العولمة:
العولمة: كلفظ مُجرّد مصطلح مُبهم، ويصبح مفهوما وتضح ماهيته عندما تُضاف إليه كلمة أخرى، كأن نقول عولمة الثقافة وعولمة الاقتصاد.
وبما أننا نعلم أن من يُنادي بالعولمة ويدعوا إليها هي أمريكا، فذلك يعني أولا: تعميم الثقافة الأمريكية، وثانيا: تعميم النظام الاقتصادي الأمريكي الرأسمالي.. وبشكل شمولي هو فرض الحضارة الأمريكية الغربية بكافة جوانبها، كأسلوب جديد للحياة على كافة شعوب العالم!
ولو قمنا بتقييم بسيط للحضارة الأمريكية، لوجدنا أن من رسم وشكّل معالم وأبعاد هذه الحضارة، منذ بدايات القرن الماضي هم الأسياد الجدد لأمريكا، أعني أرباب المال اليهود من خلال سيطرتهم المطلقة على كافة أدوات الإنتاج الأمريكي الاقتصادي والثقافي.
أما ملامح الحضارة الأمريكية، فهي في الواقع ترجمة حيّة لما يحمله اليهود من عقائد كفرية إلحادية، لا تؤمن إلا بكل ما هو محسوس، تدعوا إلى تأليه رأس المال والاقتصاد وعبادة أصحابه. وتدعوا إلى أخلاقيات اجتماعية تلمودية، سِمتُها الانحلال والإباحية والدعوة لممارسة كل رذيلة والتحلل من كل فضيلة.
نخلص إلى القول إلى أن الغاية من العولمة، هو نشر العقيدة اليهودية المادية الدنيوية، الخاصة بأصحاب البروتوكولات اليهود تمهيدا لضربتهم النهائية.
وفي أواخر القرن الماضي، تمكن اليهود من نشر هذه العقيدة في أمريكا والدول الغربية، وبعد أن استحكمت قبضتهم على مواقع صنع القرار فيها، من خلال امتلاكهم لرؤوس الأموال المحرّكة لاقتصاديات هذه الدول.. ومع انتهاء الحرب الباردة وتفرّد أمريكا بحكم العالم، امتلك هؤلاء القوة العظمى والوحيدة في العالم فأصبح لدى هؤلاء القدرة أكثر من أي وقت مضى - حسب تصورهم - على تنفيذ ما تبقى من خطوات مخططهم الشيطاني.
ولما أصبحت الرياح مواتية لهم، جلس أسياد العالم وائتمروا فتفتّقت أذهانهم، عن هذه الأفكار الجهنمية الخاصة بمنظمة التجارة العالمية وقوانينها، ومتطلبات الانتساب إليها لاختراق جميع الحواجز الاقتصادية، التي أقامتها الحكومات لحماية ثرواتها الوطنية، من الانسياب التلقائي إلى جيوب أرباب المال اليهود، والتي سيكون بمقدورهم من خلالها إصابة عدة عصافير بحجر واحد.
وجاءت العولمة الثقافية بوسائلها: المطبوعات والراديو والسينما والتلفاز والفيديو والأطباق اللاقطة وأخيرا الإنترنت.. وكان ابتكار الإنترنت بمُشاركة الأطباق اللاقطة، التي أُجبرت الدول العربية على السماح بدخولها، أكبر ضربة لما أقامه هؤلاء من حواجز لحماية شعوبهم من الغزو الثقافي الغربي.
وجاءت العولمة الاقتصادية لترفع الرسوم الجمركية عنها، لتصبح في متناول من لا يملك ثمن رغيف الخبز، ولتكون بمثابة حصان طروادة ولكن بحلّة جديدة، لتصل إلى البدوي في خيمته، والمشرّد في كهفه، والموظف في مكان عمله، والطالب في جامعته ومدرسته، وحتى الطفل في مهده.
بعد هذا العرض نستطيع تعريف لفظ العولمة على أنها:
مصطلح مضلل استعمل كغطاء للتعبير عن برنامج يهودي أمريكي لتهويد العالم بأسره.. أدواته الثقافية هي وسائل الاتصال والإعلام المختلفة، وأدواته الاقتصادية صندوق النقد والبنك الدولي والخصخصة ومنظمة التجارة العالمية.. وغايته خلق ديانة مادية جديدة تحت عنوان الثقافة والتحضّر، ونهب ثروات الشعوب تحت عنوان تحرير التجارة، وذلك لتهيئة الأجواء لظهور اليهود كأسياد للعالم بأسره، عندما يحين الوقت المناسب لذلك ـ إن لم يكن قد حان بالفعل.
أخطار العولمة على أرض الواقع:
الخطر الاجتماعي:
يتمثّل في ضرب منظومة العقائد والقيم والأخلاق، لدى الشعوب المختلفة في العالم، وذلك بتشكيل أجيال جديدة، تبحث بشتى الوسائل والسبل عما يُشبع غرائزها ورغباتها ونزواتها، لتهبط بالإنسان إلى ما دون مرتبة الحيوان، وبذلك يسهل على مخططي المؤامرة اليهود سياسة هذه الأجيال وتذليلها.. وبالتالي لن تكون هناك معارضة لمثل هؤلاء فيما لو حُكموا من قبل سادة العالم الجدد ملوك الإلحاد والإباحية، وهذا ما تصبوا إليه الأجيال التي هي في طور التشكّل الآن.
وقد بدأنا في السنوات الأخيرة، نرى نماذج من المسوخ البشرية في العديد من بيوت المسلمين، فتيان وفتيات لا يرغبون في التعلم أو العمل، والفشل هو السمة البارزة في أعمالهم وتوجهاتهم ونتائجهم، يجوبون الشوارع ويرتادون الأماكن العامة ويذهبون إلى الجامعات بحثا عن الحب والمجون والخلاعة، بعد أن أصبحت جامعاتنا وشوارعنا معارض لدور الأزياء العالمية، ولا أحد يريد العفاف والطهر.. لذلك تجدهم يعزفون عن الزواج، فما دمت تحصل على الحليب مجّانا، فما الداعي إذن لشراء البقرة؟
وأكبر الأثر في تشكيل هذه النماذج، هي القنوات الفضائية العربية - فضلا عن قنوات الإباحية الأجنبية - وخاصة التي تضم في طاقمها مقدّمي ومقدّمات البرامج اللبنانيين، بعرض الكاسيات العاريات المائلات المميلات، اللواتي يتحدثن بلسان عربي مبين، مما أعطى المبرر لفتياتنا وكسر الحاجز النفسي لديهن، ليتّخذن منهن قدوة تُحتذى بمباركة من الآباء الذين ينظرون إلى تلك الغواني وأولئك المخنّثين، بعين الرضا والقبول والإعجاب والاستحسان والاستمتاع.
ما تراه اليوم أن رجال أمة الإسلام يتحدّون الله وحدوده وحُرماته عن سبق إصرار وترصّد، وهم يدفعون فتياتهم بشكل مباشر لممارسة مهنة عرض الأزياء، في الشوارع والأماكن العامة والجامعات وأماكن العمل.. هدفهن دائما وأبدا الإغواء.. لينتهي بهن المطاف في أحضان الرذيلة فلا أحد معصوم، والذباب البشري الجائع يملأ الأجواء بحثا عن قطة الحلوى أو كيس للقمامة فلا فرق عنده!!
أما أطفال أمة الإسلام، فهم بين أيدي أمهات صفتهن قد تقدّمت أعلاه لا يفقهن من الزواج شيئا، ولا يملكن من عاطفة الأمومة واحد بالمليون مما تمتلكه وحوش القفر.. وتربية الأطفال لديهن تقوم على مبادئ تربية الدواجن وتسمين الخراف، وذلك لأنّ عقولهنّ محشوّة بالفضلات: الموضة، التلفاز، النزه، العمل، تحقيق الذات، حرّيّة المرأة، المساواة مع الرجل!!
أطفال مهملون في زوايا الغرف يحملقون في برامج المسوخ المتحركة، وأغاني ومسلسلات وأفلام الدعارة العربية والأجنبية.
أما في المدرسة فقد عُمِدَ إلى تغيير المناهج المدرسية، لسلخ الطفل عن هويته الإسلامية العربية، فحُذفت أمجاد الأبطال والبطولات الإسلامية، وبدلا منها تم تصميم بطولات وهمية لأبطال من ورق!!
وربما يضيفون غدا مناهج التربية الجنسية لتثقيف الأجيال الناشئة فالغرائز ـ التي تجيده حيوانات الشوارع ـ تحتاج إلى تعلم!!!
وتم تغيير أساليب التربية والتدريس بإلغاء عقوبة الضرب وإلغاء عقوبة الرسوب، وإدخال لغة العولمة كمبحث أساسي في المناهج الدراسية.
وخلاصة القول بأنهم سيُهوّدون العالم، تحت غطاء أمريكي مدموغ بـِ (made in USA) لدرجة أنهم ربما يُجبرونك على الذهاب لصلاة الجمعة، في يوم السبت أو الأحد بعد إحدى ندوات حوار الأديان!!!!
أما الخطر الاقتصادي:
فيتمثّل في ضرب قوانين الحماية التي وُضعت للمحافظة على الثروة الوطنية، وذلك لتسهيل عملية سلب ثروات الشعوب، وتكديسها في المصارف العالمية وإفقارها وتجويعها.. إذ لم يكفهم ما يقوم به البنك الدولي وصندوق النقد والخصخصة من نهب لثروات الشعوب، من خلال تغلغل الاستثمارات اليهودية في شتى أقطار العالم، بعد كل هزة أو أزمة اقتصادية مفتعلة بشكل مباشر أو غير مباشر.. فموجة الخصخصة التي هي أحد برامج صندوق النقد الدولي، أتاحت لرؤوس الأموال اليهودية الدخول للدول العربية، تحت مُسميات شركات أجنبية عالمية كبرى، أو عن طريق شركات محلية بأسماء عربية صورية مقابل حفنة من الدولارات.
بل ابتكروا ما هو أخطر بكثير، ألا وهو (منظمة التجارة العالمية) والتي تدعو لتحرير التجارة وتحرير رأس المال.. والملاحظ أن كل مبادئهم الهدامّة عادة ما تحمل صفة التحرير أو التحرر!!
وانظر إلى هذا القول الأعرج الأعوج، فالشعوب عندما تحمي سلعتها وصنعتها تصبح مُستعمِرة لتجارتها لذلك فهي بحاجة إلى التحرير!!
أما المراد من وراء ذلك في الحقيقة، فهو السطو على مكتسبات الدول الغنية والفقيرة بطرق شرعية ملتوية، مغطّاة بأوراق التغليف البراقّة الملوّنة، لتسحر أعين الشعوب المسحوقة بما يُشبه عملية التنويم المغناطيسي.
ولنوضح ما نقصده بذلك، بأنك تستطيع في البداية على سبيل المثال، الحصول على سيارة جيدة بثمن زهيد نتيجة تخفيض الجمارك والرسوم، ولكن هذا التخفيض سيترتب عليه عجز كبير في الموازنة العامة للدولة، نتيجة لكساد الصناعة الوطنيّة، ونزف العملات للخارج.. فمن أين ستغطّي الدولة هذا العجز برأيك، إن لم تعتمد على فرض رسوم وضرائب بديلة تحت مسميات أخرى، مع تقليل قيمة العملة المحلّيّة أمام الدولار، لتصل في النهاية إلى عدم القدرة على شراء الوقود لتلك السيارة، لعدم قدرة الراتب على تأمين متطلبات الحياة الأساسية، وستضطرّ في النهاية لبيع السيّارة بأبخس الأثمان!!
وبعد أن تمكّنوا من خلق قطعان من المستهلكين، تنظر بعين القداسة لكل ما هو غربي ومستورد، من منتجات ثقافية وتكنولوجية استهلاكية الطابع، جاءوا باتفاقيات هذه المنظمة لرفع القيود من قوانين جمركية وضريبية على السلع المستوردة، وذلك بغية فتح الأسواق الوطنية للسلع الأجنبية، وبالتالي تتهافت المجتمعات الاستهلاكية على تلك السلع، فتتسرّب العملة الوطنية إلى الخارج بلا توقف، ويترتّب على ذلك عجز كبير في ميزانيات دول العالم الثالث، التي لا تملك صناعات منافسة تعوّض وتعيد جزءًا من العملة المفقودة.
وسيظهر التأثير المدمّر على شعوب الدول التي انضمّت لهذه المنظمة، خلال فترة ربما لا تزيد عن سنة أو سنتين، وذلك عندما تبدأ المؤسسات والشركات الوطنية بالإفلاس والانهيار تباعا، ومن ثم انتشار البطالة والفقر والجوع بين مواطنيها انتشار النار في الهشيم.
إنّ هناك فرقا شاسعا بين فلسفة الاقتصاد وفلسفة الدمار والخراب.. تقضي فلسفة الاقتصاد بأن تنفق أقل مما تُنتج، وتدّخر الفائض لتقلبات الزمن.. وأما فلسفة الدمار والخراب تقضي بأن تنفق أضعاف أضعاف ما تنتج، لتنتهي في أحضان صندوق النقد الدولي، ولا أظن من قال: "على قدّ لحافك مدّ رجليك" كان حاصلا على دكتوراه في الاقتصاد ليصل إلى هذه النتيجة!
وأتساءل كيف عاشت البشرية ما يُقارب الستة آلاف سنة، بدون صندوق النقد الدولي وبرامجه الإصلاحية؟!!
أما الآن.. فأمعن النظر والفكر والوجدان، في كل ما يدور من حولك.. في بيتك، في الشارع، في المدرسة، في الجامعة، في وطنك، بل في العالم أجمع.. وأجب هن هذا التساؤل:
على أيّ هدي، يسير هذا الواقع الذي نحن عليه الآن؟!.. على هدي القرآن.. أم على هدي أسياد هذا الزمان!