الفاعل

الفـاعل

 

مدخــل

في المجال اللغوي، إن الفاعل هو الذي يسند له الفعل. وقد يكون إسما أو ضميرا ظاهرا أو مستترا، أو مبنيا للمجهول... أما في المجال الفلسفي فإن المسألة تتحدد عند المتكلمة في الفعل الإنساني، وعند الفلاسفة في مسألة الخلق وفي العلاقة السببية بين الفاعل والفعل. ومن هذا المنطلق تتنوع العلاقة بين الفاعل والإسناد، وبالتالي العلاقة بين الفعل والفاعل. فكيف يحدث الفعل ؟ هل تسند الأفعال للإنسان أم لله ؟ ما هي علاقة الفاعل بالجوهر ؟ ما هي نوع العلاقة السببية بين الفاعل والفعل ؟

1 ـ الفاعل والإسناد

من أبرز القضايا التي عالجها الفلاسفة إشكالية القدر التي تمكن ترجمتها من خلال الأسئلة التالية : هل تستند الأفعال للإنسان على سبيل الحقيقة أم على سبيل المجاز ؟ هل الإنسان مخير أم مجبر ؟

لقد تنوعت مواقف المتكلمين حسب أهدافهم العقائدية والسياسية. ففرقة الجبرية تعتقد أن الفعل يسند للإنسان على سبيل المجاز، وذلك بدافع تنزيه الله من التشبيه. فالإنسان مجبر في أفعاله ؛ ولو قلنا إنه مخير لأفاد ذلك أنه خالق أفعاله، ولتعدد الخالقون (الله والإنسان). فالصفات في نظر الجبرية تتنوع إلى صفات إلهية وبشرية ؛ وصفة الخلق صفة إلهية، فلا يجوز قولها أو مطابقتها على الإنسان.

أما المعتزلة، فيرون خلاف ذلك ؛ حيث يعتقدون أن الإنسان مخير في أفعاله، لأن الله تعالى منزه عن الظلم والشر. يقول تعالى : "وما ربك بظلام للعبيد". فإسناد الفعل الإنساني لله معناه أن الإنسان غير مسؤول عن أفعاله، ولكان التواب والعقاب سفه وتناقض. فكيف يصح أن يجازى الإنسان وهو غير مسؤول عن أفعاله ؟!! ومن ثمة كان الأحرى القول بأن الإنسان مخير.

لقد ارتأت فرقة الأشاعرة أن الجبرية والمعتزلة غالوا في مواقفهم تلك، فأراد الأشاعرة لأنفسهم أن يقفوا موقفا وسطا في مسألة الجبر والاختيار فقالوا بنظرية الكسب. وهي نظرية تفيد أن الأفعال تسند لله خلقا وللإنسان كسبا. فالإنسان يختار بإرادته الفعل الذي ينوي القيام به خيرا كان أو شرا، والله يهبه القدرة والاستطاعة على إتيانه. وهكذا يكون الإنسان مخيرا في إرادته، وتابعا في قدرته للمشيئة الإلهية.

وجدير بالذكر القول بأن المتكلمة انقسموا في تلك المسألة إلى فرق كلامية عقلية، وأخرى نقلية. أما المتكلمة العقليين فإنهم إذا توصلوا إلى نتائج أولوا النص الديني إلى ما يتفق مع تمثلاتهم اعتقادا منهم أن الأسبقية يجب أن تعطى للعقل على النقل. أما الفرق الكلامية النقلية (كالأشاعرة مثلا)، فإنها ترى أن القضايا تنقسم إلى أمور توقيفية وأخرى توفيقية. والتوقيفية هي القضايا الميتافزيقية التي لا يستطيع العقل أن يأتيها، ومن ثمة يجب أن تعطى فيها الأسبقية للنقل على العقل.

2 ـ الفاعل والجوهر

إن الانتقال من علم الكلام إلى الفلسفة، يغير من طبيعة الإشكالية، حيث يقع تجاوز إشكالية القدر (الجبر والاختيار) إلى إشكالية الفاعل والجوهر. فما هي العلاقة بين الفاعل والجوهر ؟ إن مفهوم الجوهر يفيد اصطلاحا كل جسم بسيط غير متعين، لذا كان أهم ما نوقش في هذا الإطار : إشكالية خلق العالم. فكيف خلق الله العالم ؟ ومم خلقه ؟

فالمتكلمة ذهبوا إلى القول بالخلق من عدم حتى يكون الله هو الفاعل التام للكون، حيث خلقه بمادته وصورته ؛ وفي ذلك إثبات للقدرة والإرادة الإلهتين المطلقتين. والقول بالخلق من جوهر سابق هو خروج عن العقيدة (في نظرهم). هكذا تكون نظرية الخلق من عدم وحدها هي التي تفيد حدوث العالم وتؤكد الفعل الإلهي.

أما الفلاسفة فيرون أن العدم لا يعطي الوجود ؛ لأن العدم يعني الاستحالة : فشيء معدوم، يعني أنه مستحيل الوجود؛ والوجود لابد أن يكون من وجود سابق يتضمنه بالقوة. هكذا يمر كل وجود من مرحلتين : مرحلة الوجود بالقوة ثم مرحلة الوجود بالفعل. فكل وجود يتضمن بالقوة وجودا آخر هو ماسيؤول إليه إذا ما تحول. لذا يرى الفلاسفة أن نظرية الخلق من عدم نظرية كلامية باطلة، لأنهم يؤمنون بالمقدمة العقلية التالية : "لاشيء من لاشيء". هكذا نجد ابن رشد يرى أن الخلق كان من جوهر سابق وهو وجود هيولي (نسبة إلى الهيولى) تحول إلى العالم. فحين نقرأ النص الديني، فإننا نجد فيه آيات قرآنية تذهب إلى ذلك. ومن ثمة يكون العالم قديما (أزليا) في مادته، محدثا في صورته.

أما الفارابي وابن سينا فقد قالا بنظرية الفيض والصدور. بمعنى أن الله تأمل في ذاته منذ الأزل فكان الفيض والصدور. والعالم باعتباره إحدى الفيوضات، فإن وجوده كان وجودا اضطراريا من الله. ويستفاد من ذلك أيضا، أن العالم أزلي تبعا لأزلية مصدر الفيض (الله). هكذا يكون الله، في الفلسفة الإسلامية، هو السبب الفاعل للعالم. لكن ما هي نوعية العلاقة السببية بين الله والعالم؟

3 ـ الفاعل والسبب المحرك

إذا انطلقنا من الفعل الإنساني، فقد رأينا أن المتكلمة يتفرقون إلى من يعتبر السبب المحرك هو الإنسان، ومن يؤكد أن السبب المحرك هو الله. أما إشكالية الفعل باعتباره "خلق العالم" ؛ فإنها تضعنا أمام ثلاثة تصورات : تصور المتكلمين الذي يؤكدون فيه أن الله هو السبب المحرك باعتباره الفاعل التام للعالم من حيث هو أساس الوجود من خلال أمره الأزلي "كن" فكان العالم .

أما الأطروحة الرشدية (نسبة إلى ابن رشد)، فتذهب إلى أن الله فاعل للعالم من حيث صورته. وأما التصور الأخير فيتمثل في الفلسفة الفيضية، التي تؤكد أن الله هو المحرك الأول للعالم إلا أنه أول من حيث العلاقة السببية فقط وليس أولا من حيث الزمان. وهو كذلك المحرك الذي لا يتحرك. فالقدماء (المتكلمون والفلاسفة) يعتبرون الحركة فعل يكون نتيجة لسبب حارجي (فكل متحرك سبب حركته فاعل خارج عن ذاته). هكذا يتبين أن الاختلاف حاصل بين المتكلمة والفلاسفة، حيث يلاحظ بوضوح أن موقف المتكلمة مباين لموقف الفلاسفة في نظرية الخلق وفي طبيعة الفاعل، ذلك لأن مواقف المتكلمة مواقف عقائدية، حيث تحدوهم الرغبة في الدفاع عن العقيدة الإسلامية وإضفاء صفة الوحدانية المطلقة عن الذات الإلهية.

أما الفلاسفة فهم مفكرون يحتكمون إلى عقلية محايدة وتحدوهم الرغبة في الوصول إلىالحقيقة دون التقيد بالشريعة، اعتقادا منهم أن الشريعة لا تتناقض مع الفلسفة. فابن رشد ـ مثلا ـ يرى أن الشرع أمر الفلاسفة بالبحث عن الحقيقة، وذلك هو ما يفهم من قوله تعالى : "واعتبروا يا أولي الأبصار". ومن هذا المنطلق، يعتقد الفلاسفة بأن نتائجهم يقينية لأن منطلقاتهم ومقدماتهم يقينية. أما نتائج المتكلمة، فهي في نظر الفلاسفة، ظنية لأن منطلقاتهم ظنية. هكذا يرى الفلاسفة أن إشكالية الفاعل إشكالية فلسفية نظرية وليست إشكالية كلامية، لأن الفيلسوف وحده هو المؤهل للخوض في الأمور الميتافزيقية.

أما الفلاسفة فهم مفكرون يحتكمون إلى عقلية محايدة وتحدوهم الرغبة في الوصول إلىالحقيقة دون التقيد بالشريعة، اعتقادا منهم أن الشريعة لا تتناقض مع العقل. فابن رشد ـ مثلا ـ يرى أن الشرع أمر الفلاسفة بالبحث عن الحقيقة، وذلك هو ما يفهم من قوله تعالى : "واعتبروا يا أولي الأبصار". ومن هذا المنطلق، يعتقد الفلاسفة بأن نتائجهم يقينية لأن منطلقاتهم ومقدماتهم يقينية. أما نتائج المتكلمة، فهي في نظر الفلاسفة، ظنية لأن منطلقاتهم ظنية. هكذا يرى الفلاسفة أن إشكالية الفاعل إشكالية فلسفية نظرية وليست إشكالية كلامية، لأن الفيلسوف وحده هو المؤهل للخوض في الأمور الميتافزيقية.

تعاريف

الفرق الكلامية : تنقسم إلى فرق عقلية وأخرى نقلية. الفرقة الكلامية العقلية فرقة تعطي الأسبقية للعقل على النقل (النص الديني) ، والفرقة الكلامية النقلية تقول بأن القضايا تنقسم إلى توفبقبة وتوقيفية.

بعض من الآيات القرآنية التي وظفها ابن رشد :

قوله تعالى : "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب".(سورة آل عمران الآية7)

وقوله تعالى : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء [الآية](سورة هود الآية 7)

وقوله تعالى : ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين.(سورة فصلت الآية11 )

معنى التأويل : يقول ابن رشد: "ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز "

معنى الوجود بالقوة والوجود بالفعل : هذه النظرية تتعلق بالنوع الأول من الحركة : بتقلب الصور المختلفة على المادة الواحدة. إن في الخشب مثلا استعدادا لأن يصنع منه أدوات مختلفة : كرسي، طاولة، باب إلخ. من أجل ذلك قال أرسطو إن لهذه الأدوات وجودا بالقوة في الخشب (أي وجودا كامنا في الخشب). فإذا صنعنا من الخشب بابا، مثلا، فإن صورة الباب تصبح موجودة بالفعل. وكذلك النار موجودة في الخشب بالقوة، فإذا احترقت قطعة خشب أصبحت النار (التي كانت من قبل بالقوة في تلك القطعة من الخشب) نارا بالفعل [عمر فروخ "المنهاج الجديد في الفلسفة العربية " ص 52 ـ دار العلم للملايين، بيروت 1970 ]