمنشارْ

إنتبهوا !

إنتبهوا !

خمسينَ يوماً - ربّما - تأخّرَ القطارْ

خمسينَ عاماً - ربّما - تأخّرَ القطارْ

تقيّحتْ أفخاذُنا من كثرةِ الجلوسْ

تقيّحَتْ ..

في رأسنا الأفكارْ

وصارَ لحمُ ظهرِنا

جزءاً من الجدارْ

جاؤوا بنا عشرينَ ألفَ مرّةً

تحتَ عويلِ الريحِ والأمطارْ

واستأجروا الباصاتِ كي تنقلنا

ووزّعوا الأدوار ..

وعلّمونا .. كالقرودِ الرقصَ

والعزفَ على المزمارْ

ودرّبونا ..

- ككلابِ الصيد - كيفَ ننحني

للقادمِ المسكونِ بالدهشةِ والأسرارْ

إذا أتى القطارْ ..

 

3

لم نَرَهُ ..

لكنَّ مَن رأوهُ فوقَ الشاشةِ الصغيرهْ

يبتلعُ الزجاجَ ..

أو يسيرُ كالهنودِ فوقَ النارْ

ويُخرجُ الأرانبَ البيضاءَ من جيوبهِ

ويقلبُ الفحمَ إلى نُضارْ

يؤكّدونَ أنّهُ ..

من أولياءِ اللهِ .. جلَّ شأنُهُ

وأنَّ نورَ وجههِ يحيِّرُ الأبصارْ ..

وأنّهُ سيحملُ القمحَ إلى بيوتنا

والسمنَ .. والطحينَ .. بالقنطارْ

ويجعلُ العميانَ يبصرونْ

ويجعلُ الأمواتَ ينهضونْ

ويزرعُ الحنطةَ في البحارْ

وأنّهُ - في سنواتِ حكمهِ -

يُدخلنا لجنّةٍ ..

من تحتها تنسكبُ الأنهارْ

لم نرَهُ ..

ولم نقبّلْ يدهُ

لكنَّ مَن تبرّكوا يوماً بهِ ..

قالوا بأنَّ صوتَهُ

يُحرّكُ الأحجارْ ..

وأنّهُ ..

وأنّهُ ..

هوَ العزيزُ الواحدُ القهّارْ ..

 

4

ننتظرُ القطارْ

مكسورةٌ - منذُ أتَينا - ساعةُ الزمانْ

والوقتُ لا يمرُّ ..

والثواني ما لها سيقانْ

تعلكُنا ..

تنهشُنا ..

مكبّراتُ الصوتِ بالأسنانْ ..

إنتبهوا !

إنتبهوا !

لا أحدٌ يقدرُ أن يغادرَ المكانْ

بغداد

مُـدّي بسـاطيَ وامـلأي أكوابي وانسي العِتابَ فقد نسَـيتُ عتابي
عيناكِ، يا بغـدادُ ، منـذُ طفولَتي شَـمسانِ نائمَـتانِ في أهـدابي
لا تُنكري وجـهي ، فأنتَ حَبيبَتي وورودُ مائدَتي وكـأسُ شـرابي
بغدادُ.. جئتُـكِ كالسّـفينةِ مُتعَـباً أخـفي جِراحاتي  وراءَ ثيـابي
ورميتُ رأسي فوقَ صدرِ أميرَتي وتلاقـتِ الشّـفَتانُ بعدَ غـيابِ
أنا  ذلكَ البَحّـارُ يُنفـِقُ عمـرَهُ

في البحثِ عن حبٍّ وعن أحبابِ

   

بغدادُ .. طِرتُ على حريرِ عباءةٍ

وعلى ضفائـرِ زينـبٍ وربابِ
وهبطتُ كالعصفورِ يقصِدُ عشَّـهُ والفجـرُ عرسُ مآذنٍ وقِبـابِ
حتّى رأيتُكِ قطعةً مِـن  جَوهَـرٍ

ترتاحُ بينَ النخـلِ والأعـنابِ

حيثُ التفتُّ أرى ملامحَ  موطني وأشـمُّ في هذا التّـرابِ ترابي
لم أغتـربْ أبداً ... فكلُّ  سَحابةٍ

بيضاءُ ، فيها كبرياءُ سَـحابي

إن النّجـومَ السّـاكناتِ هضابَكمْ ذاتُ النجومِ السّاكناتِ هِضابي
   

بغدادُ.. عشتُ الحُسنَ في ألوانِهِ

لكنَّ حُسـنَكِ لم يكنْ بحسـابي
ماذا سـأكتبُ عنكِ يا  فيروزَتي

فهـواكِ لا يكفيه  ألـفُ كتابِ

يغتالُني شِـعري، فكلُّ قصـيدةٍ تمتصُّني ، تمتصُّ زيتَ  شَبابي
الخنجرُ الذهبيُّ يشربُ مِن  دَمي وينامُ في لَحمي وفي أعصـابي
بغدادُ.. يا هزجَ الخلاخلِ والحلى

يا مخزنَ الأضـواءِ  والأطيابِ

لا تظلمي وترَ الرّبابةِ في يـدي

فالشّوقُ أكبرُ من يـدي ورَبابي

قبلَ اللقاءِ الحلـوِ كُنـتِ حبيبَتي وحبيبَتي تَبقيـنَ بعـدَ ذهـابي

بغداد في 8 آذار 1962

بيروت محظيتكم .. بيروت حبيبتي

 

 

1

سامحينا..

إن تركناكِ تموتينَ وحيدهْ ..

وتسلّلنا إلى خارجِ الغرفةِ نبكي كجنودٍ هاربينْ

سامحينا ..

إن رأينا دمكِ الورديَّ ينسابُ كأنهارِ العقيقْ

وتفرّجنا على فعلِ الزِنا ..

وبقينا ساكتينْ ..

 

2

آهِ .. كم كُنّا قبيحينَ، وكُنّا جُبناءْ ..

عندما بعناكِ، يا بيروتُ، في سوقِ الإماءْ

وحجزنا الشققَ الفخمةَ في حيِّ (الإليزيه) وفي (مايفير) لندنْ ...

وغسلنا الحزنَ بالخمرةِ، والجنسِ، وقاعاتِ القِمارْ

وتذكّرنا - على مائدةِ الروليتِ، أخبارَ الديارْ

وافتقدنا زمنَ الدِفْلى بلُبنانْ ..

وعصرَ الجُلَّنارْ ..

وبكينا مثلما تبكي النساءْ ..

 

3

آهِ .. يا بيروتُ،

يا صاحبةَ القلبِ الذهبْ

سامحينا ...

إن جعلناكِ وقوداً وحَطبْ

للخلافاتِ التي تنهشُ من لحمِ العربْ

منذُ أن كانَ العربْ !

 

4

طمئنيني عنكِ ...

يا صاحبةَ الوجهِ الحزينْ

كيفَ حالُ البحرِ ؟

هل هم قتلوهُ برصاصِ القنصِ مثلَ الآخرينْ ؟

كيفَ حالُ الحبِّ ؟

هل أصبحَ أيضاً لاجئاً ..

بين ألوفِ اللاجئينْ ؟

كيفَ حالُ الشعرِ ؟

هل بعدكِ - يا بيروتُ - من شعرٍ يُغنّى ؟

ذبَحَتنا هذهِ الحربُ التي من غيرِ معنى ..

أفرغتْنا من معانينا تماماً ..

بعثرتْنا في أقاصي الأرضْ ..

منبوذينَ ..

مسحوقينَ ..

مَرضى ..

مُتعبينْ ..

جعلتْ منّا - خلافاً للنبوءاتِ ..

يهوداً تائهينْ ...

 

5

هذهِ المرّةُ .. لم يغدرْ بنا

جيشُ إسرائيلْ ..

لكنّا انتحرنا ...

 

6

إصفحي، سيّدتي بيروتُ، عنّا

نحنُ لم نهجركِ مختارينَ .. لكنّا قرِفنا ..

من مراحيضِ السّياسه ..

وملَلنا ..

من ملوكِ السّيركِ .. والسيركِ .. وغشِّ اللاعبينْ

وكفرنا..

بالدكاكينِ التي تملأُ أرجاءَ المدينهْ ..

وتبيعُ الناسَ حقداً وضغينهْ ..

وبطاطينَ .. وسجاداً .. وبنزيناً مهربْ ..

آهِ يا سيّدتي كم نتعذّبْ ..

عندما نقرأُ أنَّ الشّمس في بيروتَ، صارتْ

كُرةً في أرجلِ المرتزقينْ ...

 

7

ما الذي نكتبُ، يا سيّدتي ؟

نحنُ محكومونَ بالموتِ، إذا نحنُ صَدَقنا ..

ثمّ محكومونَ بالموتِ، إذا نحنُ كذبنا

ماذا نكتبُ يا سيّدتي ؟

نحنُ لا نملكُ أن نحتجَّ ..

أو نصرخَ ..

أو نبصقَ ..

أو نكشفَ عن خيبتنا ..

أو نتمنّى ..

أخرستنا هذهِ الحربُ التي من غيرِ معنى ...

 

8

طلبوا منّا بأن ندخلَ في مدرسةِ القتلِ ..

ولكنّا رفضنا ..

طلبوا أن نشطرَ الربَّ لنصفينِ ..

ولكنّا اختجلنا ..

إننا نؤمنُ باللهِ ..

لماذا جعلوا اللهَ هنا .. من غيرِ معنى ؟

طلبوا منّا بأن نشهدَ ضدَّ الحبِّ ..

لكنْ ما شهدنا ..

طلبوا منّا .. بأن نشتمَ بيروتَ التي قمحاً .. وحبّاً

وحناناً .. أطعمَتْنا ...

طلبوا ..

أن نقطعَ الثديَ الذي من خيرهِ، نحنُ رضِعنا ..

فاعتذرنا ..

ووقفنا ضدَّ كلِّ القاتلينْ

وبقينا مع لُبنانَ سهولاً .. وجبالا ..

وبقينا مع لُبنانَ جنوباً .. وشمالا ..

وبقينا مع لُبنانَ صليباً .. وهلالا ..

وبقينا مع لُبنانَ الينابيعِ ..

ولُبنانَ العناقيدِ ..

ولُبنان الصبابهْ ..

وبقينا مع لُبنانَ الذي علّمنا الشعرَ ..

وأهدانا الكتابهْ

 

9

آهِ يا سيّدتي بيروتْ ..

لو جاءَ السّلامْ

ورجعنا، كالعصافيرِ التي ماتتْ من الغُربةِ والبردِ ..

لكي نبحثَ عن أعشاشنا بينَ الحُطامْ ..

ولكي نبحثَ عن خمسينَ ألفاً ..

قُتلوا من غيرِ معنى ..

ولكي نبحثَ عن أهلٍ وأحبابٍ لنا

ذهبوا من غيرِ معنى ..

وبيوتٍ .. وحقولٍ .. وأراجيحَ .. وأطفالٍ ..

وألعابٍ .. وأقلامٍ .. وكُرّاساتِ رسمٍ ..

أُحرقتْ من غيرِ معنى ...

آهِ ... يا سيّدتي بيروتْ ..

لو جاءَ السلامْ

ورجعنا ..

كطيورِ البحرِ، مذبحوينَ شوقاً وحنينا

وبنا شوقٌ إلى (منقوشةِ الزّعترِ) .. واللّيلْ ..

ومَن كانوا يبيعونَ عقودَ الياسمينْ

فمنَ الجائزِ، يا بيروتُ، أن لا تعرفينا ..

قد تغيّرتِ كثيرا ..

وتغيّرنا كثيرا ..

وكبرنا نحنُ - في عامينِ - آلافَ السنينْ

 

10

إحتملنا نفيَنا عشرينَ شهرا ..

وشربنا دمعنا عشرينَ شهرا ..

وبحثنا في زوايا الأرضِ عن عشقٍ جديدٍ

غيرَ أنّا ما عشقنا ..

وشربنا الخمرَ من كلِّ الدوالي ..

غيرَ أنّا ما سكِرنا ..

وبحثنا عن بديلٍ لكِ،

يا أعظمَ بيروتَ ..

ويا أطيبَ بيروتَ ..

ويا أطهرَ بيروتَ ..

ولكنْ ما وجدنا

ورجعنا ..

نلثمُ الأرضَ التي أحجارُها تكتبُ شعرا ..

والتي أشجارُها تكتبُ شعرا ..

والتي حيطانُها تكتبُ شعرا ..

وأخذناكِ إلى الصّدرِ ..

حقولاً .. وعصافيرَ .. وكورنيشاً .. وبحرا ..

وصرخنا كالمجانينِ على سطح السّفينهْ :

أنتِ بيروتْ ..

ولا بيروتُ أخرى

قصيدة التحدّيات

 

 

أتحدّى..

من إلى عينيكِ، يا سيّدتي، قد سبقوني

يحملونَ الشمسَ في راحاتهمْ

وعقودَ الياسمينِ..

أتحدّى كلَّ من عاشترتِهمْ

من مجانينَ، ومفقودينَ في بحرِ الحنينِ

أن يحبّوكِ بأسلوبي، وطيشي، وجنوني..

 

أتحدّى..

كتبَ العشقِ ومخطوطاتهِ

منذُ آلافِ القرونِ..

أن ترَيْ فيها كتاباً واحداً

فيهِ، يا سيّدتي، ما ذكروني

أتحدّاكِ أنا.. أنْ تجدي

وطناً مثلَ فمي..

وسريراً دافئاً.. مثلَ عيوني

 

أتحدّاهُم جميعاً..

أن يخطّوا لكِ مكتوبَ هوىً

كمكاتيبِ غرامي..

أو يجيؤوكِ –على كثرتهم-

بحروفٍ كحروفي، وكلامٍ ككلامي..

 

أتحداكِ أنا أن تذكُري

رجلاً من بينِ من أحببتهم

أفرغَ الصيفَ بعينيكِ.. وفيروزَ البحورْ

أتحدّى..

مفرداتِ الحبِّ في شتّى العصورْ

والكتاباتِ على جدرانِ صيدونَ وصورْ

فاقرأي أقدمَ أوراقَ الهوى..

تجديني دائماً بينَ السطورْ

إنني أسكنُ في الحبّ..

فما من قبلةٍ..

أُخذتْ.. أو أُعطيتْ

ليسَ لي فيها حلولٌ أو حضورْ...

 

أتحدّى أشجعَ الفرسانِ.. يا سيّدتي

وبواريدَ القبيلهْ..

أتحدّى من أحبُّوكِ ومن أحببتِهمْ

منذُ ميلادكِ.. حتّى صرتِ كالنخلِ العراقيِّ.. طويلهْ

أتحدّاهم جميعاً..

أن يكونوا قطرةً صُغرى ببحري..

أو يكونوا أطفأوا أعمارَهمْ

مثلما أطفأتُ في عينيكِ عُمري..

أتحدّاكِ أنا.. أن تجدي

عاشقاً مثلي..

وعصراً ذهبياً.. مثلَ عصري

 

فارحلي، حيثُ تريدينَ.. ارحلي..

واضحكي،

وابكي،

وجوعي،

فأنا أعرفُ أنْ لنْ تجدي

موطناً فيهِ تنامينَ كصدري..

ترصيع بالذهب على سيف دمشقي

 

 

أتراها تحبني ميسـون..؟

أم توهمت والنساء ظنون

 

يا ابنـة العمّ... والهوى أمويٌ

كيف أخفي الهوى وكيف أبين

 

هل  مرايا دمشق تعرف وجهي

من جديد أم غيّرتني السنيـنُ؟

 

يا زماناً في الصالحية سـمحاً

أين مني الغِوى وأين الفتونُ؟

 

يا سريري.. ويا شراشف أمي

يا عصافير.. يا شذا، يا غصون

 

يا زورايب حارتي.. خبئني

بين جفنيك فالزمان ضنين

 

واعذريني إن بدوت حزيناً

إن وجه المحب وجه حزين

 

ها هي الشام بعد فرقة دهر

أنهر سبعـة ..وحـور عين

 

آه يا شام.. كيف أشرح ما بي

وأنا  فيـكِ دائمـاً مسكونُ

 

يا دمشق التي تفشى شذاها

تحت جلدي كأنه الزيزفونُ

 

قادم من مدائن الريح وحـدي

فاحتضني ،كالطفل، يا قاسيونُ

 

أهي مجنونة بشوقي إليها...

هذه الشام، أم أنا المجنون؟

 

إن تخلت كل المقادير عني

فبعيـني حبيبتي أستعيـنُ

 

جاء تشرين يا حبيبة عمري

أحسن وقت للهوى تشرين

 

ولنا موعد على جبل الشيخ

كم الثلج دافئ.. وحنـونُ

 

سنوات سبع من الحزن مرت

مات فيها الصفصاف والزيتون

 

شام.. يا شام.. يا أميرة حبي

كيف ينسى غرامـه المجنون؟

 

شمس غرناطةَ أطلت علينا

بعد يأس وزغردت ميسلون

 

جاء تشرين.. إن وجهك أحلى

بكثير... ما سـره تشـرينُ ؟

 

إن أرض الجولان تشبه عينيك

فماءٌ يجري.. ولـوز.. وتيـنُ

 

مزقي يا دمشق خارطة الذل

وقولي للـدهر كُن فيـكون

 

استردت أيامها بكِ بدرٌ

واستعادت شبابها حطينُ

 

كتب الله أن تكوني دمشقاً

بكِ يبدا وينتهي التكويـنُ

 

هزم الروم بعد سبع عجاف

وتعافى وجداننا المـطعـونُ

 

اسحبي الذيلَ يا قنيطرةَ المجدِ

وكحِّل جفنيك يـا حرمونُ

 

علمينا فقه العروبـة يا شام

فأنتِ البيـان والتبيـيـنُ

 

وطني، يا قصيدة النارِ والورد

تغنـت بما صنعتَ القـرونُ

 

إركبي الشمس يا دمشق حصاناً

ولك الله ... حـافظ و أميـنُ

تلومني الدنيا

 

تلومني الدنيا إذا أحببتهُ

كأنني.. أنا خلقتُ الحبَّ واخترعتُهُ

كأنني أنا على خدودِ الوردِ قد رسمتهُ

كأنني أنا التي..

للطيرِ في السماءِ قد علّمتهُ

وفي حقولِ القمحِ قد زرعتهُ

وفي مياهِ البحرِ قد ذوّبتهُ..

كأنني.. أنا التي

كالقمرِ الجميلِ في السماءِ..

قد علّقتُه..

تلومُني الدنيا إذا..

سمّيتُ منْ أحبُّ.. أو ذكرتُهُ..

كأنني أنا الهوى..

وأمُّهُ.. وأختُهُ..

 

هذا الهوى الذي أتى..

من حيثُ ما انتظرتهُ

مختلفٌ عن كلِّ ما عرفتهُ

مختلفٌ عن كلِّ ما قرأتهُ

وكلِّ ما سمعتهُ

لو كنتُ أدري أنهُ..

نوعٌ منَ الإدمانِ.. ما أدمنتهُ

لو كنتُ أدري أنهُ..

بابٌ كثيرُ الريحِ.. ما فتحتهُ

لو كنتُ أدري أنهُ..

عودٌ من الكبريتِ.. ما أشعلتهُ

هذا الهوى.. أعنفُ حبٍّ عشتهُ

فليتني حينَ أتاني فاتحاً

يديهِ لي.. رددْتُهُ

وليتني من قبلِ أن يقتلَني.. قتلتُهُ..

 

هذا الهوى الذي أراهُ في الليلِ..

على ستائري..

أراهُ.. في ثوبي..

وفي عطري.. وفي أساوري

أراهُ.. مرسوماً على وجهِ يدي..

أراهُ منقوشاً على مشاعري

لو أخبروني أنهُ

طفلٌ كثيرُ اللهوِ والضوضاءِ ما أدخلتهُ

وأنهُ سيكسرُ الزجاجَ في قلبي لما تركتهُ

لو أخبروني أنهُ..

سيضرمُ النيرانَ في دقائقٍ

ويقلبُ الأشياءَ في دقائقٍ

ويصبغُ الجدرانَ بالأحمرِ والأزرقِ في دقائقٍ

لكنتُ قد طردتهُ..

 

يا أيّها الغالي الذي..

أرضيتُ عني الله.. إذْ أحببتهُ

هذا الهوى أجملُ حبٍّ عشتُهُ

أروعُ حبٍّ عشتهُ

فليتني حينَ أتاني زائراً

بالوردِ قد طوّقتهُ..

وليتني حينَ أتاني باكياً

فتحتُ أبوابي لهُ.. وبستهُ

جريمة شرف أمام المحاكم العربية

 

 

1

... وفقدتَ يا وطني البكارهْ

لم يكترثْ أحدٌ ..

وسُجّلتِ الجريمةُ ضدَّ مجهولٍ ،

وأُرخيتِ السّتارهْ

نسيتْ قبائلُنا أظافرَها ،

تشابهتِ الأنوثةُ والذكورةُ في وظائفِها ،

تحوّلتِ الخيولُ إلى حجارهْ ..

لم تبقَ للأمواسِ فائدةٌ ..

ولا للقتلِ فائدةٌ ..

فإنَّ اللحمَ قد فقدَ الإثارهْ ..

 

2

دخلوا علينا ..

كانَ عنترةُ يبيعُ حصانهُ بلفافتَيْ تبغٍ ،

وقمصانٍ مشجَّرةٍ ،

ومعجونٍ جديدٍ للحلاقةِ ،

كانَ عنترةُ يبيعُ الجاهليّهْ ..

دخلوا علينا ..

كانَ إخوانُ القتيلةِ يشربونَ (الجِنَّ) بالليمونِ ،

يصطافونَ في لُبنانَ ،

يرتاحونَ في أسوانَ ،

يبتاعونَ من (خانِ الخليليِّ) الخواتمَ ..

والأساورَ ..

والعيونَ الفاطميّهْ ..

 

3

ما زالَ يكتبُ شعرهُ العُذريَّ ، قَيسٌ

واليهودُ تسرّبوا لفراشِ ليلى العامريّهْ

حتى كلابُ الحيِّ لم تنبحْ ..

ولم تُطلَقْ على الزاني رصاصةُ بندقيّهْ

" لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ " !

ونحنُ ضاجعنا الغزاةَ ثلاثَ مرّاتٍ ..

وضيّعنا العفافَ ثلاثَ مرّاتٍ ..

وشيّعنا المروءةَ بالمراسمِ ، والطقوسِ العسكريّهْ

" لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ " !

ونحنُ غيّرنا شهادَتنا ..

وأنكرنا علاقَتنا ..

وأحرقنا ملفّاتِ القضيّهْ ..

 

4

الشمسُ تشرقُ مرّةً أخرى ..

وعُمّالُ النظافةِ يجمعونَ أصابعَ الموتى ،

وألعابَ الصّغارْ

الشمسُ تشرقُ مرّةً أخرى ..

وذاكرةُ المدائنِ ،

مثلُ ذاكرةِ البغايا والبحارْ

الشمسُ تشرقُ مرّةً أخرى ،

وتمتلئُ المقاهي مرّةً أخرى ،

ويحتدمُ الحوارْ

- إنَّ الجريمةَ عاطفيّهْ

- إنَّ النساءَ جميعهنَّ مغامِراتٌ ، والشريعةُ

  عندنا ضدَّ الضحيّهْ ..

- يا سادتي : إنَّ المخطّطَ كلَّهُ من صنعِ أمريكا،

  وبترولُ الخليجِ هو الأساسُ ، وكلُّ ما يبقى

  أمورٌ جانبيّهْ

- ملعونةٌ أمُّ السياسةِ .. نحنُ نحبُّ أزنافورَ ،

  والوسكيَّ بالثلجِ المكسّرِ ، والعطورَ الأجنبيّهْ

- إنَّ النساءَ بنصفِ عقلٍ ، والشريعةُ عندَنا ضدَّ الضحيّهْ

 

5

العالمُ العربيُّ ، يبلعُ حبّةَ (البثِّ المباشرْ) ..

(يا عيني عالصبر يا عيني عليهْ)

والعالمُ العربيُّ يضحكُ لليهودِ القادمينَ إليه

من تحتِ الأظافرْ ..

 

6

يأتي حزيرانُ ويذهبُ ..

والفرزدقُ يغرزُ السكّينَ في رئتَيْ جريرْ

والعالمُ العربيُّ شطرنجٌ ..

وأحجارٌ مبعثرةٌ ..

وأوراقٌ تطيرْ ..

والخيلُ عطشى ،

والقبائلُ تُستجارُ ، فلا تُجيرْ ..

(الناطقُ الرسميُّ يعلنُ أنهُ في السّاعةَ الأولى وخمس دقائق ،

شربَ اليهودُ الشايَ في بيروتَ ، وارتاحوا قليلاً في فنادقها ،

وعادوا للمراكبِ سالمينْ)

 

- لا شيءَ مثلَ (الجنِّ) بالليمونِ .. في زمنِ الحروبِ

- وأجملُ الأثداءِ ، في اللمسِ ، المليءُ المستديرْ ..

 

(الناطقُ الرسميُّ يعلنُ أنّهم طافوا بأسواقِ المدينة ،

واشتروا صُحفاً وتفّاحاً ، وكانوا يرقصونَ الجيركَ في حقدٍ ،

ويغتالونَ كلَّ الراقصينْ)

 

- إنَّ السّويدياتِ أحسنُ من يمارسنَ الهوى

- والجنسُ في استوكهولمَ يُشربُ كالنبيذِ على الموائدْ ..

- الجنسُ يُقرأُ في السّويدِ مع الجرائدْ

 

(الناطقُ الرسميُّ يعلنُ في بلاغٍ لاحقٍ ،

أنَّ اليهودَ تزوّجوا زوجاتِنا ، ومضوا بهنَّ .. فبالرفاهِ وبالبنينْ)

 

7

العالمُ العربيُّ غانيةٌ ..

تنامُ على وسادةِ ياسمينْ

فالحربُ من تقديرِ ربِّ العالمينْ

والسّلمُ من تقديرِ ربِّ العالمين ْ

 

8

قرّرتُ يا وطني اغتيالَكَ بالسفَرْ

وحجزتُ تذكرتي ،

وودّعتُ السّنابلَ ، والجداولَ ، والشَّجرْ

وأخذتُ في جيبي تصاويرَ الحقولِ ،

أخذتُ إمضاءَ القمرْ

وأخذتُ وجهَ حبيبتي

وأخذتُ رائحةَ المطرْ ..

قلبي عليكَ .. وأنتَ يا وطني تنامُ على حَجَرْ

 

9

يا أيّها الوطنُ المسافرُ ..

في الخطابةِ ، والقصائدِ ، والنصوصِ المسرحيّهْ

يا أيّها الوطنُ المصوَّرُ ..

في بطاقاتِ السّياحةِ ، والخرائطِ ، والأغاني المدرسيّهْ

يا أيّها الوطنُ المحاصَرُ ..

بينَ أسنانِ الخلافةِ ، والوراثةِ ، والأمارهْ

وجميعِ أسماءِ التعجّبِ والإشارهْ

يا أيّها الوطنُ ، الذي شعراؤهُ

يضَعونَ - كي يُرضوا السّلاطينَ -

الرموشَ المستعارهْ ..

 

10

يا سيّدي الجمهورَ .. إنّي مستقيلْ

إنَّ الروايةَ لا تُناسبني ، وأثوابي مرقّعةٌ ،

ودَوري مستحيلْ ..

لم يبقَ للإخراجِ فائدةٌ ..

ولا لمكبّراتِ الصوتِ فائدةٌ ..

ولا للشّعرِ فائدةٌ ، وأوزانِ الخليلْ

يا سيّدي الجمهورَ .. سامحني ..

إذا ضيّعتُ ذاكرتي ، وضيّعتُ الكتابةَ والأصابعْ

ونسيتُ أسماءَ الشوارعْ ..

إني قتلتُكَ ، أيّها الوطنُ الممدّدُ ..

فوقَ أختامِ البريدِ .. وفوقَ أوراقِ الطوابعْ ..

وذبحتُ خيلي المُضرباتِ عن الصهيلْ

إنّي قتلتُكَ .. واكتشفتُ بأنني كنتُ القتيلْ

يا سيّدي الجمهورَ .. سامحني

فدَورُ مهرّجِ السّلطانِ .. دَورٌ مستحيلْ

جسمك خارطتي

 

 

زيديني عِشقاً.. زيديني

يا أحلى نوباتِ جُنوني

يا سِفرَ الخَنجَرِ في أنسجتي

يا غَلغَلةَ السِّكِّينِ..

زيديني غرقاً يا سيِّدتي

إن البحرَ يناديني

زيديني موتاً..

علَّ الموت، إذا يقتلني، يحييني..

 

جسمكِ خارطتي.. ما عادت

خارطةُ العالمِ تعنيني..

أنا أقدمُ عاصمةٍ للحبّ

وجُرحي نقشٌ فرعوني

وجعي.. يمتدُّ كبقعةِ زيتٍ

من بيروتَ.. إلى الصِّينِ

وجعي قافلةٌ.. أرسلها

خلفاءُ الشامِ.. إلى الصينِ

في القرنِ السَّابعِ للميلاد

وضاعت في فم تَنّين

 

عصفورةَ قلبي، نيساني

يا رَمل البحرِ، ويا غاباتِ الزيتونِ

يا طعمَ الثلج، وطعمَ النار..

ونكهةَ شكي، ويقيني

أشعُرُ بالخوف من المجهولِ.. فآويني

أشعرُ بالخوفِ من الظلماء.. فضُمّيني

أشعرُ بالبردِ.. فغطّيني

إحكي لي قصصاً للأطفال

وظلّي قربي..

غنِّيني..

فأنا من بدءِ التكوينِ

أبحثُ عن وطنٍ لجبيني..

عن حُبِّ امرأة..

يكتُبني فوقَ الجدرانِ.. ويمحوني

عن حبِّ امرأةٍ.. يأخذني

لحدودِ الشمسِ..

 

نوَّارةَ عُمري، مَروحتي

قنديلي، بوحَ بساتيني

مُدّي لي جسراً من رائحةِ الليمونِ..

وضعيني مشطاً عاجياً

في عُتمةِ شعركِ.. وانسيني

أنا نُقطةُ ماءٍ حائرةٌ

بقيت في دفترِ تشرينِ

 

زيديني عشقاً زيديني

يا أحلى نوباتِ جنوني

من أجلكِ أعتقتُ نسائي

وتركتُ التاريخَ ورائي

وشطبتُ شهادةَ ميلادي

وقطعتُ جميعَ شراييني...

جمال عبد الناصر

 

1

قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ

قتلناكَ..

ليسَ جديداً علينا

اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ

فكم من رسولٍ قتلنا..

وكم من إمامٍ..

ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ

فتاريخُنا كلّهُ محنةٌ

وأيامُنا كلُّها كربلاءْ..

 

2

نزلتَ ع