هل صنعتْ الإباحيّةُ حضارةَ الغرب؟
قد يبدو السؤالُ غبيًّا ـ وهو فعًلا غبيّ!!
إذن لماذا نطرحُ مثلَ هذا السؤال؟
والإجابة: لأنَّ هناكَ (عباقرةً) في مجتمعنِا يدعونَ إلى الإباحيّة، وعرضِ المشاهدِ العاريةِ في بلدانِنا (وهو ما يحدثُ بالفعلِ في مهرجانِ القاهرةِ السينمائيّ الدوليّ) وإلغاءِ الرقابةِ على الأدبِ والفنّ (والرقابةُ الآنَ تكادُ تكونُ مجرّدَ اسمٍ لا معنى له!)، وتدريسِ الثقافةِ الجنسيّةِ في المدارسِ (وهو في سبيلِه للتطبيق)، وإباحةِ الدعارة، وادّعاءِ أنّه لا يُوجدُ ما يُسمّى بالغزوِ الثقافيّ، ولكن يوجدُ فقط تفاعلٌ ثقافيّ، …… إلخ.
كلُّ ذلك بدعوى أنَّ الغربَ يفعلُ كذا وكذا، وبما أنّه يفعلُه، وبما أنّه متقدّم، وبما أنّنا نريدُ أن نتقدّمَ مثلَه، فعلينا أن نكونَ إباحيّينَ مثلَه!
ويكادُ الأمرُ يكونُ عبثًا لو حاولنا أن نردَّ على هذه الدعاوى العبيطة، ولكن يبدو أنّه لا مفرّ، فمن يُطلقونَ هذه الدعاوى يملكونَ وسائلَ الإعلام، ويزيّفونَ وعىَ الناس، والحرّيّةُ عندَهم تسيرُ في اتّجاهٍ واحد: حرّيّةِ أن يفرضوا علينا آراءهم، دونَ أن يكونَ لنا حقُّ الاعتراضِ أو الرفض!
كيفَ تولدُ الحضارة:
إنَّ ما يصنعُ الحضارةَ هو منظومةٌ من القيمِ والأفكارِ والعقائد، مهما اختلفَ نوعُها:
- فالإسلامُ صنعَ حضارةً قامتْ على أساسٍ دينيّ.
- والرأسماليّةُ صنعتْ حضارةً قامتْ على أساسِ استقلالِ الفرد.
- والاشتراكيّةُ صنعتْ حضارةً، قامتْ على أساسِ سيطرةِ الدولة.
- والنازيّةُ التي اكتسحتْ أوروبا وشمالَ إفريقيا وهددت الديمقراطيّةَ الغربيّة، قامتْ على نظريّةِ تفوّقِ الجنسِ الآري، وتميّزِ الألمانِ عن باقي شعوبِ الأرض.
- والصهيونيّةُ التي نجحتْ في إقامةِ دولةِ إسرائيلَ على الرغمِ من أنوفِ العرب، قامتْ على أساسِ أنَّ اليهودَ هم شعبُ اللهِ المختار، وأنَّ اللهَ قد وعدَهم بالعودةِ إلى الأرضِ المقدّسة.
من الواضحِ إذن أنَّ الحضارةُ تبدأُ بدينٍ أو عقيدةٍ أو فكرةٍ أو مبدإٍ أو فلسفةٍ أو نظريّة.. تلك المنظومةُ الفكريّةُ (صحيحةً أو خاطئة) هي التي تُعطي الحماسَ للأفرادِ للعملِ والكفاحِ والتفكيرِ والإبداعِ لتطبيقِ العقيدةِ وتحقيقِ النظريّة.. هذا التغيّرُ الخلاقُ في شخصيّةِ الفردِ هو الذي يصنعُ الحضارة، ويولّدُ الاختراعاتِ ويُعلى البنيان.. إننا أمامَ إنسانٍ كرّسَ نفسَه لخدمةٍ هدفٍ يراهُ ساميًا.. هدفٍ يُطلقُ طاقاتِه ويشحذُ ذهنَه ووجدانَه.. لهذا تقترنُ الحضارةُ بازدهارِ الفلسفةِ والأدبِ والفنِّ والعلمِ والتكنولوجيا، ويُصاحبُها رخاءٌ اقتصاديّ، وقوّةٌ عسكريّة.
سؤالٌ للتفكير:
هل تقليدُ مظاهرِ حضارةٍ ما، يمكنُ أن يصنعَ حضارة؟
كيف تنهارُ الحضارة:
- تصاحبُ الحضارةَ دائمًا قوّةٌ عسكريّةٌ، تسوّلُ لأصحابِها أنّهم أفضلُ شعوبِ العالمِ وأكثرُها علمًا وحكمة، لهذا ينزِعونَ إلى فرضِ أفكارِهم على باقي الشعوبِ (المتخلّفةِ)، وغالبًا ما يتطوّرُ الأمرُ إلى احتلالٍ عسكريٍّ، طمعًا في ثرواتٍ لا يستحقُّها هؤلاءِ المتخلّفون[1].. مثلُ هذه النزعةِ الاستعماريّةِ هي التي تستنزفُ الحضارات، حيثُ يتضخّمُ الإنفاقُ العسكريُّ على حسابِ جوانبَ أخرى، كما يضيعُ خيرةُ الشبابِ في الحروبِ بلا هدف، خاصّةً أنَّ الشعوبَ المغلوبةَ لا تستكينُ للاحتلال، وتستمرُّ في المقاومة، كما أنَّ سياسةَ التوسّعِ تخلقُ العداءَ والصراعَ بينَ الحضاراتِ القويّة، كما حدثَ بينَ الفرسِ والرومِ، وفرنسا وانجلترا.
- تنشأُ مع الرفاهيةِ أجيالٌ منعّمةٌ، ترثُ الحضارةَ جاهزةً بكلِّ نزعاتِ الغرورِ فيها.. هذه الأجيالُ تغرَقُ في اللهوِ والخلاعةِ والفسادِ والمجون، دونَ أن تحاولَ أن تبذلَ مجهودًا للحفاظِ على الحضارةِ.. هنا تكونُ الحضارةُ كفقّاعةِ متألّقةٍ تعكسُ ألوانَ الطيف، لكنّها هشّةٌ تموجُ بالتوتّرِ والمشاكلِ الاجتماعيّةِ والتفكّكِ الأسريِّ، والانهيارِ الأخلاقيّ.. والباقي مسألةُ وقتٍ فحسب!
لماذا يحاربُ الغربُ الإسلام:
ذكرنا أنَّ العقيدةَ أو الفكرةَ أو الفلسفةَ هي ما يصنعُ الحضارة.. فهل يكونُ من المستغربِ أن يتخوّفَ الغربُ من عودةِ الحضارةِ العربيّةِ على أساسِ العقيدةِ الإسلاميّة؟
إنَّ الإسلامَ دينُ حياة، وهو لا يتركُ شيئًا من حياةِ الإنسانِ إلا ويخضعُه لنظامٍ دقيقٍ مُحكم، ويجعلُ الهدفَ الأسمى لحياةِ المسلمِ هو الله، بحيثُ يتوجّهُ المسلمُ في جدِّه ولهوِه بنيّةِ الإخلاصِ والطاعةِ لله عزَّ وجلّ.
فهل هناكَ تغييرٌ أسمى من هذا، يمكنُ أن يدركَ شخصيّةَ المرءِ، ويحفّزَه على النظامِ والدقّةِ والاجتهادِ والإتقانِ والإبداعِ؟
ولا يتّسعُ المقامُ للتّفصيل، ولكن يكفي أن يتفكّرَ كلٌّ منّا في كلِّ أمرٍ من أوامرِ الدين، ويحاولَ أن يتخيّلَ تأثيرَه على حياةِ وشخصيّةِ من يلتزمُ به.
لهذا، إذا كانَ الغربُ الاستعماريُّ يريدُ أن يضمنَ تبعيّتَنا الاقتصاديّةَ والسياسيّةَ له إلى الأبد، فلا بدَّ أن يمنعَ ويحاربَ كلَّ ما يمكنُ أن يمنحَنا الوعيَ والهدف.
لهذا تجدُ الإسلامَ على رأسِ القائمة، وإن كان ليس بمفردِه، فالغربُ يُحاربُ تقدّمنَا في كلِّ المجالات.. العسكريةِ والاقتصاديةِ والعلمية.. وغيرِها.
أينَ نحنُ الآن:
يمكنُكَ أن تقولَ إنّنا الآنَ في منطقةِ العدم.. منطقةِ فقدانِ الهُويّةِ وتخبّطِ الخطط، وضياعِ الطريق.
لقد نجحنا بمهارةٍ في تزويجِ سلبيّاتِ الحضارةِ العربيّةِ (التي أنكبتها الحقبة العثمانيّة) بسلبيّاتِ الحضارةِ الغربيّة!
فأخذنا من تاريخِنا:
- السلبيّةَ والاستسلامَ التامَّ للحكّامِ مهما طغَوا واستبدّوا.
- وإهمالَ المعرفةِ والثقافةِ، وإنكارَ دورِ العقلِ، والاعتمادَ على النقلِ عن السلفِ باعتبارِ أنّهم أنهَوا كلَّ المهامَّ الممكنة.
- والوقوعَ في النزاعِ والخلافِ حولَ توافهِ الأمور.
وأخذنا من الغربِ:
- تسفيهَ القيمِ والأخلاقِ والضمير.
- وحريّةَ المرأةِ التي تعني عُريَها وإهمالَها لدورِها الأسمى في الحياةِ ـ وهو تربيةُ أولادِها ورعايةُ بيتِها ـ لكي تزجَّ بنفسِها في أعمالٍ يؤديّها الرجلُ بنجاح، ولا تضيفُ إليها المرأةُ شيئًا ـ بالطبعِ ما عدا تلك التي تعتمدُ على جسدِها كسلعةٍ أساسيّة!!
- وتفاهةَ الشبابِ ولهاثَهم خلفَ كلَّ موضةٍ وتقليعةٍ في الملابسِ وقصّاتِ الشعرِ والأغاني والمأكولاتِ وأماكنِ اللهوِ والترفيه … إلخ.
- والاستهلاكَ الزائدَ عن الحدِّ، والجريَ وراءَ الأحدثِ والأكثرِ رفاهية، وإشباعَ شهوةِ الامتلاك.
- وانهيارَ العلاقاتِ الأسريّةِ والترابطِ الاجتماعيّ، وشيوعَ الفرديّةِ وتقديسِ المرءِ لذاتِه.
هذا المزيجُ المرعبُ أدّى إلى مخلوقاتٍ لا هدفَ لها في الحياةِ ـ غيرُ مصالحِها الشخصيّةِ المحدودة ـ تُهملُ العلمَ والعملَ والعبادة، لا تعرفُ تاريخَها ولا مجتمعَها ولا غدَها، يسيرُ الزمنُ من حولِها وهي في موضِعِها، كالحةً شاحبةً هزيلة!
ماذا تنتظرُ إذن؟
هل يمكنُ أن تحصلَ هذه المخلوقاتُ على السعادة؟
هل يمكنُ أن تغيّرَ واقعَها، وهي لا تفهمُه أساسًا؟
هل يمكنُ أن تُوقفَ اتّساعَ الفجوةِ بينَ مجتمعنِا والغرب؟[2]
يا لها من أسئلة!
الأغرابُ في أوطانِهم:
ثمَّ كيفَ يكونُ في نظرِكَ موقفُ من يعرفونَ طريقَهم وسْطَ هذا التيه، الذينَ يرونَ الحقيقةَ ناصعةً وسْطَ الظلام، الذين يدركونَ من أينَ جاءوا ولأينَ هم؟
إنَّهم للأسفِ غرباءُ في أوطانِهم، موضعُ سخريةٍ من السّذّجِ والدهماءِ والجهلاء، وموضعُ حذرٍ واضطهادٍ ممن هم في مواضعِ السلطةِ ويسوؤهم أن يبصرَ الناسُ الحقيقةَ لسببٍ أو لآخر!
وليسَ ذلكَ بغريب!
إنَّ الجهلاءَ والأشرارَ والمنحرفينَ والمتحرّرينَ والمنتفعينَ يُجاهدونَ لطمسِ هُويّةِ الملتزمين، لأنّهم يُفقدونَهم الأمانَ النفسيَّ والاجتماعيّ، ولذّةَ الاستمتاعِ بالخطإِ دونَ تذكّرِ أنّه خطأ، ودونَ الشعورِ بالحقارةِ وقلّةِ الشأنِ وتأنيبِ الضمير!.. كما أنّهم بالطبع يخشونَ من محاولة هؤلاء للتخلّص منهم واستصالهم، كأيّ ورمٍ خبيث ينبغي استئصاله!
لذلك ترى من يفعلُ الخطأَ يتبجّحُ ويقولُ لك: أنا حرّ!
ولكنّه لو رأى إنسانًا ملتزمًا يُسارعُ بالسخريةِ منه، وقذفِه بألفاظِ: المتحجّر، الرجعيّ، المتخلّف، عدوّ التقدّم، المنغلق، الجاهل، السطحيّ ……… إلخ!!!
تساؤلاتٌ حرّةٌ عن الحريّة:
· ما الفارقُ بينَ الحريّةِ والفوضى والهمجيّة؟
· ما الفارقُ بينَ حرّيّةِ الدّينِ والعبادة: مسلم.. مسيحي.. يهودي.. أو حتّى وثني!، وبينَ حريّةِ احتقارِ الدينِ ومهاجمةِ المقدّساتِ والتعدّي على الحُرمات؟
· ما الفارقُ بينَ حريّةِ الإبداعِ والفكرِ والديموقراطيّة والتعبيرِ عن الآراءِ ومهاجمةِ الأخطاء، وبينَ حريّةِ المجاهرةِ بالأخطاءِ والرذائلِ والفواحشِ والمَباذلِ والقصصِ الفاضحةِ والمجلاتِ الخليعةِ والأفلامِ الإباحيّة؟
· ما الفارقُ بينَ حريّةِ المرأةِ التي تعني: امرأةً متعلّمةً مثقّفةً واعيةً تعرفُ حقوقَها وتُعبّرُ عن آرائِها ويحترمُها الجميعُ في إطارٍ من الاحتشامِ والأخلاقِ وعدمِ الاختلاطِ بالرجال، وبينَ حرّيّةِ المرأةِ التي تجعلُها راقصةً أو داعرةً أو عارضةَ أزياء، أو تجعلُها تسيرُ شبهَ عاريةٍ في الشارع؟
· لماذا تفرضُ الدولةُ العقوباتِ على متعاطي المخدراتِ، مع أنّها (حرّيّةٌ شخصيّة)، ولا تفرضُها على الراقصاتِ والممثلاتِ الخليعاتِ والكتّابِ الإباحيّين، الذينَ هم السببُ الرئيسيُّ في انحرافِ الشبابِ، ووجودِ مثلِ هؤلاء المدمنينَ والمجرمين؟!!
هذه الأسئلةُ للتفكيرِ.. فقط!!
[1] لحسن حظّك أنّك ترى ذلك الآن عينيّا، فأمريكا وبريطانيا تطبّقانه عمليّا الآن في العراق!!
[2] أعتقد أن ما يحدث الآن في (العراق) خير دليل على الثمن الفادح الذي يدفعه أناس هذا حالهم!!!